قراءة في كليبات منال بنشليخة
“المقراج والعكّار الفاسي والباب دالخشب، الحوايج منشورين في سطح دار في المدينة القديمة التوني دالمنتخب الحوالق الدَّكّْ القديم والمرايااااات…. هادشي لاش منال كليباتها طوب”، هكذا علق على كليب المغنية منال بنشليخة، على إحدى منصات نشر المحتوى، أحد من لا يرون فرقا في الإبداع بين السيدة فيروز وبين السيدة منال بنشليخة، وبين الموسيقار عبد الوهاب الدكالي وبين المغني طوطو… كما لا يرون فرقا بين اليابان واليمن. يذكرني هذا الأمر بأحد “مشاهير” النقد السينمائي بالمغرب الذي يؤكد دون خجل وجود مضاهاةً وتماثلا بين ريبيتوار فلليني ومحمد مفتكر، وحكيم بلعباس وأندري تاركوفسكي …. وجيلالي فرحاتي وبازوليني… إلخ.
والواقع أن كليبات المغنية منال بنشليخة، “سفيرة القفطان المغربي” كما يقولون، (ويا للاستسهال والرياء والجهل واللامسوؤلية!)، هذه الكليبات لا تضم ما ذكرناه أعلاه فقط؛ بل تضم أيضا القفطان والتكشيطة والشّمار وعقيق اللوبان والجوهر. كما تستعرض الفردي د الذهب والمضمة، إضافة للشطيح والركزة، ودراجة اللومبريطة – أتذكر حسن حجاج الجلابة واللومبريطة والقُبْ – والدراجة النارية السريعة والكاصك والمرسيديس 307 مقاتلة الأسواق والرحيل، تضم كل ذلك تأثيثا تريد به أصالة بلاستيكية تعتقدها إبداعا.
يضم هذا النوع من الكليبات أيضا سحنات كبار السّن، وقد فقدوا بعض أسنانهم، كما تضم “دادا” المسكينة وقد خطف الزمن نضارة وجهها، وتضم أبله الحومة، نعم أبله الحومة، فهل هذا ما يمثل الأصالة من خلال فن الكليب؟
يرى كبار نقاد الفن ودارسوه الأكاديميون والفلاسفة والمفكرون وكبار المبدعين أن الربط بين التراث وبين الحداثة في انصهار منسجم وعميق اللحمة ومتناسق الدلالات من أصعب ما يكون. لذلك، فشلت في صناعة هذه التركيبة المتوازنة والمتناغمة والأصيلة جمالياتنا العربية والقطرية باستثناء الشِّعر وبعضٍ من التّشكيل، لأسباب لا يسع المجال لذكرها هنا.
إن الإبداع ولادة عسيرة تستدعي استيعابا في العمق لما لاحظه صاحب جملة “…داكشي علاش منال طوب”، في ربطه زمن الماضي بالحاضر بكل فضاءاته وتأثيثاته ولغته، في صيغة لا تُشعِرُك بالتعسف وبالإلصاق المجاني السطحي الذي يجعل الأصالة ورمزياتها مهزلةً وسياحة، في لبوس استشراقي مذلٍّ وفي صيغة إثنوغرافية استسهالية، من لا يرى الفرق، ليستمع لمنال بنشليخة وهي تتحدث عن أعمالها! قد يقول قائل: آه، وما القول في دلالة اختيارها من طرف ريدوان المسؤول عن حفل افتتاح كأس العالم بقطر، للمساهمة في الحفل إلى جانب كبار الفنانين عالميا؟ ذلك بعدٌ آخر من سيادة الميديوكراسيا، ولنا عودة له لاحقا.
لنر مرة أخرى ما لدينا مع صاحبة ألبوم كليبات Arabian Heartbreak، وليس أغانيها؛ فهي، مثل أقرانها، ذكورا وإناثا أكانوا أصغر منها سنّا أو أكبر، لا يتجرؤون على عرض أدائهم للكلمات وللنغمات صوتا فقط، لأن ذلك صعب وخطِر على ما حققوه في عصر التضليل المرئي المستغل لجهل ولمكبوتات العامة، تحت التنفس الاصطناعي الماكر والخادع للجماهير المسكينة بالصورة وبمكر مؤثراتها.
عادت المغنية منال بنشليخة إذاً بألبوم جديد “جميل” بصريا بالمعنى التقني المحدود للكلمة.. أكيد أنه سيحصل على قبول على منصات الموسيقى ومنصات التواصل الاجتماعي وإذاعة المحتويات الصناعية الفنية، كيف لا وجماهير استهلاك هذه المنصات والشبكات في أغلبيتها الساحقة تفتقر إلى ذوقٍ تحليلي ونقديٍّ يستوعب الفرق بين الكولاج وبين التلفيق الجذّاب بلمعانه المُغري، من ملابس ومن ماكياج ومن إكسسوارات ومن كلمات تُدغدغ مشاعر الحالمين والمُحبَطين، تُغازل الاتِّكاليين وذوي الخبرة الذوقية الضعيفة وأصحاب الثقافة الهزيلة. إنهم التابعون والمعجبون بهذا الصنف من “الأغاني” التي تجتاحنا؛ بل إنهم الحَكمُ لكن، هم حكمٌ في النجاح الكمِّي، وهو ما لا يُدْخِل الصّانع في فئة المبدعين ولا في فضاء التاريخ المجيد للإبداع.
باختصار، نقول وانطلاقا من مقارنة بسيطة مع كليبات من قعر الثقافة الأنجلوسكسونية، حيث لا انفصامَ مرضِيّ في كليباتِ فنٍّ، تجاوَز معركةَ الصراع بين الماضي التراثيِّ وبين الحاضر الحداثِي، وحيث لم تعد هناك حاجة إلى التعسُّف عليهِما معا، وتلفيق صيغة انسجامٍ بينهما تبدو للعيان المتيقظة، مُجرَّد عمل صادر عن عاجز عن الإبداع كلمةً وصورةً ونغماتٍ، تحمل بعض الجديد والمدهش وغير المنتظر والمبهر والممتع المفاجئ العميق المعاني والعبقري التعبير، في كلمات عادية لكن تركيبتها لا تخطر على بال.
إن الكليبات من هذا المستوى التي تغمر مشهدنا إنما هي باختصار superficial plastic beauty عند مقارنتها بكليبات لنقل دون تفكير تبدعها المجموعة الموسيقية . Cold play في كليب Something just like this على سبيل المثال، وكليب هيبة طواجي “مين اللي بيختار، حيث تطرح مسألة النسائية والثورة على التقاليد البائدة والتي غدت عائقا أمام تطور المجتمع وتحرر المرأة ومساهمتها في الإنتاج والتحديث إلى جانب الرجل، تطرحها بيسر وكياسة وذكاء وعمق، (هبة طواجي وهي تتخلى عن رداء رأسها مع الخروج من النفق بدلالاته)، مقابل عنف ورعونة وسطحية مقطع كليب “أريبيان بريكهارت”، حيث تشلخ وتكسر بل وتدمر بنشليخة فسيفساء المعمار الأصيل المغربي المحمل بدلالات العبقرية المغربية الروحية والثقافية والسيميائية، كما يدمر أصوله وجذوره الجاهل بهويته الكونية التي لا تستقيم إلا على محليته الضاربة في التاريخ، كي يقول بأنه حداثي على طريقة الاستشراق والإثنوغرافية الفلكلورية الناسفة للثقافات المحلية كي تؤكد هيمنة الغربي والمُعَوْلَمِ.
في كليب منال بنشليخة كما فيما يساويها من كليبات، هناك فقط عُمق مُفتعل في معاني الصّور السينمائية، على الرغم من وجود بعض التقدم الكمّي في سُلّم الحكي.
أما عن تعليقات العامة الذين لا يميزون السطحي الهجين غير القادر على مزاوجة العمق الثقافي للتراث مع تقنيات إبداع المعاصرة والحداثية، حيث يعتقدون أن الكولاج كافٍ؛ فقد تحدثنا عن هذا مرارا ومن الممكن جدا الاشتغال بأسلوبٍ وبفكرٍ وبصِيغٍ جماليةٍ مُختلفة، لفتح باب إبداعٍ جدي وجادٍّ ومبهر ومدهش ودائم، سيتعين أن يكون معه شيء من الصّبر والحَفْرِ والشجاعة الفكرية والقيمية.
تحية وسلام…. الحضاره ،الفن ، الإبداع ، التطور وغيرها من المصطلحات الفضفاضة…. يتغير ويتشكل مفهومها من شخص لآخر.. كل حسب تربيته ونشأته الاجتماعية اولا، ثم تكوينه الدراسي والثقافي ثانيا . الآراء كالاذواق والتوجهات تختلف… لكن ،المتفق عليه حاليا هو أن التفاهة والتافهين وجدوا الباب مشرع المصراعين، والرقيب في سبات ، فخبطوا عشوائية ، وعثوا في الفن فسادا تحت ذريعة ” هذا ما يحبه الجمهور”؛ لست أدري : هل هم من أفسد ذوق الجمهور ؟ ام أن الذوق فسد من تلقاء نفسه، أو بفعل تأثيرات خارجية؟؟… وليس لنا إلا….لا حول ولاقوة إلا بالله