الماء والمقدس .. باحثة مغربية ترصد أوجه الصراع والتعايش مع اليهود

الماء والمقدس .. باحثة مغربية ترصد أوجه الصراع والتعايش مع اليهود
صورة: هسبريس
الأربعاء 7 أبريل 2021 - 07:00

صدر للباحثة حنان حمودا، ضمن سلسلة بحوث ودراسات رقم 84 من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، كتاب “الماء وصناعة المقدس”. ويتعلق الأمر بدراسة أنثروبولوجية لبنيات المجتمع الواحي بالمغرب ضمن 326 صفحة، حاولت نقل موضوع الماء إلى موقع أنثروبولوجي بارز عبر فتح مجموعة من بؤر النقاش والتفكير، والوصف والتحليل لمقومات ومرتكزات النظام الاجتماعي الداخلي.

وتقول حنان حمودا، الحاصلة على الدكتوراه في علم الاجتماع في تخصص سوسيو-أنثروبولوجيا الماء والموارد، إن موضوع «الماء وصناعة المقدس» تتبع للخبرة المحلية ومجموعة من الطقوس الزراعية والمائية، والمعتقدات الدينية الناظمة لحقل التصورات وحقل الممارسات داخل نظام الواحة.

كما تردف الباحثة نفسها بأن مساءلة جغرافية الموارد المائية في فضاء الدراسة أدت إلى رفع الستار عن مهرجان متنوع ومتسلسل من الطقوس المائية المرتبطة بحركية الفصول الفلاحية والزراعية، وهي المعبرة عن نظام من التفاعلات الاجتماعية، وعن صورة وتمثل «المقدس» من لدن الساكنة المحلية.

اليهود ومِلكية الماء

تورد حنان حمودا في الفصل الرابع من كتاب «الماء وصناعة المقدس»، المعني بالماء والتنظيمات الاجتماعية التقليدية بدوار أولاد اعميرة، في واحة سكورة بالجنوب الشرقي المغربي، أن الاطلاع على نماذج من العقود المحلية يوضح وجود خليط إثني إلى حدود تاريخ قريب، حيث اليهود أقدم ساكنة وكانوا يملكون الأرض وحقوق الماء.

وقدمت الدكتورة حمودا وثيقتين كشكل من هذه العلاقات التعاقدية التبادلية الموثقة عدليا بين اليهود والمسلمين في الحيز المكاني نفسه، تظهران صنفين من المعاملات والعلاقات الاجتماعية؛ تهم تارة «دائنة» أو «مديونة» عند المجموعتين، منها حالة اليهودي إسحاق بن مخلوف المدين لمحمد بن الهاشمي بقرض عيني تم التعهد بتأديته عبر تفويت الحصة المائية للمدين ورهنها للدائن.

ويضع العرف المحلي لمجتمع سكورة، وفق الدراسة السوسيو-أنثروبولوجية نفسها، علاقة الرهن في قلب المبادلات والعلاقات المالية بين الدائن والمدين؛ وفي حالة تعذر على الأخير أداء ما بذمته يقوم ممثلو العرف المحلي باستبدال طريقة إرجاع القرض النقدي، وتعويضه بمورد ذي قيمة اجتماعية واقتصادية ومالية؛ أبرزها الماء الذي كان، ومازال، ورقة إستراتيجية قيمتها تفوق باقي الموارد، كالأرض أو المال.

كما تستحضر الدكتورة حنان حمودا، في الاشتغال عينه، وثائق تهم شخصيتين يهوديتين؛ هما الحزان مير بن الدراوي، والدرعي هدو بن شالوم بن هنو، في تنظيم العلاقات والمبادلات السوسو ـ اقتصادية، من بيع وشراء ورهن للأرض والماء؛ بالإضافة على علاقة «الشّركَة» في أنشطة الرعي وتربية الماشية والزراعة، زيادة على المبادلات التجارية والمالية والعينية، مثلما يتم بين أبرز الفرق والاتحادات العائلية المسلمة التي كانت على قمة السلم الاجتماعي بهسكورة، ومنها شيخ «أولاد ابريك» في أولاد عميرة.

وفي وثيقة أخرى، تشدد الدراسة، يحضر شويل بن مير وصهره، يعقوب بن موشي، اللذان أبرآ ذمة احمد بن الحاج في الفدان الذي اتصل به في أرض «اولاد بوراص»، وضمنها جاء الحسم في ملكية الأرض، بما فيها من أشجار النخيل بين الأطراف الثلاثة، حيث آلت إلى بن الحاج بعدما رفع اليهوديان اعتراضهما بتسليم تام لا حجة بعده.

الماء وإنتاج الصراع

في الفصل السادس من الإصدار المذكور، الحامل عنوان التنظيم الاجتماعي للماء واستمرارية أعراف التركة القديمة، تنبش الدكتورة حنان حمودا في حضور المياه ضمن إعادة إنتاج علاقات الصراع الاجتماعي؛ حيث نموذج دوار اولاد اعميرة في واحة سكورة يستحضر مفهومَي «الصغار» و«الكبار» ونظام التراتبية في توزيع حصص الدورة المائية، وبالتالي يقوم مورد الماء بإنتاج علاقات الصراع والنزاع المستندة إلى تشغيل البنيات الاجتماعية والثقافية التقليدية القديمة، واستحضار مرتكزاتها السوسيولوجية، باعتبار المكانة الداخلية الكبرى لمنظومة القيم والأعراف والثقافية والاجتماعية والدينية؛ وبذلك يتم إيلاء اهتمام كبير للتراتبية الاجتماعية ومكونات النسيج البشري الداخلي.

وبذلك، تزيد الباحثة، تعد علاقات الصراع والنزاع والاحتقان الاجتماعي سمات طاغية على بين العلاقات الاجتماعية في الجنوب الشرقي بالمجتمع المغربي منذ قرون، خصوصا عند القبائل الواحية القديمة والأصلية من الناحية التاريخية، لارتباطها بأساليب وتقنيات مائية وزراعية وتعبيرية معقدة جدا؛ جعلت الماء يعتلي أقدس المقدسات بالنسبة للواحة والقبيلة.

وتذكر حمودا أن هذا الوضع المتميز ينعكس في تعدد واختلاف المحددات الثقافية وأساليب التدبير الاجتماعي على جملة من الأعراف والطقوس، والقواعد الاجتماعية المنظمة لكل من معطى الأرض ومعطى الماء؛ كما يؤثر هذا على تعدد وحدات وقياسات توزيع هذه الثروة الزرقاء حسب العرف والشرع المحلي المتبع منذ القدم بمجالات الواحات في المغرب.

كما تشدد الدارسة، علاقة بهذا الفضاء الواحي الجنوب الشرقي في المملكة، على أن النسيج الاجتماعي باولاد اعميرة وواحة سكورة يرتبط بالماء ارتباطا بنيويا، في كل تمظهراته وتجلياته، إذ ساهم في بناء جملة من الأعراف والتقاليد ذات الجذور التاريخية وجملة من المؤسسات والهيئات الاجتماعية العرفية، التي تنهل من تشكيلة ثقافية وإثنية متعددة، منتجا بينات مستوحاة في جوهرها من عمق الهوية الأمازيغية والإفريقية واليهودية والعربية؛ تدور كلها حول ابتداع طرق الاستفادة من الماء، والحرص دوما على استمرار هذه الاستفادة كتدبير عرفي عبقري.

التعايش الماء وصناعة المقدس اليهود حنان حمودا

‫تعليقات الزوار

12
  • البجعدي
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 08:01

    تعايش المسلمين واليهود خُلِقَ وترعرع في الاندلس حتى مأساة الطرد من الاندلس كان بينهم تضامن و تعايش واستقروا في المغرب و اصبحوا مغاربة مثلهم مثل المسلمين حتى ظهور إسرائيل و اليهود شرق اوربا فهاجروا الى فلسطين طمعا في حياة افضل مثل المغاربة الدين هاجروا الى اوروبا هنا اصبحوا تلقائيا اعداء المسلمين لانهم احتلوا أولى القبلتين

  • حميد
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 09:02

    كتاب مهم…شيق وغني…وموضوع مثير برعت الكاتبة في معالجته وإبراز خباياه وخفاياه…بصفتي من أبناء الجنوب الشرقي، يعنيني هذا البحث ويجعلني أكتشف هذه المقاربة….مقاربة الماء و ما هو مقدس….تحية تقدير وإجلال لكم أستاذة ومتمنياتي لكم بالتوفيق

  • شمال افريقيا
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 09:23

    حنا الامازيغ ماعمرنا كنا كانفرقو بين الناس بالدين او العرق او او او…. لحد الآن، حتى جا واحد الفكر من واحد القنت كاليك رحمة للعالمين علا من كاضحكو

  • yassin
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 11:25

    الاستاذة حنان حمودا أستاذة رائعة ومتواضعة، كنت من بين المحظوظين لأكون من بين طلبة علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط الذين درسوا عند الاستاذة

    أتمنى لها المزيد من التوفيق والعطاء

  • Zagora
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 11:53

    عرق إسمه أمازغ غير موجود
    هذه الهوية صنعتها فرنسا بعد طردها من الجزائر
    في المعهد البربري .
    كانوا يلقبون ” البربر ” و كانوا خليط يجمع جميع الأشكال و الألوان
    الكل يعرف بأن الأصليين هم المور الأفارقة دو الملامح الإفريقية مثل الطوارق
    والبيض من المشرق من اليمن و الشام من فنيقيون و قرطجنيون وإغريق .

  • محمد
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 11:54

    كتاب له معانيه ويفسر كثير من الأمور التي كانت غاءبة علينا. اليهود المغاربة عاشو قبل غزو العرب المسلمين للمغرب .وأنا اعتبرهم المغاربة الأولين مثل الأمازيغ.

  • ASSOUKI LE MAURE
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 12:56

    الى المعلق شمال افريقيا . فضاءات Numedia و MAURETANIA لم تكونا معا عبر التاريخ لا منبع الديانات ولا مجال صراعات المعتقدات (لاحول أسيف ولا حول انزار ). والارضان معا ، قبل مجيئ المهاجرين المتدينين من شرق النيل كانت تسمى ب MARETANIA ولم يكن انذاك لا صراع على الماء ولا اختلاف حول لون السماء . هكذا كانت الحياة في بلاد الMAURES قبل ظهور الانسان الGLADIATEURS الابيض القادم من غرب صقليا .

  • الحسين
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 13:54

    لما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وجدوا يهوديا يملك بئرا يسمى بئر ا روما وكان يبيع الماء للمسلمين.في المدينة
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين من منكم يشتري بئر روما لله الجنة؟ فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه. انا يا رسول الله.
    فذهب عثمان إلى هذا اليهودي فقال له بعني هذا البئر
    فقال له اليهودي لا
    ولكن ابيع لك نصفه .. يعني تبيع يوما وابيع يوما . فقال له عثمان قبلت.
    فاليوم الذي يبيع فيه اليهودي الماء للمسلمين لا يذهب إليه أحد من المسلمين..
    ويذهب المسلمين في يوم عثمان وياخذوا الماء مجانا.
    فقرر اليهودي ‘ان يبيع النصف الآخر لعثمان . واشتراه منه عثمان . وأصبح البئر لجميع سكان المدينة المنورة
    بسقون ويشربون. منه مجانا.
    فرضي الله عن عثمان وعن جميع الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين.

  • محمد بلحسن
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 14:00

    شكرا الدكتورة على كنز من التجارب الميدانية أعتبرها دروس مهمة جدا لتحسين مناهج تدبير القطاعات كلها تحث على حسن كتابة العقود وتطبيقها تطبيقا سليما يساعد على إنجاح المشاريع التنموية. لنعترف أن اليهود مبدعون، يتقنون عملهم ولا يتهاونون في تطبيق العقود. هذا ما لاحظت بأوراش الطرق السيارة بالمغرب في 1989/1991 بالشطر الرابط بين الدار البيضاء والرباط وفي 1998/2000 بالشطر الدار البيضا/سطات.
    دون تردد أنا مصمم العزم شراء الكتاب موضوع المقال الصحفي.
    شكرا مرة أخرى للدكتورة ولهسبريس.

  • صياد
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 15:02

    عدد المهاجرين الافارقة بالمغرب يفوق عدد اليهود بالمغرب مائة مرة .

  • الحسين
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 18:09

    عدد اليهود المتلقين في المغرب لا يتجاوز مائتين رأس
    غالبيتهم في الدار البيضاء ومراكش والصويرة.
    غالبيتهم كبار في السن .

  • غادروا
    الأربعاء 7 أبريل 2021 - 21:51

    في مدينة الصويرة لا يتجاوز عددهم عشرة أفراد تقريبا .

صوت وصورة
مسابقة لتعزيز قيم التعايش
الجمعة 23 أبريل 2021 - 12:10 4

مسابقة لتعزيز قيم التعايش

صوت وصورة
أوجار  يرد على وهبي
الخميس 22 أبريل 2021 - 23:21 142

أوجار يرد على وهبي

صوت وصورة
طريقة الانخراط في التغطية الصحية
الخميس 22 أبريل 2021 - 22:30 5

طريقة الانخراط في التغطية الصحية

صوت وصورة
لقمة العيش بكرامة
الخميس 22 أبريل 2021 - 20:11

لقمة العيش بكرامة

صوت وصورة
علاش تسمات حلوى الغريبة
الخميس 22 أبريل 2021 - 18:00 6

علاش تسمات حلوى الغريبة

صوت وصورة
منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة
الخميس 22 أبريل 2021 - 17:00 1

منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة