الكسال

الكسال
الإثنين 10 ماي 2021 - 01:30

دار الحديث التواصلي الأول مع أُستاذة زهرة في جو جميل ساده الاحترام المتبادل. تعرفت الأستاذة أكثر على أسرة زهرة وهي تستمع بكل جدية للمعلومات المقدمة من طرف الأب حول طفلته وأسرته، وتابع هذا الأخير بكل دقة حديث الأستاذة. كيف لا وزوجته ـــ التي تعذر عليها الحضور ــــ في انتظار تقرير مفصل عن هذا اللقاء! وستمطره لا محالة بوابل من الأسئلة التي لا مفر له من الإجابة عليها، وإلا…

هذا الحديث التواصلي الذي دأبت هذه المؤسسة التعليمية على القيام به كل سنة في اليوم الأول من السنة الدراسية، يهدف إلى تقريب الآباء والمدرسين من بعضهم البعض وتوضيح الأدوار المنوطة بكل طرف وكذا التفاهم أيضا على طريقة التواصل طيلة السنة الدراسية. كل هذا من أجل تيسير العملية التعليمية للطفل وتشجيع الآباء على التواصل مع المدرسة. ولقد أتبثت العديد من الدراسات الرسمية أن مشاركة الآباء في العملية التعليمية داخل المدرسة وخارجها لها وقع إيجابي على نتائج الأطفال.

بعدما تطرقت الأستاذة إلى الأدوار والمساعدات التي يمكن للآباء المساهمة بها داخل المدرسة، بادرته بالسؤال التالي:

“هل يمكنك القيام بعرض داخل القسم تعرف به الأطفال حول مهنتك؟”

مشروع جديد سلكته المدرسة هذه السنوات الأخيرة للاستفادة من خبرة وتجارب الآباء. وكانت نتائجه باهرة.

إحدى الأمهات التي تعمل طبيبة مولدة، حولت القسم السنة المنصرمة إلى مصحة توليد. وأحضرت جل المعدات التي يُشتغل بها أثناء عملية التوليد. وبعدما قامت بشرح طريقة العمل التي تتم في هذا المجال وتسمية المعدات التي يُشتغل بها. باشرت العمل رفقة التلاميذ وكأنهم فريق عمل محترف يقوم فعلا باستقبال إحدى الأمهات ومساعدتها على الولادة.

أب آخر يعمل في شركة للنقل الحضري، خصص حافلة خاصة لنقل تلاميذ القسم إلى مقر الشركة. وهناك استمعوا إلى الشروحات وعاينوا الإجراءات التي يتم سلكها قبل وبعد إقلاع الحافلة لنقل الركاب. وقاموا بأدوار في هذا الاتجاه.

أحد الآباء أخذ على عاتقه العناية بحوض السمك المتواجد في مدخل المؤسسة. فهو الذي يقوم بتنظيفه وإطعام الأسماك المتواجدة فيه. وفي بعض الأحيان يشاركه بعض التلاميذ في عمله هذا.

ظل أبو قاسم، والد زهرة، صامتا لوهلة. وقبل أن يرد على سؤال الأستاذة، لمح نظرات ابنته وكأنها تقول له: اقبل الدعوة.

استمر في شروده. راودته أفكار عدة في ظرف وجيز وهو يستعرض المهن المتعددة التي مارسها في حياته. كانت البداية كطراح يطوف على المنازل ليحمل وصلة الخبز إلى فرن الحومة مقابل بعض الدريهمات أو قطع خبز، ما يسمى بالكسرة. وفي نهاية اليوم يضيف له “المعلم” بعض أقراص الخبز الصغيرة. حيث كان يحمل بعضها للبيت والبعض الآخر يبيعه لكسب بعض النقود يساعد بها أمه على مصاريف البيت. لقد عاش يتيما منذ صغره ولم يسعفه الحظ لمتابعة دراسته الثانوية. وبعدها انتقل للاشتغال كمُتعلم في الحياكة التقليدية. هذه الصنعة لم ترقه منذ البداية، فلم يعمر فيها طويلا ثم اقتحم ميدان الكسالة على مصراعيه.

“حبذا لو تكون المهنة تقليدية ولم يسبق لأحد أن عرضها في القسم”، أضافت الأستاذة.

ظلت زهرة محملقة بعينيها آملة من قلبها الخالص وهي تنتظر الإجابة التي ستصدر عن والدها. ارتسمت على محياها ابتسامة بريئة وتذكرت القصص العديدة التي كان يحكيها أبوها، عن الفران والخياط و… ثم تلفظت بكلمة “الكسال يا أبي”.

طبعا لم تستوعب أستاذتها الهولندية معنى الكلمة، وتحاشت أن تسأل عن معناها. ولكنها أدركت من خلال ملامح الوجه المتبادلة بين زهرة وأبيها أن الإجابة ستكون ايجابية لا محالة.

لقد كان أبو قاسم يمطر زهرة بالحكايات المتنوعة حول طفولته في حي العكاري العتيق. وكانت قصص الحمام غالبا ما تنال نصيب الأسد وتجلب انتباه زهرة بشكل كبير. ربما يرجع هذا للذكريات الجميلة التي كانت تقضيها بين أهلها في المغرب. فكلما حلت هناك كانت زيارة الحمام صحبة الخالات وبناتهن من بين الأنشطة التي لا يمكن الاستغناء عنها ولو مرة في الأسبوع على الأقل. كانت قصص ومناظر الحمام تنساب على زهرة كلما تذكرت مسقط رأس والديها. وكانت الحكايات التي تروى من طرف النساء داخل “الكلسة” بعد خروجهن من الحمام تشد انتباهها بشكل كبير. قصص حزينة وغريبة ومتنوعة المواضيع. إن الحمام التقليدي بالنسبة للنساء ليس فقط مكانا للتخلص من الأوساخ، وإنما فضاء خاص تلتقي فيه النسوة بكل حرية، بعيدا عن أعين الرجال التي تلاحقهن أينما حللن وارتحلن. فضاء تفرغ فيه النساء همومهن ويستمعن فيه أيضا للنصائح والارشادات والتجارب التي يتلقينها من طرف المستمعات. كانت زهرة تنتشي وتملؤها سعادة عارمة عندما تجلس جنب جدتها الحاجة كنزة بالقرب من مكان “الكلاسة”. مكان خاص كانت تحتفظ به هذه الأخيرة لها. لأن الجدة كانت من الزوار المدمنين على الحمام. وكانت تقضي فيه أكثر من نصف يوم. بضع سويعات في الغسل تحت إمرة “الكلاسة” والباقي في القيل والقال داخل “الكلسة” مع نسوة الحي.

أما قصص الرجال في الحمام فكانت تستقيها من أبيها الذي مارس مهنة “كسال” لمدة طويلة قبل أن تتاح له فرصة الهجرة. لقد كان معروفا في الحي بكامله ويطلق عليه “بّا قاسم الكسال”. بنيته القوية كانت تساعده على تحمل حرارة “البرمة” والمكوث أطول مدة داخل الحرارة المفرطة. متنقلا بين زبون وآخر وبيده خرقته السوداء التي يحاول بها إزالة الوسخ وتحرير المسام الجلدية مما علق بها من إفرازات سوداء تكبر شيئا فشيئا ثم تسقط كالدود المنتشر على الأرض.

بمجرد أن يطلب الزبون خدمة “الكسال”، يتسلم هذا الأخير زمام الأمور ويصبح هو الآمر والناهي. يغسل له أولا مكانا ويأمره بالجلوس فيه ريثما تسخن ذاته ويحمل سطول الماء من البرمة. ثم يطلب منه الانبساط ليمر على أعضائه بالحك. وبعد ذلك يأمره بالانبطاح على الجهة الأخرى. وما على الزبون إلا أن يمتثل للأوامر. خصوصا عندما يشرع في عملية التدليك. فالكسال خبير بالتجربة فيما يخص العضلات والمفاصل والعظام. يقوم تارة بالضغط ومرة أخرى بجر أعضاء الجسم محدثا في بعض الأحيان أصوات طرطقات العظام، دليلا على أن جسم الزبون قد استفاد من سخونة الحمام. وهكذا يكون الزبون قد استفاد من الكسالة والتدليك في آن واحد وبثمن مناسب. فينصرف إلى “الكلسة” حتى يستعيد أنفاسه من جديد ويعود غالبا في الحال إلى بيته، خلافا لعادة النسوة.

وافق أبو قاسم على تقديم عرض حول مهنة الكسال داخل القسم. انبسطت الأستاذة للخبر وضربت له موعدا.

غير أن ردة فعل زوجته كانت غير متوقعة. لم تعجبها فكرة تقديم عرض حول مهنة “الكسال” أمام تلاميذ القسم بالمرة.

“أتريد تشويه سمعتنا في الحي أما العادي والبادي؟”؛ كان ردها حول الفكرة.

حاولت زهرة إقناع أمها، لكنها لم تتقبل الأمر بتاتا. لكن أبا قاسم كان مصرا على تنفيذ فكرته، لأن ذكرياته مع تلك المهنة أكسبته احتراما وتقديرا كبيرين داخل الحي، وعن طريقها تعرف على العديد من الأصدقاء الذين بواسطتهم أتيحت له فرصة الهجرة إلى هذا البلد، وبالتالي ولوج باب الدراسة والتكوين.

تطوعت زهرة لمشاركة أبيها في إعداد العرض والحديث عن تجربتها مع الحمام. وكان عرضا ممتعا ومفيدا للجميع، أثار انتباه التلاميذ وحفزهم على المشاركة وطرح أسئلتهم. وأبانت زهرة عن إلمامها الكبير بكل ما يروج حول الحمام، وكانت الغبطة بادية على محياها وهي تشارك أباها في هذا العرض.

لقد عاش أبوقاسم في بداية حياته تجربة ليست بالسهلة. ولو أنه أجبر على العمل مبكرا والتخلي عن الدراسة، استطاع أن يأخذ المشعل من جديد ويكون نفسه ويحقق أحلامه. هذه هي العبرة التي أراد أن يبلغها من خلال عرضه، التي وفق فيها بامتياز ولو أنه لم يحول القسم إلى حمام!

أبو قاسم يشغل حاليا منصب رئيس قسم التصدير في إحدى الشركات الإلكترونية بهولندا.

نائب مدير مدرسة عمومية بأمستردام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • عادل
    الأربعاء 12 ماي 2021 - 07:44

    سرد ممتع عاشت الايادي
    اسلوب يجعلك ان تتابع القصة وانت بشوق كبير لمعرفة النهاية. بالاضافة الى الاستفادة القيمة من الموروث الثقافي الغني.
    كل الاحترام والتقدير لمهنة الكسال الذي يكسب قواه بعرق جبينه

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة