على محك 23 شتنبر

على محك 23 شتنبر
الإثنين 14 شتنبر 2026 - 18:17

المقدمة

تنطلق الحملة الانتخابية التشريعية بالمغرب في ظرف يحمل من الدلالة أكثر مما يحمله من الطقوس المعتادة. فموعد الاقتراع المحدد في الأربعاء 23 شتنبر 2026 جاء بعد مصادقة مجلس الحكومة على مرسوم يحدد هذا التاريخ، في وقت انطلقت فيه الحملة الرسمية منذ العاشر من الشهر ذاته. رقميا، يتنافس على 395 مقعدا ما يقارب 7288 مرشحا ضمن أكثر من 1850 لائحة، بمشاركة 28 هيئة سياسية بينها تحالفات حزبية. هذه الأرقام، على ضخامتها الظاهرة، تخفي مفارقة كبرى تستحق التوقف: كثافة العرض الحزبي تتقاطع مع تراجع صارخ في الإقبال والثقة، وتتزامن استحقاقات الصندوق مع أزمة معيشية تنهك الأسر المغربية عاما بعد عام.

فبعد ولاية تشريعية كاملة امتدت خمس سنوات منذ اقتراع 2021، يقف المغرب أمام محطة تحمل خصوصية مغايرة لسابقاتها: إنها المحطة الرابعة بعد دستور 2011، غير أن أهميتها تكمن في كونها تأتي عقب تجربة حكومية أصبح ممكنا تقييم حصيلتها فعليا، بعدما بات المواطن أكثر قدرة على المقارنة بين الوعود السابقة وما تحقق منها على أرض الواقع. من هنا تطرح إشكالية مركزية: كيف تجرى انتخابات تشريعية في ظل مفارقة كبرى، تتجلى في انفصال متزايد بين خطاب حزبي وعظي يتكرر مع كل موسم انتخابي، وواقع مجتمعي يعاني ثقل التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب اهتزاز غير مسبوق في الثقة بجدوى الفعل الانتخابي أصلا؟ وينبثق عن هذه الإشكالية سؤالان محوريان: هل تعكس الحملة الحالية نقاشا عموميا حقيقيا حول قضايا المغاربة، أم تبقى مجرد صراع تقني على توزيع المقاعد بين الشبكات ذاتها؟ وكيف تحول الشغف السياسي الذي عرفته محطات سابقة إلى عزوف متجذر وشكوك عميقة لدى غالبية المواطنين؟

المحور الأول: تشريح أزمة العزوف وثقافة اللاجدوى

العزوف السياسي في المغرب المعاصر يتجاوز التوصيف السطحي الذي يختزله في سلبية عابرة أو “كسل مواطني” عارض. الأرقام وحدها تكفي لتفكيك هذا التبسيط: تحدث نبيل بنعبد الله عن حوالي 12 مليون مغربي يوجدون خارج اللوائح الانتخابية، مع انتماء نسبة مهمة منهم إلى فئة الشباب، في مؤشر يعكس اتساع دائرة الفجوة بين المواطن والمؤسسة الحزبية. والأدق من ذلك أن اللائحة الانتخابية لهذا الاستحقاق أعلنت عن أزيد من 15 مليون مسجل، وهي نسبة تقل عن نظيرتها المسجلة في شتنبر 2021، ما يعني أن منحنى التسجيل نفسه يسير في اتجاه تنازلي رغم توسع الكتلة الديمغرافية المؤهلة للتصويت.

الفئة الشبابية تختزل هذه الأزمة في أوضح تجلياتها. فحضور الفئة العمرية بين 18 و24 سنة في القوائم الانتخابية لا يتجاوز 3 بالمئة من إجمالي المسجلين، رقم يضع الأحزاب أمام معضلة استراتيجية حقيقية: إما اعتبار هذه الفئة كتلة غير انتخابية والتوجه نحو الناخب التقليدي، أو التعامل معها باعتبارها الخزان الانتخابي المستقبلي الذي يستدعي تغييرا فعليا في طريقة اشتغال الأحزاب ذاتها. هذه المفارقة تكشف قطيعة عميقة بين جيل رقمي يحتج ويتفاعل بكثافة عبر منصات التواصل، وطبقة سياسية تقليدية ما زالت تراهن على أدوات تواصلية متجاوزة زمنيا، مكتفية بخطاب المهرجانات واللقاءات المباشرة في وقت انتقل فيه النقاش العمومي الفعلي إلى فضاءات رقمية مغايرة كليا.
هذا التحول في جغرافية المشاركة السياسية يحمل دلالة تتجاوز التقنية الانتخابية الصرفة، إذ يعيد تعريف مفهوم المشاركة ذاته: من صندوق الاقتراع ومقر الحزب، إلى منصة التواصل الاجتماعي والاحتجاج غير المهيكل. وحين يفقد المواطن الشاب ثقته في جدوى التصويت باعتباره أداة تغيير فعلية، فإنه سيعيد توجيه طاقته الاحتجاجية نحو فضاء مواز يفلت من الرقابة الحزبية التقليدية.

خطورة هذا المسار تتضح أكثر حين يربط بسؤال الشرعية. فحين تتراجع نسبة المشاركة إلى مستويات متدنية، يصبح السؤال حول شرعية التمثيلية البرلمانية والأغلبية الحكومية القادمة سؤالا مشروعا بامتياز: كيف يمكن لأغلبية منتخبة بنسبة مشاركة محدودة أن تدعي تمثيل إرادة شعبية شاملة؟ العزوف بهذا المعنى يتحول من ظاهرة اجتماعية هامشية إلى موقف سياسي واع، رسالة احتجاج ضد ما يراه قطاع واسع من المغاربة انسدادا في أفق التغيير عبر القنوات المؤسساتية المتاحة. وهو ما يمهد مباشرة للمحور الموالي، حيث يتقاطع هذا الانسداد السياسي مع اختناق اقتصادي يضرب في العمق الطبقة التي كانت تشكل تاريخيا صمام الأمان الاجتماعي بالمغرب.

المحور الثاني: الواقع الاقتصادي واختناق الطبقة المتوسطة

خلف الخطاب الحزبي المتكرر عن “الإنجازات” و”الأوراش الكبرى”، يعيش المواطن المغربي واقعا اقتصاديا أكثر تعقيدا مما تسمح به الشعارات الانتخابية باستيعابه. فمؤشرات الأسعار، بعد فترة من التراجع النسبي، عادت إلى منحى تصاعدي جديد خلال الربع الثاني من سنة 2026، في تطور يعكس استمرار الضغوط المعيشية التي تثقل كاهل الأسر المغربية وتغذي المخاوف بشأن مستقبل القدرة الشرائية، مع ارتفاع متواصل لتكاليف عدد من المواد والخدمات الأساسية. وحتى حين تسجل المندوبية السامية للتخطيط تراجعا ظرفيا في وتيرة الارتفاع الشهري، فإن الأثر التراكمي للتضخم خلال السنوات الأخيرة يبقى حاضرا بقوة في الحياة اليومية، إذ التضخم ليقاس بما يخلفه من أثر متراكم على سلة الاستهلاك اليومية التي تشمل الغذاء والنقل والسكن والخدمات الأساسية، وهي قطاعات عرفت جميعها ارتفاعات متتالية عبر فترات سابقة. خبراء اقتصاديون يحذرون في هذا السياق من غلاء مزمن قد يستمر بشكل تدريجي، مع تأثير قوي متوقع على الطبقة المتوسطة وعلى القدرة الشرائية للأسر تحديدا، لا على الفئات الهشة وحدها كما توحي الخطابات الرسمية أحيانا.

الشريحة الاجتماعية الأكثر تضررا من هذا الوضع هي بالضبط تلك التي شكلت تاريخيا صمام الأمان الاجتماعي والسياسي للمملكة: الطبقة المتوسطة. فئات واسعة كانت تحسب ضمن هذه الطبقة انزلقت تدريجيا نحو حافة الهشاشة المالية، في مسار يصعب تعويضه بإجراءات ظرفية كتعويضات القفة أو الزيادات الطفيفة في الأجور الدنيا. ويتجلى هذا الاختناق بوضوح في ملف السكن: ففي المدن الكبرى كالرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش، تتراوح أسعار كراء الشقة المتوسطة بين 3000 و7000 درهم شهريا، وقد تتجاوز هذا السقف في بعض الأحياء الراقية، بما يعني أن نسبة معتبرة من دخل الأسرة، قد تصل أحيانا إلى ما بين 40 و60 بالمئة من الدخل الشهري، تذهب حصرا لتغطية السكن، تاركة هامشا ضيقا جدا لتغطية باقي الحاجيات من غذاء وصحة ونقل. ملف الصحة بدوره يشكل عبئا إضافيا متصاعدا، إذ يعاني القطاع العمومي من ضغط كبير ونقص في الموارد البشرية والبنية التحتية، بينما يبقى القطاع الخاص مكلفا بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين ممن اضطروا لتحمل كلفة صحية وتعليمية خاصة تفوق قدرتهم الفعلية، في مقابل تراجع محسوس في جودة المرفق العمومي المقابل.

أما معضلة البطالة فتحتاج قراءة أكثر دقة تتجاوز الرقم الإجمالي. فمعدل البطالة الصارم بلغ 10.8 بالمئة خلال الفصل الأول من سنة 2026، بواقع 1.253 مليون عاطل من إجمالي قوة عاملة تناهز 11.62 مليون شخص. غير أن هذا المعدل الإجمالي يخفي تفاوتات صارخة حين يفكك حسب الفئات: فبطالة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة بقيت مرتفعة عند مستويات تتجاوز 29 بالمئة في بعض القراءات الفصلية، بينما بلغت بطالة النساء 16.1 بالمئة مقابل 9.4 بالمئة فقط بين الرجال، في مؤشر على فجوة نوعية إضافية تتقاطع مع الفجوة العمرية. كما أن بطالة حاملي الشهادات الجامعية ظلت هي الأخرى عند مستويات مقلقة تناهز خمس هذه الفئة، وهو ما يفضح فشلا مزدوجا: فشل المنظومة التعليمية في ضمان الاندماج المهني السلس لخريجيها، وفشل مواز للبرامج الحكومية المخصصة للتشجيع على التشغيل في امتصاص هذه الأزمة البنيوية، رغم الإعلان المتكرر عن برامج دعم وتحفيز لم تترجم بعد إلى انفراج ملموس في سوق الشغل.

المفارقة الأعمق أن هذا التدهور المعيشي يتزامن مع خطاب حكومي رسمي يتحدث عن نمو اقتصادي متصاعد، إذ يشير إلى انتقال معدل النمو من 1.8 بالمئة سنة 2022 إلى ما يقارب 4.8 بالمئة سنة 2025، بمتوسط سنوي يناهز 4.5 بالمئة خلال فترة الولاية، مقارنة ب2.1 بالمئة فقط خلال الفترة السابقة لها. غير أن هذا التحسن الماكرو-اقتصادي الظاهر لا ينعكس بالقدر ذاته على المؤشرات المعيشية اليومية للأسرة المغربية المتوسطة والفقيرة، وهي الفجوة بالذات التي يستثمرها خصوم الأغلبية الحكومية في خطابهم الانتخابي، بينما تصر الحكومة المنتهية ولايتها على أن الأرقام الكلية تعكس دخول الاقتصاد الوطني مرحلة أكثر استدامة. هذا التناقض بين رواية النمو الرسمية ومعيش المواطن اليومي يفتح الباب مباشرة أمام تفكيك بنية العرض السياسي ذاته، وما يعتريه من سيولة إيديولوجية وضعف في القدرة على تحويل هذا الاحتقان الاجتماعي إلى برامج عملية قابلة للمساءلة.

المحور الثالث: بؤس العرض السياسي وسيولة الأحزاب

المتتبع للمشهد الحزبي المغربي، وهو يراقب اصطفاف 27 حزبا وتحالفاتها المتعددة قبيل استحقاق 23 شتنبر، يصطدم بسؤال يتكرر عند كل موعد انتخابي دون أن يجد جوابا مقنعا: أين تكمن الحدود الإيديولوجية الفاصلة بين هذا الكم الهائل من التشكيلات؟ فالبرامج الانتخابية المعلنة، من “كرامة وفرص للجميع” الذي يرفعه التجمع الوطني للأحرار إلى “من أجل تغيير المسار” الذي يطرحه حزب الأصالة والمعاصرة، تتقاطع في مضامينها أكثر مما تتمايز: القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، التعليم، السكن، الحماية الاجتماعية، محاربة الفساد. الملفات ذاتها تتكرر بصياغات متشابهة عبر لوائح متعددة، في غياب شبه تام لرؤى مجتمعية متمايزة تحيل الناخب على اختيار حقيقي بين مشاريع سياسية متنافسة، لا بين واجهات تسويقية لمضمون واحد.

أستاذ العلوم السياسية عبد الحفيظ اليونسي يذهب إلى وصف أكثر حدة لهذه الظاهرة، معتبرا أن انصراف الأحزاب إلى حشد كامل طاقتها في اللحظة الانتخابية وحدها يشكل عنوان أزمة حزبية عميقة، ذلك أنها تتحول بذلك إلى أحزاب انتخابية أكثر منها أحزابا سياسية بالمعنى الوظيفي للكلمة: تنشط بكثافة مع اقتراب موعد الاستحقاقات، ثم تخفت أنشطتها التأطيرية والتكوينية والفكرية طيلة الفترة الفاصلة بين محطتين، لتتحول عمليا إلى ما يشبه “الدكاكين الانتخابية” التي تفتح أبوابها موسميا. وتتقاطع هذه الملاحظة مع ظاهرة أخرى ملازمة لها، هي الترحال السياسي الذي يعود إلى الواجهة كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، حيث ينتقل المنتخبون من حزب إلى آخر بحثا عن موطئ قدم أضمن، في ممارسة تكشف، وفق باحثين في القانون الدستوري، أن جانبا كبيرا من المسؤولية عن تفكك الولاءات الحزبية يقع على عاتق الأحزاب نفسها، بعدما تخلت عن أدوارها التأطيرية والتكوينية التي كفلها لها المشرع، فباتت أقرب إلى منصات عبور مؤقتة منها إلى أطر انتماء فكري وسياسي مستقر.

هذه السيولة الإيديولوجية تتزامن مع صعود مثير للانتباه لما يمكن تسميته “التكنوقراطية الحزبية”، حيث يهيمن منطق التدبير المقاولاتي والكفاءة التقنية على حساب المشروع المجتمعي الشامل. فالخطاب الانتخابي السائد يقدم نفسه بلغة الأرقام والمؤشرات والبرامج القطاعية القابلة للتنفيذ الفوري، متجنبا الخوض في الأسئلة الكبرى المتعلقة بطبيعة النموذج التنموي المنشود أو بموقع المواطن الفعلي داخل معادلة القرار السياسي. وحين تنحصر السياسة في بعدها التدبيري المحض، يفقد الناخب أداته الأساسية للتمييز بين المتنافسين: البرنامج السياسي بمعناه الفكري والقيمي، لا مجرد لائحة التزامات إدارية.

وتزداد الصورة قتامة حين يضاف إليها ملف “أزمة المرشحين” التي تجلت بوضوح في عدد من الدوائر الانتخابية الكبرى، حيث تجد جل الأحزاب، بما فيها المشكلة للتحالف الحكومي الحالي، صعوبة حقيقية في العثور على وجوه جديدة قادرة على الإقناع، بعيدا عن الأسماء والعائلات السياسية المستهلكة عبر محطات متعاقبة. هذه الأزمة، بحسب مراقبين، غير معزولة عن دائرة بعينها، وإنما تشكل صورة مصغرة لما يعيشه المشهد الحزبي برمته على المستوى الوطني: حاجة ماسة إلى نخب سياسية متجددة تملك كفاءة علمية ورؤية تنموية واضحة، مقابل إعادة إنتاج متكررة للوجوه ذاتها التي أنهكت الحياة العامة دون أن تقدم حلولا عملية للمشاكل المتراكمة.

هذا الفراغ الفكري والتنظيمي يفسح المجال واسعا أمام هيمنة الصراعات الشخصية والمشاحنات السطحية على حساب النقاش البرامجي الجاد، حيث يتحول التقاطب أحيانا إلى حدة تصل، وفق أساتذة العلوم السياسية، إلى مستوى العنف اللفظي في الخطاب الحزبي المتبادل.

وتنشغل الأحزاب بالتراشق حول التموقعات والتحالفات المرتقبة، بدل الانشغال بصياغة برامج واقعية قابلة للقياس والمساءلة الفعلية، فتستعاض عن هذه البرامج بشعارات فضفاضة تصلح لكل زمان ومكان، ولا تلزم أصحابها بأي التزام رقمي محدد أمام الناخب. وهذا العجز البنيوي في صياغة عرض سياسي متمايز ومسؤول يصبح أكثر إحراجا حين يتعلق الأمر بالأحزاب التي قادت التحالف الحكومي المنتهية ولايته، إذ تجد نفسها اليوم مطالبة بتبرير مزدوج: الدفاع عن حصيلة خمس سنوات كاملة من جهة، وتقديم وعود جديدة من جهة أخرى -غالبا بإصلاحات ما تسببت في إفساده-.

المحور الرابع: مفارقة الأحزاب الحاكمة ووعود “إصلاح ما أفسد”

من أعقد المفارقات التي تطبع هذا الاستحقاق، موقع الأحزاب الثلاثة التي شكلت التحالف الحكومي المنتهية ولايته: التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. فهذه التشكيلات تخوض الحملة الانتخابية وهي مطالبة، لأول مرة بهذا الوضوح، بالدفاع عن حصيلة تنفيذية كاملة امتدت خمس سنوات، بدل الاكتفاء بخطاب المعارضة السهل الذي كانت تنتهجه في محطات سابقة. فرئيس الحكومة عزيز أخنوش نفسه دافع بقوة أمام البرلمان عن أداء الجهاز التنفيذي، رافضا اختزال هذه الحصيلة في عشرة التزامات متداولة إعلاميا، ومؤكدا أنها تتجاوز ذلك إلى نتائج ملموسة مدعومة بأرقام دقيقة في قطاعات التعليم والصحة والسياحة والصناعة التقليدية والربط المائي بين الأحواض. غير أن هذا الدفاع الرسمي يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدا داخل الحزب القائد للتحالف ذاته: فحزب الأحرار يدخل هذه الانتخابات مثقلا بحصيلة حكومية استنزفت جزءا مهما من رصيد رئيسها الاعتباري، بعدما ارتبط اسمه طيلة الولاية بغلاء المعيشة وأسعار المحروقات وجدالات تداخل المال بالسلطة، إلى جانب ملفات أثارتها المعارضة حول تضارب مصالح مفترض، من قبيل صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء وصفقة أدوية أثيرت حولها شبهات استفادة شركة مرتبطة بأحد الوزراء، وهي اتهامات ذات طبيعة سياسية لم تتحول، بحسب المعطيات المتداولة، إلى إدانات قضائية بحق المعنيين بها، لكنها بقيت مادة أساسية في خطاب الخصوم الانتخابيين الذي امتد ما قبل الحملة.

واللافت أن الحزب اختار الفصل الرمزي بين القيادة والمسؤولية التنفيذية: فقد انتقلت رئاسة الحزب من عزيز أخنوش إلى محمد شوكي، المنتخب في مؤتمر استثنائي عقد في فبراير 2026، على أن يتولى شوكي قيادة الحملة الانتخابية بينما يبقى أخنوش رئيسا للحكومة حتى نهاية ولايتها، بعدما فضل عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب وعدم خوض الانتخابات التشريعية المقبلة شخصيا. غير أن تغيير الواجهة القيادية هذا لا يعفي التشكيلة الحزبية من إرث الحكومة وثقلها الانتخابي، بحسب محللين، ذلك أن الناخب لا يفصل بسهولة بين اسم الحزب وسجل من قادوه خلال الولاية المنقضية.

هنا يتبلور جوهر الإشكال الذي نطرحه هنا: استبلاد الشارع ومحاولة الإفلات من استحقاق المحاسبة. فحين تحلل خطابات الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي المنتهي، يلاحظ المتتبع نمطا متكررا يقوم على تقديم وعود جديدة تتضمن إصلاحات كانت هذه الأحزاب بالذات مطالبة بإنجازها خلال توليها زمام السلطة والتنفيذ طيلة السنوات الخمس الماضية. فبرنامج التجمع الوطني للأحرار للفترة 2026-2031، رغم استناده المعلن إلى “حصيلة الولاية الحكومية السابقة” لا إلى وعود منفصلة عن الإمكانات المالية والمؤسساتية المتاحة، يعيد طرح ملفات حماية القدرة الشرائية وتحسين جودة الخدمات العمومية والإدماج الاقتصادي، وهي بالضبط الملفات ذاتها التي كانت من صلب التزامات الولاية المنتهية دون أن تحل جذريا. وهذا التكرار يفتح سؤالا أوسع يتجاوز حزبا بعينه: متى يتحول الوعد الانتخابي إلى التزام قابل فعليا للتنفيذ والقياس، ومتى سيظل مجرد شعار يعاد تدويره من دورة انتخابية إلى أخرى دون محاسبة فعلية على عدم إنجازه؟

يتجلى هذا المنطق بوضوح أكبر حين تلجأ الأحزاب الحاكمة إلى صياغة خطاب مستقبلي صرف، من نوع “سنفعل وسننجز” في الولاية القادمة، متجنبة الخوض التفصيلي في تبرير ما تعثر أو تأخر إنجازه خلال الولاية الحالية. وهي استراتيجية خطابية تقدم الحزب الحاكم أحيانا وكأنه كان يشغل موقع المعارضة خلال السنوات الخمس الماضية، لا موقع السلطة التنفيذية الفعلية صاحبة القرار والميزانية والصلاحية التشريعية. هروب إلى الأمام أشبه بتنصل ضمني من حصيلة كاملة، عوض مواجهتها بشفافية أمام الناخب وتفسير الفجوة بين ما وعد به سنة 2021 وما تحقق منه فعليا على أرض الواقع بحلول 2026.

خطورة هذا النمط الخطابي تتجاوز الحسابات الانتخابية الظرفية لتطال بنية الثقة السياسية ذاتها. فحين لا يربط موقع المسؤولية التنفيذية بآلية محاسبة واضحة وملزمة، يتعمق لدى الناخب شعور مزدوج بالإحباط والعجز: إحباط من تكرار الوعود ذاتها دون محاسبة حقيقية على مآلاتها، وعجز عن إيجاد أداة مؤسساتية فعالة تفرض على الحاكم تبرير قراراته وتقييم أدائه بمعايير موضوعية قابلة للتحقق. وهذا الشعور المركب، حين يتراكم عبر محطات انتخابية متعاقبة دون معالجة بنيوية، لا يبقى حبيس دائرة الإحباط الفردي، نراه يتحول تدريجيا إلى أزمة أعمق تطال وظيفة الوساطة السياسية برمتها.

المحور الخامس: رهانات الاستقرار وآفاق أزمة الوساطة

حين تتقاطع النقاط الأربعة السابقة، عزوف متجذر لدى الشباب، اختناق اقتصادي يضرب الطبقة المتوسطة، سيولة إيديولوجية تفرغ العرض الحزبي من مضمونه، ومحاولات تنصل من استحقاق المحاسبة، يتضح أن المسألة تتجاوز حدود استحقاق انتخابي عابر لتطال وظيفة بنيوية بالغة الحساسية: وظيفة الوساطة السياسية بين الدولة والمجتمع. فالأحزاب، في تصورها النظري، صلة الوصل التي تترجم مطالب المواطن إلى برامج، وتحول انشغالاته اليومية إلى قرارات مؤسساتية قابلة للتنفيذ والمساءلة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يحدث حين تفقد هذه الأحزاب مصداقيتها بشكل شبه كامل في نظر شرائح واسعة من المجتمع، وخصوصا لدى الفئة الشبابية التي ستشكل الثقل الديمغرافي الحاسم في العقود القادمة؟

الإجابة تلوح بالفعل في المشهد الراهن: لجوء متزايد إلى أشكال احتجاج مباشرة وغير مهيكلة، تتخذ من الفضاء الرقمي منصتها الأثيرة، كبديل عملي عن المؤسسات التمثيلية التقليدية. جيل بأكمله يحتج ويتفاعل بكثافة عبر شبكات التواصل، دون أن يترجم هذا الحضور الرقمي إلى تسجيل في اللوائح الانتخابية أو انخراط في الهياكل الحزبية القائمة. وهذا الانفصال بين فضاء الاحتجاج وفضاء التمثيل المؤسسي يحمل مخاطر حقيقية على الاستقرار السياسي في الأمد المتوسط، ذلك أن الطاقة الاحتجاجية حين تحرم من قنوات مؤسساتية لاستيعابها ومعالجتها، تميل إلى التراكم خارج الأطر المنظمة، بما يحمله ذلك من احتمالات تصعيد يصعب التحكم فيه أو توقع مساراته.

أمام هذا الواقع، يصبح رهان انتخابات 23 شتنبر 2026 أكبر من مجرد سؤال حسابي حول من سيتصدر النتائج ومن سيقود الائتلاف الحكومي القادم. الرهان الحقيقي يكمن في سؤال أعمق: هل يمكن لهذا الاستحقاق أن يحدث قطيعة فعلية مع أنماط الممارسة السابقة، بما تحمله من ترحال سياسي وتكرار للوجوه ذاتها وغياب لتجديد النخب، أم سيقتصر الأمر على إعادة توزيع للمواقع والمقاعد بين الشبكات والعائلات السياسية المألوفة، مع بقاء جوهر الأزمة البنيوية على حاله؟ فحين تصبح “أزمة المرشحين” ظاهرة تطال جل الدوائر الانتخابية الكبرى، وحين تعجز حتى الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي عن تقديم وجوه جديدة قادرة على تجديد الثقة، يصعب التعويل على هذا الاستحقاق وحده لإحداث التحول المنشود، ما لم يواكبه إصلاح بنيوي أعمق في منطق اشتغال المؤسسة الحزبية ذاتها.

الخاتمة

يتضح، عند تركيب خيوط هذه القراءة، أن أزمة انتخابات 2026 بالمغرب تتجاوز في جوهرها أي بعد تنظيمي أو لوجستيكي محض. فالمملكة أثبتت، عبر احترامها الدقيق للآجال الدستورية والزمن التشريعي المحدد، قدرتها على تدبير الجانب التقني للاستحقاق بكفاءة معهودة. الأزمة الفعلية، كما حاولت هذه القراءة تفكيكها عبر محاورها الخمسة، أزمة ثقة وأزمة عرض سياسي بالدرجة الأولى: عزوف شبابي يعكس قطيعة جيلية عميقة مع أدوات العمل الحزبي التقليدي، اختناق اقتصادي يهدد بتفكيك الطبقة المتوسطة التي شكلت تاريخيا ضمانة الاستقرار الاجتماعي، سيولة إيديولوجية تفرغ التنافس الحزبي من مضمونه الفكري، ومحاولات متكررة للتملص من استحقاق المحاسبة الفعلية على الحصيلة.

انطلاقا من هذا التشخيص، تنبثق مجموعة من التوصيات التي تتجاوز أفق المحطة الانتخابية الآنية نحو معالجة بنيوية أكثر استدامة:

– إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الفكري والتأطيري خارج فترات الحملات الانتخابية، بما يعيد للأحزاب وظيفتها التكوينية الأصلية بدل اقتصار نشاطها على المواسم الانتخابية وحدها.

– صياغة تعاقدات سياسية صريحة وقابلة للقياس بين الأحزاب والناخبين، تستند إلى مؤشرات أداء رقمية محددة زمنيا، تتيح محاسبة فعلية على مدى الوفاء بها عند نهاية كل ولاية، بدل الاكتفاء بشعارات عامة يصعب تقييم إنجازها موضوعيا.

– إصلاح المنظومة الاقتصادية بتركيز حقيقي وملموس على حماية الطبقة المتوسطة والحد من الآثار التراكمية للتضخم على سلة الاستهلاك اليومية للأسر، بما يتجاوز الإجراءات الظرفية نحو معالجة بنيوية لملفات السكن والصحة والتشغيل تحديدا.

– فتح المجال السياسي والديمقراطي أمام تجديد فعلي للنخب الحزبية، بما يعيد بناء جسور الثقة بين المؤسسات وتطلعات الشارع، ويحول دون اتساع الفجوة بين خطاب سياسي متقادم الأدوات وواقع اجتماعي متسارع التحولات.

فالسؤال المطروح اليوم أمام المغرب لا يتعلق فقط بمن سيفوز بالمقعد رقم كذا في دائرة بعينها، إنه يتعلق بمدى قدرة المنظومة الحزبية برمتها على استعادة وظيفتها الأصلية باعتبارها أداة وساطة حية بين الدولة ومجتمعها، قبل فوات أوان استعادة هذه الثقة.

لائحة المراجع المعتمدة

– الجزيرة نت، “الانتخابات التشريعية المغربية 2026: الرهانات والمحددات والمآلات المحتملة”، 22 يونيو 2026.

– هسبريس، “انتخابات 23 شتنبر تكرس احترام الآجال التشريعية والدستورية بالمغرب”، 9 مارس 2026.

– إيكوبريس (Ecopress)، “انتخابات 23 شتنبر: تفاصيل أعداد المترشحين واللوائح والأحزاب المشاركة”.

– فاس نيوز، “انتخابات 2026 بالمغرب: انطلاق السباق نحو 395 مقعدا بمشاركة 7,288 مرشحا و27 حزبا”.

– Trading Economics (بالعربية)، “معدل البطالة في المغرب”، بيانات الربع الأول 2026.

– انتلجنسيا المغرب، “التضخم يعود للارتفاع بالمملكة والمحروقات تشعل الأسعار والقدرة الشرائية تحت الضغط”، 19 يوليوز 2026.

– صحيفة البديل السياسي، “المغرب 2026: واقع اجتماعي واقتصادي شامل لمعاناة المواطن بين الغلاء والبطالة والتعليم والكراء والصحة”، بدر شاشا، 14 يونيو 2026.

– القدس العربي، “عزوف الشباب عن السياسة في المغرب: تقرير حقوقي يثير نقاش ما قبل انتخابات 2026″، 20 غشت 2025.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 1

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 6

الحكومة والقدرة الشرائية

صوت وصورة
مخطط إنهاء مهام المينورسو
الخميس 5 نونبر 2026 - 14:24 4

مخطط إنهاء مهام المينورسو

صوت وصورة
جدوى إحداث "شركات التوزيع"
الخميس 5 نونبر 2026 - 12:15 7

جدوى إحداث "شركات التوزيع"

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 9

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش