المدرسة الحسنية في وجه الحماية

المدرسة الحسنية في وجه الحماية
السبت 26 شتنبر 2026 - 14:11

مقدمة

شكلت المدارس الحرة في المغرب إبان الحماية الفرنسية ظاهرة تعليمية وثقافية ارتبطت بالحفاظ على اللغة العربية والتعليم الإسلامي، ثم اكتسبت في مراحل لاحقة صلة وثيقة بالحركة الوطنية. هذه المؤسسات كفضاءات تعليمية، استحالت إلى محاضن للتوعية الوطنية والتعبئة السياسية التي أسهمت في بناء وعي جماعي مناهض للمشروع الاستعماري. وتبرز تجربة المدرسة الحسنية بزقاق الحجر بمدينة فاس، تحت إشراف وتسيير العلامة والمناضل مولاي الطيب العلوي الحسني، كنموذج الشاهد الحي على التقاء الفعل التربوي الأمني بالنضال السياسي الميداني. تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على السياق التاريخي لنشأة المدارس الحرة بفاس، والوقوف عند السيرة النضالية والتعليمية لمولاي الطيب العلوي.

المحور الأول: فاس في عهد الحماية

حين فرضت الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، دخلت البلاد مرحلة تاريخية أعادت ترتيب كثير من مجالات الحياة السياسية والإدارية والثقافية. ولم يكن التعليم بمنأى عن هذا التحول، لأنه يرتبط باللغة والدين والذاكرة الجماعية وصناعة النخب، وهي مجالات تتجاوز وظيفتها المدرسية المباشرة إلى تشكيل صورة المجتمع عن ذاته وعن مستقبله.

وكانت فاس في قلب هذا التحول. فقد احتفظت المدينة بمكانتها العلمية والدينية، وظل جامع القرويين مركزا من مراكز المعرفة والإشعاع، وفي الوقت نفسه أصبحت المدينة فضاء تتقاطع فيه مشاريع متعددة: إدارة الحماية، والمؤسسات التعليمية الحديثة، والمؤسسات التقليدية، والعلماء، والطلبة، وأوساط التجار والأعيان، ثم النخب الجديدة التي أخذت تتشكل داخل هذا المشهد المتغير.

من هنا ينبغي فهم قضية التعليم في فاس خلال عهد الحماية ضمن سياق أوسع من مجرد إنشاء مدارس جديدة أو إدخال مناهج مختلفة. فقد كان السؤال يتصل بنوع المعرفة التي ستصل إلى الأجيال الجديدة، وباللغة التي ستتلقى بها هذه المعرفة، وبالمكانة التي ستحتلها الثقافة العربية الإسلامية في حياة الناشئة.

وتشير مصادر تاريخية مغربية إلى أن التعليم الحر ظهر في المغرب قبل سنة 1930، من خلال تطوير بعض الكتاتيب القرآنية وإدخال تنظيمات جديدة عليها، ثم أخذت المدارس الحرة تنتشر في عدد من المدن. وتذكر شهادة منشورة في مجلة “دعوة الحق” أن فاس عرفت أول مدرسة حرة سنة 1923 تحت إدارة العلامة بن محمد بن عبد الرحمن العراقي، كما تأسست مدرسة حرة أخرى بالزاوية الناصرية تحت إدارة الأستاذ محمد غازي. وتكشف هذه المعطيات أن الظاهرة سبقت الظهير البربري لسنة 1930، وأن نشأتها ارتبطت بحركة إصلاحية وتعليمية كانت قد بدأت قبل اشتداد المواجهة السياسية.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأنها تساعد على قراءة تاريخ التعليم الحر بعيدا عن التفسير الأحادي. فقد كان ظهوره سابقا للحظة الانفجار السياسي التي أحدثها ظهير 16 ماي 1930، ثم اكتسب بعد ذلك زخما وطنيا أكبر. ولذلك فإن ربط المدارس الحرة بالاحتجاج على الظهير وحده يحجب جذورا أقدم للظاهرة، تعود إلى التفكير في إصلاح التعليم وإعادة تنظيم الكتاتيب وإيجاد مؤسسات تعليمية قادرة على الاستجابة لحاجات المجتمع.

لقد جاء الظهير البربري في 16 ماي 1930 ليمنح قضية التعليم والثقافة معنى سياسيا أكثر حدة. وتظهر المصادر المغربية التي تناولت الحركة الوطنية أن الاحتجاجات التي أعقبته اتخذت في فاس حجما قويا، وأن المدينة أصبحت واحدة من أهم مراكز التعبئة والاحتجاج. فقد ارتبطت الحركة بالمساجد والعلماء والطلبة والتنظيمات الوطنية، وامتدت المظاهرات في أزقة المدينة، وواجهتها سلطات الحماية بالاعتقالات والقمع.

وكان جوهر المسألة أعمق من خلاف إداري حول نظام قضائي أو تعليمي. فقد رأى الوطنيون في السياسة الاستعمارية اتجاها يمس وحدة المجتمع المغربي، فيما ارتبطت اللغة العربية والتعليم الإسلامي في خطاب الحركة الوطنية بمقومات الانتماء الثقافي والديني. وتذكر مصادر مغربية أن الحركة الوطنية جعلت من إصلاح التعليم الأصيل والحفاظ عليه إحدى وسائل تنمية الوعي الوطني لدى الشباب، كما عملت على تأسيس الكتاتيب القرآنية النموذجية والمدارس الحرة ونشر اللغة العربية.

وهكذا أخذ التعليم ينتقل من فضاء المعرفة إلى فضاء السؤال الوطني.

ومع ذلك، فإن وصف المدارس الحرة بأنها مؤسسات سياسية خالصة سيكون اختزالا لتجربتها. فقد كانت تؤدي وظيفة تعليمية فعلية: تعليم القراءة والكتابة والعلوم الدينية واللغة العربية، وتنظيم الدراسة في مؤسسات أكثر انتظاما من بعض الصيغ التقليدية. ثم ارتبطت هذه الوظيفة بغاية ثقافية أوسع تتمثل في الحفاظ على عناصر من الشخصية المغربية داخل واقع استعماري جديد.

إلا انه يجب التأكيد على أن المدرسة الحرة لم تكن في مغرب الحماية مرادفا للمدرسة الخاصة بالمفهوم الاقتصادي المتداول اليوم، فقد كانت صفة “الحرة” تشير أساسا إلى استقلال المؤسسة عن الجهاز التعليمي الذي أقامته سلطات الحماية، وإلى توجهها نحو التعليم العربي الإسلامي وصيانة عناصر من الهوية الثقافية المغربية. وقد تختلف مواردها المالية من مؤسسة إلى أخرى، بما في ذلك مساهمات الأسر أو التبرعات أو الأوقاف، ولذلك ينبغي الفصل بين استقلال المؤسسة عن التعليم الاستعماري وبين مسألة مجانية التعليم أو أدائه.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم القلق الذي أثارته المدارس الحرة لدى سلطات الحماية. فمقال مغربي صدر في “دعوة الحق” يصف كيف انتبه رجال الحماية إلى تنامي النشاط المرتبط بهذه المدارس، وكيف أخذوا يربطون بينها وبين تنامي النشاط السياسي لدى الشباب في المدن. كما يشير المصدر نفسه إلى تعرض عدد من رجال الحركة الوطنية، ومن بينهم بعض المرتبطين بإنشاء المدارس الحرة، للسجن والنفي خلال أحداث الثلاثينيات.

والمسألة هنا تكشف مفارقة تاريخية دقيقة: المؤسسة التعليمية التي تبدو في ظاهرها محدودة الوظيفة، يمكن أن تصبح مع الزمن مكانا لإعادة إنتاج اللغة والذاكرة والقيم، ومن ثم فضاء لتكوين جيل يحمل تصورا مختلفا عن مجتمعه. وفي فاس كان لهذه المسألة وزن خاص.

فالمدينة تمتلك رصيدا علميا ودينيا تراكم عبر قرون، وجامعة القرويين كانت مركزا أساسيا للحياة العلمية. وفي الوقت نفسه كانت الإدارة الاستعمارية تعمل على إعادة تنظيم قطاعات الدولة والمجتمع، ومن بينها التعليم. وتظهر الوثائق المتعلقة بإصلاح جامعة القرويين خلال الثلاثينيات أن التعليم نفسه أصبح مجالا لإعادة التنظيم الرسمي، من تحديد المدرسين والمواد والمراحل الدراسية إلى تنظيم الامتحانات والشهادات.

وهنا نشأ فضاء تعليمي متعدد المستويات: تعليم تقليدي مرتبط بالقرويين والكتاتيب والزوايا، وتعليم حر نشأ بمبادرات مغربية، وتعليم حديث تشرف عليه المؤسسات التي أقامتها سلطات الحماية.

هذا التعدد كان يعكس اختلافا في التصورات حول مستقبل المجتمع. فالمؤسسة التعليمية تحمل معها دائما تصورا ضمنيا عن الإنسان الذي تريد تكوينه. والاختلاف حول المدرسة هو في جانب منه اختلاف حول صورة المواطن المقبل، وحول اللغة التي سيفكر بها، والمعارف التي سيكتسبها، والمرجعيات التي ستؤثر في وعيه.

لهذا اكتسبت المدرسة الحرة في المغرب دلالة تتجاوز جدرانها. فقد ظهرت داخل مجتمع يبحث عن وسائل للحفاظ على استمراريته الثقافية في زمن تغيرت فيه موازين القوى. ولم تكن هذه المدارس منفصلة عن حركة الإصلاح التي سبقتها، كما لم تكن منفصلة عن الحركة الوطنية التي اتسعت خلال الثلاثينيات. لقد تشكلت داخل تقاطع بين الحاجة إلى إصلاح التعليم والحاجة إلى حماية الخصوصية الثقافية، ثم أخذ البعد الوطني يتسع كلما اشتد الصراع مع سلطات الحماية.

تشير الدراسات إلى أن الحركة الوطنية اتجهت إلى إصلاح التعليم الأصيل في فاس ومراكش، وربطت هذا المسعى بتنمية الروح الوطنية لدى الشباب من خلال اللغة العربية والعقيدة الإسلامية والتراث العربي الإسلامي. كما ارتبط التدريس بين تأسيس المدارس الحرة وبين مواجهة النموذج التعليمي الذي ارتبط بالمؤسسات الاستعمارية. غير أن هذا السياق يحتاج إلى قراءة نقدية هادئة.

فبعض الكتابات الوطنية التي ظهرت بعد الاستقلال تميل إلى النظر إلى التعليم الحر من زاوية دوره في مقاومة الاستعمار، وهي زاوية ذات أهمية كبيرة، لكنها قد تجعل الوظيفة التعليمية اليومية أقل ظهورا. ومن الضروري أن نضع إلى جانب الوظيفة الوطنية أسئلة أخرى: كيف كانت تدار المدارس؟ من كان يمولها؟ من كان يدرس فيها؟ ما طبيعة المناهج؟ كيف كان التلاميذ يلتحقون بها؟ وما علاقتها بالمؤسسات التعليمية الأخرى في المدينة؟

هذه الأسئلة ستصبح أكثر أهمية حين ننتقل إلى المدرسة الحسنية. فالتاريخ العام للمدارس الحرة يرسم الإطار، لكنه لا يكفي لفهم مؤسسة بعينها. والمدرسة الحسنية بزقاق الحجر في فاس تحتاج إلى دراسة خاصة، لأن تاريخها يرتبط بأشخاص محددين وبمرحلة زمنية محددة وبشبكة من العلاقات التعليمية والاجتماعية التي ينبغي إعادة تركيبها من الوثائق والشهادات.

ومن هنا تأتي أهمية عدم البدء من النتيجة. فالمدرسة الحسنية لم تظهر من فراغ، والمرحوم مولاي الطيب العلوي المشرف عليها إبان تأسيسها لم يتحرك خارج سياق تاريخي سبق وجوده في المؤسسة. هناك تاريخ للتعليم الحر في فاس، وهناك تقاليد علمية واجتماعية، وهناك تحول سياسي عرفته المدينة منذ عشرينيات القرن العشرين، ثم جاءت أحداث 1930 وما تلاها لتدفع بالمجال التعليمي إلى موقع أكثر حساسية.

وإذا كانت فاس قد عرفت مدارس حرة قبل 1930، فإن ما حدث بعد ذلك أضفى على هذه المؤسسات حضورا وطنيا متزايدا. وتذكر المصادر أن المدارس الحرة أصبحت جزءا من المجال الذي نشط فيه الشباب الوطني، حتى إن سلطات الحماية أخذت تراقب هذا النشاط وتربطه بالحركة السياسية الصاعدة.

وفي سنة 1933، ظهرت صورة أخرى لهذا التداخل بين المدرسة والحياة الوطنية في فاس. فقد ارتبط الاحتفال بعيد العرش بتنظيم وطني شارك فيه سكان المدينة، وتشير إحدى الدراسات إلى إغلاق المدارس الحرة وتوقف الدراسة بالقسم العالي من القرويين خلال ذلك اليوم، في مشهد يكشف مقدار التشابك بين الحياة المدرسية والحراك العام داخل المدينة.

وبذلك يمكن القول إن التعليم في فاس خلال عهد الحماية كان يتحرك داخل ثلاث دوائر متداخلة: دائرة المعرفة، ودائرة الهوية الثقافية، ودائرة التحول السياسي. وكلما اتسعت الحركة الوطنية، ازداد تداخل هذه الدوائر.

لكن المدرسة بقيت في النهاية مدرسة: فيها تلاميذ، ومدرسون، وكتب، ونظام يومي، ومسؤولون عن التسيير. والتاريخ الكبير يفسر لنا لماذا ظهرت الحاجة إلى المدارس الحرة، لكنه لا يخبرنا وحده كيف عاشت مؤسسة بعينها تجربتها اليومية.

المحور الثاني: المدارس الفاسية الحرة والمدرسة الحسنية

تحمل تسمية المدرسة الحرة في المغرب دلالة قانونية سابقة على دلالتها التربوية. فحين أصدرت إدارة الحماية ظهير فاتح أبريل 1935 لضبط التعليم الابتدائي الخصوصي الخاص بالمسلمين، تدخل السلطان محمد الخامس فأضيف بند يستثني المدارس القرآنية من نطاقه، فاحتمى أصحاب المدارس الحرة بصفة “المسيد” وأفلتوا من الرقابة المباشرة. وهذه الواقعة تكشف طبيعة المؤسسة: فضاء أهلي يرتدي ثوب الكُتاب التقليدي ويحمل في داخله مشروعا مختلفا، وحريته في الاسم تعني الانفلات من وصاية الإدارة الفرنسية، أما صيغتها القانونية فهي “مسيد” بترخيص مضمر.

ولفهم الحاجة التي جاءت لسدها، يكفي أن ننظر إلى الخريطة التي رسمتها الحماية للتعليم: مدارس لأبناء الأعيان، وأخرى حضرية لأبناء الحرفيين وصغار الموظفين، وثالثة قروية. وفي أواخر الثلاثينيات لم تكن المدارس الفرنسية العمومية تستقطب غير نسبة ضئيلة من الأطفال في سن الدراسة، قدرها ملخص في كتاب جون ديمس بنحو اثنين في المائة. وبين هذه الخريطة الضيقة وكتاتيب متراجعة، اهتدت الأسر إلى حل ثالث تموله بنفسها.

وقام هذا الحل على مال الأهالي. فقد بنيت المدارس الحرة بتبرعات العائلات الراغبة في تعليم يلائم الهوية والقيم الإسلامية، وتحولت في بعض الحالات دار “محبسة” إلى مدرسة قارة، كما حدث في سلا حين تطوع محسن بدار من دوره. وتولت تسيير كل مدرسة لجنة من الوجهاء، وقدمت في مواضع عدة تعليما مجانيا لأبناء الفقراء الذين رأت أسرهم في التوجه إلى المدرسة الفرنسية خيانة للبلاد. أما المؤسسون فتنوعت مشاربهم، بين سلفيين وعلماء وتجار وأتباع طوائف، ويتصرف كل واحد منهم بمبادرته في مدينته دون تنسيق مركزي.

ولهذا بدت المدارس في بدايتها دفاعا عن اللغة العربية والهوية الإسلامية قبل أن تكون خطابا سياسيا صريحا. مدارس كان طلبتها يحملون الكتب نهارا والسلاح ليلا، مثال على ذلك مدارس محمد الخامس أقدم المدارس الحرة بالرباط. لقد حمل الخطاب المؤسس هاجس الأخلاق كذلك. فقد رأى المصلحون في مظاهر الحياة الجديدة، من اللباس الأوروبي إلى قراءة الصحف، تهديدا لقيم المجتمع، فجعلوا من المدرسة سياجا يحمي الناشئة من هذا الاختراق. غير أن مشروعهم واجه مصاعب داخلية أيضا، إذ كانت الحركة السلفية تشن هجومها على الطوائف الدينية التي ينتمي بعض مؤسسي المدارس إلى صفوفها، فتشكلت حول المدرسة الواحدة تحالفات متقلبة بين الإصلاح والطريقة والتجارة.

وامتد إلى هذا المشهد حضور القصر. فقد شجع محمد الخامس التعليم الحر بدعم مندوبية المعارف الإسلامية، وبتمويل مدارس من الأوقاف، وبترخيصات شفهية للفقهاء تتيح لهم إضافة مواد حديثة إلى برامجهم الدينية، وبتدشين المدارس أو إيفاد أحد أفراد الأسرة الملكية لتدشينها. ثم صدر البرنامج الملكي الذي دخل التنفيذ في الموسم الدراسي 1947 و1948 ثمرة لميثاق التعليم الذي قدمه الجانب المغربي سنة 1946. وهذا الحضور الرمزي والمادي يفسر جانبا من حساسية أسماء المؤسسات، ويدعو إلى النظر في دلالة النسبة الملكية أو الأسرية في اسم كل مدرسة.

وتتضح خصوصية المدرسة الحرة بمقارنتها بالنمطين المجاورين. ففي “المسيد” التقليدي، كما يصفه ديمس، يقوم الفقيه على تعاقد شفهي يتجدد كل سنة، ويقضي الصبي سنوات طويلة في حلقة صغيرة يحتل القرآن فيها الصدارة. وفي المدرسة الفرنسية يصل نموذج جاهز من الشمال يحمل لغته ومقرراته وغايته. أما المدرسة الحرة فتجمع استقلال الفقيه بانتظام المؤسسة، وتضيف إلى القرآن مواد وأقساما وجداول، وتضع الدراسة تحت إشراف لجنة أهلية.

وتطورت وظيفتها التعليمية مع الزمن. ففي المرحلة الأولى خصصت ساعات منتظمة للمواد المقررة، وأدخلت الفرنسية في بعض المدارس مادة اختيارية. ثم عرفت الثلاثينيات والأربعينيات تحسنا في أساليب التدريس، وإدخالا للعلوم، وزيادة في حصص الحساب والتاريخ والجغرافيا، وتعيين مديرين متفرغين اشترطت فيهم الشهادة الثانوية بعد 1937، واستعمالا لكتب مهربة من المشرق رغم الحظر. وبعد 1944 ظهرت لجنة عليا للتعليم ومفتش يزور المدارس وتكوين للمدرسين وشهادة ابتدائية معربة منذ 1945.

وأدت المدرسة الحرة وظيفة ثقافية تفوق حدود الفصل. ففيها كان المعلمون يدرسون التاريخ المغربي وينشدون الأناشيد التي تمجد الوطن، حتى وصف مراقب فرنسي عملهم بأنه ابتداع لفكرة الوطن. وفيها نظمت بعد 1944 دروس مسائية لمحاربة الأمية. وخرجت من هذه الفضاءات نخبة المدينة، ومن ذلك أن علال الفاسي التحق قبل القرويين بمدرسة عربية حرة بفاس القديمة.

ومن مفارقات هذا التعليم أنه استعار من خصمه أدواته. فقد اعتمد الأقسام المتدرجة والشهادة الابتدائية والتفتيش والمنهاج الموحد، ووظفها في خدمة غاية معاكسة لغاية الإدارة الفرنسية. وبذلك يصبح وصف التعليم خارج المؤسسة الاستعمارية دقيقا في مصدر المبادرة والتمويل والقيم، ونسبيا في الشكل التنظيمي الذي بقي قريبا مما تقدمه المدرسة الحديثة.

وردت السلطات على هذا الفضاء بأساليب متنوعة: استمالة الأساتذة البارزين إلى المدارس العمومية، والضغط على الآباء الموظفين بالتهديد بالنقل إلى جهات نائية، وتعيين أعضاء اللجان في مناصب مغرية، ثم الإغلاق كما وقع سنة 1937. ويخلص ديمس إلى أن اعتراض الفرنسيين انصب على الروح الوطنية التي تنشرها هذه المدارس، وأن سجن المديرين ونفيهم ارتبط بنشاطهم السياسي الذي مارسوه خارج جدران المدرسة أكثر مما مارسوه داخلها. وهي خلاصة تفيد الباحث في كل مدرسة على حدة: فالمدير قد يحمل تجربة سياسية تسبق مؤسسته أو تتجاوزها.

في هذه الخريطة تقع المدرسة الحسنية بزقاق الحجر. وتفيد لائحة منشورة عن سقايات فاس بأن سقاية درب الروم تطل على زقاق الحجر بالطالعة الصغيرة، أي في قلب فاس البالي، في المجال الذي تتجاور فيه الأحياء السكنية والأسواق ومراكز العلم. ويجعلها هذا الموقع، مدرسة حي عتيق تتصل بأسره ومحلاته وزواياه، وتتحرك في قرب من محيط القرويين.

تأسست المدرسة الحسنية في عهد السلطان محمد الخامس سنة 1361هـ، الموافق لـ 1941 -1942م، ووضع حجرها الأساس في السنة نفسها، كما يثبت ذلك النقش المحفور على واجهتها: “الحمد لله، أسست هذه المدرسة الحسنية في عهد جلالة مولانا السلطان المنصور بالله سيدي محمد أيده الله، ووضع الحجر الأساس لها عام 1361 هـ”.

وقد تم تدشين المدرسة الحسنية القرآنية بزقاق الحجر بفاس سنة 1943م، في حفل حضره ولي العهد مولاي الحسن، الذي ألقى بهذه المناسبة خطابا حول القرآن والعلم. وهكذا يفصل بين تأسيس المدرسة ووضع حجرها الأساس سنة 1361هـ وافتتاحها الفعلي سنة 1943م نحو عامين، وهي مدة يمكن أن تكون قد خصصت لاستكمال البناء والإعداد والتجهيز.

المحور الثالث: مولاي الطيب العلوي الحسني: سيرة رجل بين العلم والوطنية والتعليم

ترتبط نشأة المؤسسات التعليمية الوطنية في المغرب الاستعماري بمسارات فردية تقاطعت فيها الهوية الفقهية بالتطلع الإصلاحي والحراك الوطني المناهض للحماية الفرنسية. وتبرز في هذا السياق شخصية مولاي الطيب العلوي (1896-1964) كنموذج للمثقف الوطني الذي تنقل بين حلقات العلم العتيق وفضاءات الفعل السياسي والميداني.

ولد العلوي بمنطقة تولال قرب مكناس، وعاش طفولة كابد فيها مرارة اليتم والعوز بالتزامن مع أزمات اقتصادية واجتماعية حادة شهدها المغرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كالمجاعات والاضطرابات السياسية التي سبقت فرض الحماية الفرنسية سنة 1912.

تلقى المرحوم مولاي الطيب مبادئ العلوم الإسلامية في كتاتيب تولال وخنيفرة، قبل أن ينتقل إلى زرهون ليتلقى القراءات السبع والعلوم الشرعية والأدبية بـ “المدرسة السبعية” وضريح سيدي راشد. وشكل التحاقه بجامع القرويين بفاس في عشرينيات القرن الماضي محطة فكرية نقدية في حياته، إذ عاصر كبار علماء وقته من أمثال مولاي عبد السلام العلوي ومحمد بن العربي العلوي، واستوعب المقومات الفقهية واللغوية التي أهلته لاحقا للانخراط في الحركة السلفية الإصلاحية.

شهدت هذه المرحلة تحولا جذريا في وعيه السياسي، حيث يذكر في مذكراته أن حوارا جرى بينه وبين مستوطن أوروبي بالحاجب حول مستقبل البلاد ومصير المغاربة تحت الحماية شكل الشعلة الأولى التي وجهت مساره نحو مناهضة الوجود الاستعماري.

تميز النشاط الوطني لمولاي الطيب العلوي بالتركيز على المجال القروي والقبلي، ولا سيما منطقة الأطلس المتوسط. وعقب استكمال دراسته بالقرويين وتراجع العمل المسلح بانسحاب الثائر محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1926، انخرط العلوي في التوعية الوطنية الميدانية بين قبائل زيان وبني مجيلد والمرابطين بالمنطقة. وأدى نشاطه المحرض للقبائل ضد التجنيد والسخرة والاستقطاب الاستعماري إلى تعرضه لقرارات النفي والملاحقة الإدارية والسجن من قبل السلطات الاستعمارية في مريرت وخنيفرة وآزرو ومكناس والحاجب ابتداء من سنة 1925.

تزايد حضور العلوي السياسي مع صدور الظهير المنظم للمحاكم البربرية في 16 ماي 1930، إذ كان من العناصر التي تصدت للمخططات الاستعمارية الهادفة إلى عزل القبائل عن الشريعة الإسلامية. وأسهم في إقناع أعيان القبائل برفض المشاركة في المحاكم العرفية وتأكيد التمسك بالفقه الإسلامي، ما أدى إلى صدور أحكام قضائية استعمارية بحقه قضت بسجنه سنتين ونفيه سنتين بين سنتي 1927 و1931. وعقب ذلك، أضحى من الفاعلين الميدانيين الذين انضموا إلى تكتل “الكتلة الوطنية” بدعوة من قادة الحركة الوطنية، واضطلع بمهمة التبشير بالعمل الوطني والتأسيس للعمل الإصلاحي الميداني بالأطلس المتوسط.

توازى العمل السياسي والوطني لدى مولاي الطيب العلوي مع إنتاج فكري وتاريخي توج بكتابة مذكراته التي نشرت لاحقا تحت عنوان “تاريخ المغرب السياسي في العهد الفرنسي”. وتكمن القيمة التاريخية لهذه المذكرات في أنها دونت عقب مصادرة سلطات الحماية الفرنسية لأوراقه ومخطوطاته الشخصية إبان اعتقاله سنة 1953، إذ أعاد إملاءها من الحفظ والذاكرة سنة 1958. وتكشف هذه النصوص عن رؤية نقدية للمجتمع المغربي، حيث انتقد البدع والخرافات والجمود الفكري، وهاجم استغلال الطرقية والزوايا من قبل الإدارة الاستعمارية لتخدير الوعي الشعبي، داعيا إلى الجمع بين التمسك بالهوية الإسلامية وتحديث أدوات المعرفة والتعليم.

أما علاقة المرحوم مولاي الطيب العلوي بالمدرسة الحسنية بزقاق الحجر بفاس، فقد حسمت المذكرات جانبا أساسيا منها. فمولاي الطيب يذكر في مذكراته أنه كان يتردد على القصر منذ سنة 1937 لتدريس الامراء وخدام القصر، ثم يقول صراحة أنه عندما بنيت مدرسة ولي العهد مولاي الحسن بفاس، بزقاق الحجر، سنة 1941/1942، اسندت إليه إدارتها، فعمل على النهوض بها وتحسين أوضاعها. وتؤكد هذه الشهادة ما أوردته مصادر وطنية أخرى من أن مولاي الطيب العلوي كان مديرا للمدرسة الحسنية الحرة بفاس.

ويكتسب اسم المدرسة دلالته من هذا السياق التاريخي نفسه. فالمذكرات تربط نشأتها بولي العهد مولاي الحسن، كما تذكر في سياق الحديث عن المدارس الحرة أن التعليم الوطني عرف مؤسسات حملت أسماء ذات صلة بالأسرة الملكية، من بينها المدرسة المحمدية والمدرسة الحسنية. وتؤكد مصادر تاريخ التعليم الحر بالمغرب هذا المعطى، فتشير الى بروز هذه التسميات في سياق ازدهار المدارس الحرة ورعايتها ملكيا، بعد التحولات السياسية والثقافية التي عرفها المغرب خلال عهد السلطان محمد الخامس.

وهكذا يصبح الثابت تاريخيا أن مولاي الطيب العلوي تولى إدارة المدرسة، وأن المؤسسة ارتبطت منذ نشأتها بالسياق التعليمي والملكي الذي رعاه السلطان محمد الخامس وولي عهده مولاي الحسن.

هذا وللتذكير فلقد امتدت تجربة الاعتقال والاضطهاد في حياة العلوي لتصل ذروتها في أكتوبر 1936، حين ألقت سلطات الحماية القبض عليه مودعة إياه في حبس فردي مظلم (“السيلون”) لمدة سبعة أشهر متواصلة دون فراش أو غطاء، عزل خلالها عن العالم الخارجي والضوء. وتكرر تجريده من أملاكه ومصادرة مدارسه وممتلكاته أربع مرات متتالية، دون أن يثنيه ذلك عن الاستمرار في الحراك الوطني حتى نال المغرب استقلاله، ليتوفى رحمه الله سنة 1964 حافلا بسيرة جمعت بين أروقة العلم الشرعي وميادين المواجهة الاستعمارية والعمل التعليمي الأصيل.

المحور الرابع: المدرسة الحسنية ومولاي الطيب العلوي: من المؤسسة التعليمية إلى الفعل الوطني

تتجاوز العلاقة بين المؤسسة التعليمية الأهلية وإدارتها في تاريخ المغرب الحديث حدود التسيير البيداغوجي المباشر، لتلامس جوهر التعبئة السياسية والثقافية التي خاضها المجتمع المغربي في مواجهة الحماية الفرنسية. فقد شحنت بنية التعليم الحر بدلالات نضالية جعلت من الفصل الدراسي، والكتاب المدرسي، والأغنية الوطنية، أدوات للمقاومة الرمزية التي تصدت للمشروع الاستعماري الهادف إلى احتواء النخبة وتفتيت الهوية الجماعية. وتتجلى هذه الدينامية في تجربة المدرسة الحسنية الواقعة بزقاق الحجر في قلب فاس البالي، حيث التقت الغاية التربوية بالتجربة النضالية لمسيرها المرحوم الأستاذ مولاي الطيب العلوي.

تكشف المراجعة التوثيقية لسيرة العلوي وتاريخ المدارس الحرة عن تداخل عميق بين الوظيفة التعليمية والفعل الوطني الميداني. لم تكن المدرسة مجرد فضاء لتلقين المعارف الابتدائية أو تحفيظ القرآن، فقد استحالت مركزا لتشكيل الوعي القومي وتلقين مبادئ المواطنة والرابطة الوطنية. برز ذلك في حرص العلوي على تأليف مقررات دراسية خاصة بجغرافية المغرب وتاريخه الحقيقي، أدرج فيها خرائط معززة بالوثائق تفضح الأطماع الاستعمارية وتثبت أبعاد السيادة المغربية وحدودها التاريخية في الصحراء والمناطق الشرقية، ناهيك عن التصدي للرواية الفرنسية التي كانت تسعى إلى تجزئة البلاد وترسيخ مفاهيم التغريب.

أدى هذا التوجه البيداغوجي إلى تحويل المدرسة الحسنية بزقاق الحجر إلى مصدر قلق دائم للإدارة الاستعمارية ومصالح أمنها. فقد رصدت تقارير المراقبة الفرنسية خطورة المناهج المعتمدة والروح الوطنية المتنامية بين الناشئة، وهو ما تجسد في المحاورات الدبلوماسية والأمنية التي دارت بين الإقامة العامة والعلوي بشأن المناهج وصفة المؤسسة. وترتب على هذا الالتزام الميداني خضوع المؤسسة ومديرها للتضييق المستمر، ومداهمات التفتيش المفاجئة، والمصادرة المتكررة للممتلكات والتجهيزات المدرسية، فضلا عن الاعتقالات التي طالت الكوادر التعليمية. أظهرت التجربة الميدانية أن الفعل الوطني داخل المدرسة تعدى فكرة التنشئة السياسية للتلاميذ، ليشكل شبكة إسناد اجتماعي ولوجستي إبان الأزمات السياسية الكبرى التي شهدتها فاس. فعقب أحداث يناير 1944 وتداعيات تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، تعرضت فاس البالي لحصار عسكري وإغلاق منافذ التموين وقطع المياه والكهرباء عن الأحياء السكنية. وفي تلك الظروف العصيبة، تحولت أروقة المدرسة الحسنية وكوادرها إلى خلايا منظمة للإسعاف الأولي، ودعم المعتقلين وعائلاتهم، وتوفير المواد الأساسية للمحاصرين، متجاوزين أخطار الرصاص والقنابل اليدوية التي ألقيت على مقر المدرسة لترهيب القائمين عليها.

يقود التحليل النقدي للشهادات المتاحة والوثائق التاريخية إلى إعادة تأطير مفهوم الرومانسية النضالية التي صبغت بعض الكتابات التاريخية اللاحقة للاستقلال. إن القيمة الحقيقية للتعليم الحر تكمن في النجاح في المزج بين متطلبات التحصيل العلمي المتطابق مع معايير الشهادة الابتدائية، وتنشئة جيل يحمل زادا لغويا وثقافيا حصينا ضد المحو الحضاري. لقد تمكنت تجربة العلوي في إدارة المدرسة الحسنية ومدارس متعددة غيرها بفاس من تخريج مئات الطلاب الذين نالوا الشهادة الابتدائية المعربة، لتثبت عمليا كفاءة المؤسسة الأهلية المغاربية في إدارة الشأن التربوي باستقلالية عن الأجهزة الاستعمارية. لقد تحولت المدرسة الحسنية بزقاق الحجر عبر هذا المسار التاريخي المركب من مجرد بناء معماري محلي في نسيج فاس القديمة إلى رمز تاريخي يختزل مسار النضال الوطني المغربي في مجالي الثقافة والتربية. كما جسدت الشاهد المادي على لحظة تاريخية استطاع فيها المجتمع عبر المبادرة الذاتية، ودعم الأوقاف، وتضحيات رجالات الفكر والعلم وفي مقدمتهم الراحل مولاي الطيب، خلق فضاءات مقاومة قادرة على الصمود والاستمرار في وجه آليات الهيمنة الاستعمارية، وممهدة لاستعادة السيادة الوطنية والنهوض التعليمي بالمغرب.

المحور الخامس: مذكرات مولاي الطيب العلوي: الذاكرة الوطنية بين الوثيقة والشهادة

تكتسي المذكرات الشخصية التي يدونها الفاعلون السياسيون والثقافيون أهمية استثنائية في كتابة التاريخ الراهن، لما توفره من إضاءات داخلية على الأحداث والتفاعلات التي قد تغفلها الوثائق الرسمية أو تقارير الإدارة الاستعمارية. ويشكل كتاب “تاريخ المغرب السياسي في العهد الفرنسي”، وهو عبارة عن مذكرات على شكل سيرة ذاتية للراحل مولاي الطيب العلوي والمعد للمراجعة والنشر من قبل الدكتور أحمد العلوي، وثيقة تاريخية ذات طبيعة خاصة داخل الأرشيف الوطني المغربي، بالنظر إلى ظروف تكونها، وطبيعة المادة التاريخية والنقدية التي تحتويها.

لقد تعرضت المخطوطات والوثائق الأصلية التي جمعها العلوي للمصادرة الشاملة من قبل أجهزة التفتيش الاستعمارية إبان اعتقاله سنة 1953. وعقب حصول البلاد على الاستقلال، أقدم المؤلف، كما سبقت الإشارة، على إعادة إملاء مذكراته وتدوين سيرة الحراك الوطني اعتمادا على الذاكرة والحفظ الشخصي. يضفي هذا الاسترجاع الذهني على النص مسحة من الانطباعية والذاتية المشروعة، ويفتح في الآن ذاته تساؤلات إبستمولوجية حول حدود الشهادة الذاتية، ومدى تأثير البعد الزمني وسياق الاستقلال على إعادة تشكيل الأحداث السابقة وتأويلها.

تتضمن المذكرات قراءة نقدية صريحة لمكونات المشهد المغربي خلال عهد الحماية وما بعده، متجاوزة السرد الخطابي النمطي. فقد وجه العلوي نقدا لاذعا للجمود الفكري والانحرافات التي طالت أداء المشايخ والزوايا الطرقية، مستحضرا الأدوار السلبية التي لعبتها بعض هذه التشكيلات في مهادنة السلطات الاستعمارية وعرقلة جهود الإصلاح الوطني والديني. وفي الوقت نفسه، تخلو المذكرات من المحاباة تجاه القوى الوطنية الشريكة. إذ ترصد بصراحة مكشوفة مظاهر التنافس الحزبي الضيق، والصراعات الفئوية، ومحاولات بعض النخب الصاعدة الاستئثار بمكتسبات الحركة الوطنية على حساب القواعد الشعبية ورجالات البادية والمجاهدين الميدانيين.

كما تكشف المذكرات عن تجليات “الذات السياسية” لدى العلوي، وهي ذات تشكلت في مضمار المعاناة المباشرة القائمة على الحرمان، والسجن الفردي، والتشريد الأسري، ومصادرة الأملاك. ينعكس هذا المسار الشخصي في النص عبر نبرة حادة تجاه مظاهر الانحراف والتسلق، ويمنح الشهادة قيمة إضافية كصوت يمثل الفئات الوطنية الواعية التي ظلت متمسكة بالمبدأ الأخلاقي والاصلاحي. كما يقدم المؤلف مادة أرشيفية دقيقة حول تفاصيل الحياة اليومية للمناضلين، والآليات الأمنية المعتمدة من قبل الإقامة العامة، ونظام السجون الاستعمارية (“السيلون” كنموذج)، ناهيك عن المعارك الثقافية الخفية المدارية حول لغة التعليم والمناهج الدراسية.

تتجلى حدود الشهادة الذاتية في مذكرات مولاي الطيب عبر التداخل بين الذاكرة الفردية والزمن التاريخي الإنساني. ينطلق المؤلف من قناعة مفادها أن حياة الفرد تمثل حلقة ضمن الصيرورة الجماعية للأمة، وهو ما يفسر اختياره لجعل مساره الشخصي محورا لاستعراض التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالمغرب. غير أن هذا الاقتران يجعل الحوادث التاريخية خاضعة لزاوية رؤية الفاعل نفسه، وتأثرها بالانفعالات والمواقف الفردية الحاصلة تجاه الأشخاص والتنظيمات، مما يستدعي من الباحث تقاطع هذه الشهادة مع المصادر التاريخية المعاصرة، والوثائق الرسمية، والمذكرات المقابلة لقادة الوطنية.

تشكل هذه المذكرات مدخلا أساسيا وممهدا منهجيا للدراسات المستقلة المعمقة التي تتناول تاريخ المغرب السياسي في العهد الفرنسي. فهي توفر للباحث مادة بكر تتعدى الرواية الرسمية المعتمدة، وتفتح آفاقا لفهم أعمق للتفاعلات بين المركز والمهاد القبلي، وبين التعليم الحر والمشروع الاستعماري، وبين تضحيات الفاعلين الميدانيين وتطلعات بناء الدولة الوطنية المستقلة. وبذلك تظل مذكرات مولاي الطيب العلوي صرحا شهاديا يستدعي التمحيص والنقد والاستثمار العلمي لإعادة بناء الذاكرة الوطنية على أسس أكاديمية موثقة وموضوعية. وذلك ما نفكر به مليا، إذ نعد لدراسة معمقة لمؤلفه التاريخي القيم هذا.

خلاصة

تأسسا على ما سبق، يتضح أن تجربة التعليم الحر بالمغرب -ومن خلالها النموذج المتمثل في المدرسة الحسنية بزقاق الحجر بفاس ومسار مديرها مولاي الطيب العلوي- تعكس عمق التلاحم بين المعرفة والفعل الوطني في تاريخ المغرب المعاصر. لقد استطاعت المبادرات الأهلية، المتمثلة في الكتاتيب النموذجية والمدارس الحرة، أن تبتكر أدوات دفاعية استعارت فيها التنظيم المادي والحديث للمؤسسة لتسخره في خدمة غايات تربوية وحضارية مناهضة للتغريب والاستعمار. كما تقدم المذكرات التاريخية لمولاي الطيب العلوي مادة وثائقية ونقدية غزيرة تضيء جوانب خفية من التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد، وتنبه الباحثين إلى أهمية التقاطع والتكامل بين الشهادات الذاتية والوثائق الأرشيفية الرسمية لإعادة بناء الذاكرة الوطنية وفق منهج نقد أكاديمي متزن وموضوعي.

لائحة المراجع المعتمدة

– العلوي، مولاي الطيب. تاريخ المغرب السياسي في العهد الفرنسي: من مذكرات الأستاذ مولاي الطيب العلوي (1896-1964). إعداد ومراجعة د. أحمد العلوي، منشورات زاوية للفن والثقافة، الطبعة الأولى، الرباط، 2009م.

– الوثيقة التاريخية والمخطوطة: “المدرسة الحسنية في وجه الحماية” (وثيقة ودراسة تركيبة واستقصائية حول التعليم الحر بفاس وموقعه من الحركة الوطنية).

– مجلة دعوة الحق. أعداد متفرقة تناولت تاريخ التعليم الحر والحركة الوطنية بالمغرب (منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية).

– ديمس، جون (Damez, Jean). دراسات وأبحاث مخصصة لتاريخ المدارس الحرة والتعليم الابتدائي الإسلامي بالمغرب خلال عهد الحماية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة

صوت وصورة
طنجة تحتفي بموسيقى الآلة
السبت 26 شتنبر 2026 - 10:44 2

طنجة تحتفي بموسيقى الآلة