لم تنم جيدا أو بالأحرى لم تنم الليل بطوله، لا لأرقٍ أو مرضٍ منعها من أن تُطبق العين، بل لذلك الشعور الغامر الذي ينتاب المرء عندما يكون على موعد مع سعادةٍ موعودة ومستحقة.
لقد أمست الليل كله ثارة تستشرف تفاصيل الحياة التي ستخوضها قريبا جدا رفقة سعيد، وثارة تندس داخل غرفتهما لتتلصص بخجل على حميميتهما المرتقبة، راسمة على شفتيها تلك الابتسامة المغرية التي توحي أنها لم تعد تلك الفتاة المشاكسة المحبوبة المعروفة لدى معظم أهالي المدينة القديمة، بل امرأة كاملة الأنوثة والنضج. كانت تمرر أصابع يدها اليمنى على خطوط غُرَز طرز التقرتي لطقم، غير مكتمل لغطاء سرير عرائس موضوع على المنضدة الجانبية لسريرها عندما نادت عليها أمها من أسفل الدار.
شامة… شامة نَزْلِي.
صبيحة عيد الأضحى. الخميس الثامن عشر من ديسمبر 1975. المدينة القديمة. مدينة تقرت.
كان الجو باردا والصباح باكرا عندما انسلت شامة من فراشها لتنزل بخفة كصغير الغزال عبر درج ضيق من غرفتها بالطابق الأول الى أ سفل الدار، حيث المطبخ وغرفة نوم الابوين.
دفئ المناسبتين أنسى شامة برودة الطقس الذي تعرفه مدينة تقرت في هذا الوقت من كل عام، إذ بمجرد أن رمقتها أمها بلباسها الخفيف هاجت في وجهها قائلة:
– شامة واش بْغِيتي الخُطٌابْ يْجِيوْ ويلقاو العروسة واخْدة هْوا.
– صباح الخير اُو عيدك مبروك أَمَّا.
بغنج أجابت شامة وهي تلقي بنفسها غير مبالية في حضن أمها.
في هذه الأثناء كان الميمون المسكيني، والد شامة، منشغلا في تهييئ نفسه لحضور صلاة العيد. كان حريصا في مثل هذه المناسبات على ارتداء جلبابه المغربي الوحيد الذي اشتراه من مدينة وزان في آخر زيارة له للمغرب مند عشر سنوات. مواظبته وإصراره على ارتداء الجلباب الوزاني كان بهدف الإبقاء على جسر ما، على رمز يذكره وينبه أبناءه أن أصولهم وجدور نسبهم تعود لشرفاء الزاوية الوزانية وأن قدوم جدهم لتقرة لم يكن بسبب ضيق سبل العيش في موطنه، بل لأنه فضل عوض أن يحبس لسانه على جهر الحقيقة كشرط لقبوله ضمن الأغلبية المتماسكة، قرر الهجرة لينضم بذلك لجوقة الأقلية المشتتة.
كان الميمون غارقا في شريط ذكرياته المتقطع والبعيد لمسار رحلة عائلته وهو بالكاد طفل لم يتعدى السادسة من عمره الى الصحراء الشرقية للجزائر. كانت رحلة طويلة وقاسية لمح خلالها لأول وآخر مرة دموع القهر والظلم في أعين والده، الرجل الصلب والقوي الحاج المسكيني. كان ما زال تائها بين شقوق بحيرة ذكرياته المتصحرة تلك عندما اهتزت أرجاء المكان جراء طرق عنيف ومتوال على باب الدار منذِرة أن الأمر يتعلق قطعا برسالة مضمونة للشر. هلع الميمون مُرْهَباً لفتح الباب فوجد أمامه أربعة رجال أحدهم بزي مدني لم يسبق أن رآه من قبل، أما الباقون فهم من رجال شرطة المدينة يعرفهم ويعرفونه، أحدهم والد سعيد، صهره بأثر مستقبلي. تقدم المدني نحو الميمون بلهجة صارمة وبدون مقدمات:
-الميمون إجمع ما خَفَّ من أغراضك وأغراض أسرتك، المغاربة لم يعد مرحب بهم، فخامة الرئيس بومدين أمر بترحيل عدد من المغاربة المقيمين بالجزائر يوازي نفس عدد المشاركين في مسيرتكم الخضراء.
ظل الميمون جامدا مذهولا في مكانه مركزا بنظره على حركات شفاه الرجل الذي أضحى اليه مجرد طيف مرئي، ينفث صوتا يستحيل على الأذن البشرية التقاط ذبذباته. لقد صار العالم حفرة مُفَرَّغَة من الهواء سلبته القدرة على السمع. لقد صار أبكما.
في الطريق الى شاتو “نوف” 09, مخفر شرطة وهران الرئيسي. النقطة صفر حيث تم تجميع المغاربة لأخذ بصماتهم والتأكد من هويتهم قبل ترحيلهم، كان الجميع قد أضحى أبكما. بلا مصاحف باليد ولا أعلام حشروا داخل شاحنات تاترا 93 التشيكية السوداء ليلقى بهم على حدود جوج بغال، كأسرى حرب في مشهد لقبه المُرحلون بعدما استعادوا قدرتهم على النطق بالمسيرة السوداء.
في المخيمات التي نبتت كالفطر لإستيعاب المطرودين على مشارف وجدة ومدن أخرى. بدا الناس تائهين حائرين كأنه يوم الحشر. بكاء، صراخ، عويل ودموع صامتة. بين ليلة وضحاها، أسر عديدة فقدت الأب أو الأم فقط لأن بومدين كان مهووسا على ما يبدو بنظرية صفاء العرق، متناسيا حقيقة التاريخ والجغرافيا التي هي أكبر بكثير من خطوط خطها الدخيل لتُكَوِّنَ حدودا تفصل بين
الإخوة. فالأمر كان واضحا بتفريق الزيجات المختلطة بالإبقاء على الجزائري(ة) وإبعاد المغربي(ة).
صبيحة عاشوراء. السادس من بونبر2021. القرية. مدينة سلا.
بعد قلع الشوك والحشيش ورش بعضٍ من ماء الورد، شرعت شامة في قراءة ما تيسر على قبر الميمون كما دأبت على ذلك منذ احدى عشرة سنة، بعد إفراغها من الثلاوة والدعاء مدت يدها لحفيدتها لمساعدتها على الوقوف لمغادرة المقبرة، فزيادة الوزن وانتفاخ الركبة أفقداها شيئا من استقلالية وسلاسة الحركة. في طريق العودة الى المنزل تذكرت شامة كيف أن والدها ورغم مرارة ذلك اليوم المشؤوم. يوم أجبر على ترك منزله، عمله، مسبحة وسلهام والده وعلى هجر كل ما أثث حياته حتى ذلك اليوم، رفقة الصغر والكبر، مجالسة رفيقه مِحْرِزْ مساءا وكأس الروم صباحا بمقهى زرياب. رغم كل ذلك ظل حريصا على شراء ثياب جديدة لأخيها الصغير مرتين في السنة: الخامس من جويلية والثامن عشر من نونبر. نونبر.
تتذكر أنه في أيامه الأخيرة كانت تنتابه نوبات من ا لإنفعال الشديد، كأنه أيقن من ذنو نهايته دون أن يجد تفسيرا لأسئلته المؤرقة: كيف للسياسة، سياسة الزيف أن تلبس المحبة الفطرية الطبيعية بين الإخوة لبوس العداوة؟ من أين لها هده القدرة على تحقير وتشويه الذاكرة؟ كيف للأصوات العاقلة من الجانبين أن تخفت وتستسلم بسهولة لحملات الكذب والتحريض التي تقودها فيالق الدهماء ومأجوري أجهزة البلدين؟ من الرابح في معركة تكسير العظام هاته الهادرة لطاقات، مقدرات وآمال الشعبين؟
لَمِّيمَة. لماذا في عيد المسيرة الخضراء يتجاهلون الحديث عن معاناة ضحايا المسيرة السوداء؟
لست أدري. ربما يراهنون على سحر وقدرة النسيان لحفر قبور جديدة في مقبرته الشاسعة ليدفنوا فيها أجزاء من ذاكرةٍ، الإبقاء عليها حية قد يضر بحساباتهم أكتر مما ينفع.
بحسرة أجابت شامة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.