الملكية بين الدستور التعاقدي والدستور الديموقراطي

الملكية بين الدستور التعاقدي والدستور الديموقراطي
الإثنين 20 يونيو 2011 - 12:39

لا يختلف اثنان على أن ما شهده المغرب يمكن اعتباره تغييرا حقيقيا في النظام السياسي المغربي بحيث لأول مرة في دولة عربية يتم الحديث عن نظام برلماني شبيه بالكثير من الأنظمة الغربية من حيث فصل السلط وتحديد الاختصاصات مع احتفاظ رئيس الدولة ببعض الصلاحيات خاصة في الميادين الحساسة التي تحتاج إلى جهة ضامنة للتعددية بعيد عن الحزبية الضيقة وخاصة مجالات الدين والأمن والجيش .


وليس من قبيل المبالغة كذلك انه لأول مرة يتم إنتاج دستور احترمت فيه المنهجية التشاركية إلى حد كبير لمكونات الشعب المغربي إلا من أبى،وهذه المنهجية جعلت من الدستور ورقة جامعة لكل مطالب الحساسيات السياسية خاصة في ما يتعلق بالهوية وحقوق الإنسان وتحديد حدود صلاحيات السلط المختلفة. وقد توزعت مواقف الفاعلين السياسيين إلى ثلاثة أصناف:


الموقف المبارك بدون أدنى تحفظ أو نقاش وهو الذي تشكله الأحزاب الإدارية التي أصلا لم تتجاوز سقف مطالبها حتى ما ورد في خطاب 9 مارس ،وهي لا تهمها الديمقراطية بأي شكل من الأشكال بل على العكس الديمقراطية تهديد لمصالحها، ومساهمتها حتى في النقاش السياسي لم ترقى إلى المستوى المطلوب داخل هيئاتها الحزبية بل اكتفت مكاتبها أو أمناؤها العامون بإرسال ما يرونه من المقترحات في إقصاء تام للهياكل الحزبية.


الموقف المشيد بالتعديلات مع المطالبة بإجراءات مصاحبة واعتبار الدستور الحالي نقطة انطلاق من اجل الديمقراطية الحقيقة وهو موقف تبنته بعض الأحزاب الوطنية والقوى الديمقراطية التي نظرت إلى الجوانب الايجابية في التعديل والى النقلة النوعية في النظام السياسي المغربي وهو ما لا يمنع من تسجيل بعض النواقص التي لا تخل بالمضمون والتي يمكن تداركها مستقبلا على اعتبار أن الإصلاح لا يتوقف عند نقطة معينة وإنما هو صيرورة تاريخية مستمرة .


الموقف الرافض وهو موقف فئة قليلة من المعارضة غير الرسمية التي لم تر لا في الخطاب الملكي ل 9 مارس أي نقطة ايجابية وشككت في نوايا التغيير مند البداية ورفضت التعاطي مع لجنة تعديل الدستور، ولم تر أيضا في مشروع الدستور في صيغته النهائية أية نقطة ايجابية أيضا من خلال التمسك بكون الدستور ممنوحا ولم يأت بأي شيء جديد .


وستشكل فترة حملة التصويت على الدستور، مجالا للنقاش الساخن لهذه المواقف الثلاثة ، والذي بلا شك حسم شق كبير منه لصالح المشروع بخروج الشعب المغربي لمباركته بشكل عفوي في الكثير من المدن مما يؤشر على أن الشعب المغربي يتابع باهتمام ما يحصل في الساحة السياسية وان من يصف الشعب بالأمية والجهل يفتقد إلى الحس السياسي والتقاط الإشارات والرسائل التي يبعث بها الشعب للفاعلين السياسيين.


فإذا كان أصحاب الموقف الأول لا يراهنون على الشعب بشكل كبير لأنه فقد فيهم الثقة، كما ان أصحاب المواقف العدمية أيضا الرافضين لكل شيء يعرفون مسبقا أنهم خسروا معركة الدستور منذ لحظة الخطاب الملكي ل 9 مارس وان الرهان على الشعب لرفض المشروع الحالي والتصويت ب(لا) يعتبر من قبيل المستحيل، فمهما كان أصحاب هذا الموقف يتحدثون باسم الشعب ويهددون بالمسيرات الشعبية المليونية التي لا تعدو إن تكون كصرخات القدافي الذي مافتئ يهدد بزحف ملاينيه التي لم نرى لها أثرا إلى اليوم.


ويبقى الموقف الوسط الذي يراهن على الشعب في إعادة الاعتبار للحياة السياسية من خلال أول انتخابات ديمقراطية ينبثق عنها برلمان حقيقي وحكومة ناتجة عن صناديق الاقتراع والتي لا يمكن أن يكون الدستور وحده كافيا لتحقيقها على اعتبار أن الديمقراطية ليست وصفة طبية تقدم في وثيقة قابلة للتنفيذ، فمهما كان الدستور ديمقراطيا فان الإشكال في الفاعلين السياسيين وطريقة تصرفهم وتعاملهم مع تلك الوصفة .


فالمغرب اليوم يحتاج إلى وزير أول قادر على تنفيذ صلاحياته بشكل حقيقي دونما تملص أو تلكأ, فالحكومة لم تعد حكومة صاحب الجلالة وإنما هي حكومة رئيس الحكومة ورئيس السلطة التنفيذية التي حددت مجلات اختصاصاتها .كما أن جميع الإدارات العمومية تحت تصرفها فحتى العمال والولاة يشتغلون باسم الحكومة وليس باسم جلالة الملك ولا حكومة خاضعة لوصاية مستشاري الملك (حكومة الظل).


فتوسيع صلاحيات مجلس النواب هو من التحولات الكبيرة بحيث شملت اختصاصاته أكثر من 30 مجالأً، بالإضافة إلى سلطته الرقابية على الحكومة وإمكانية إسقاطها، بتخفيض نصاب لجان التقصي و نصاب الدفع بملتمس الرقابة، هذه الأمور تجعل من البرلمان مؤسسةً ذات أهمية حاسمة في النظام السياسي، كما أن حصر الحصانة البرلمانية في التعبير عن الرأي فقط من شأنه إغلاق الباب أمام تجار الانتخابات خاصة إلى جانب منع الترحال السياسي، واستغلال الحصانة في الفساد والشطط.


لقد فتح الدستور الجديد أمام القوى السياسية الحقيقية الراغبة في التغيير والحريصة على مصلحة البلد فرصة للانتقال بالمغرب نحو دستور ديمقراطي من خلال صناديق الاقتراع لان الدساتير وتعديلها يجب أن تبقى مهمة مصونة للشعب من خلال ممثليه المنتخبين وتركيا ليست منا ببعيد، ولم تكن يوما الدساتير الديمقراطية نابعة عن توافقات سياسية لأن منطق التوافقات دائما يقتضي التنازل من جميع الأطراف، وإنما من اختصاص السلطات التشريعية.


ومادامت سلطة تعديل الدستور بيد البرلمان وبيد الحكومة فان تدارك النواقص المسجلة على الدستور الحالي يمكن تجاوزها مستقبلا وذلك بنضال الأحزاب السياسية للظفر بالأغلبية الكافية لذلك، وهو ما سيفتح باب المنافسة السياسية الحقيقية على أشده ويجعل للعمل السياسي معنى. .ويمكن تهييء ظروف تشريع القوانين التنظيمية والمراسيم الكفيلة بضمان وحماية كل الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور.


لقد دخل المغرب اليوم عهد الملكية الثانية وهي مرحلة ضرورية للفرز السياسي للأحزاب ومدى جديتها في الدفاع عن الخيارات الديمقراطية للشعب المغربي . والنقاش اليوم يجب أن ينصب عن ترتيبات استحقاقات ما بعد الدستور من شروط وظروف ملائمة لمنافسة حقيقة، فالمعركة الدستورية ليست سوى خطوة أولى ضرورية، لكنها غير كافية.


فلا يكمن الانتقال نحو الديمقراطية بدون ممارسة ديمقراطية سليمة من شوائب الماضي القريب وهي مهمة جميع الفاعلين في الحقل السياسي أكثر منها مهمة الدولة.


لقد شكل الدستور الحالي وثيقة تعاقدية احترم فيها الحد الضروري من الإجماع الوطني لكنها يجب أن تكون بداية فقط ومرحلة انتقالية نحو الدستور الديمقراطي النابع من الإرادة الشعبية وممثليه المنتخبين ديمقراطيا.

‫تعليقات الزوار

3
  • مغربي
    الإثنين 20 يونيو 2011 - 12:45

    إلى كل الكتاب الذين يرومون سرقة الحظة التاريخية بثمن أو بدون أي بالاقتناع أيضا لن تغيروا التاريخ ولن تردوا القدر الذي ليخلص الشعوب ويدحر الظلم والفساد والاستعباد ولن تكفيكم كل كلمة تقال وكل صوت يرفع
    الان حلت ساعة الشعوب والحرية ساعة الكرامة الحقيقة وأي شيء دونها غير مقبول بحكم الواقع
    وبحكم اللحظة التاريخية

  • الشعيبات ابن جرير
    الإثنين 20 يونيو 2011 - 12:41

    ايلا كان الطاغية عندو جلاد في ايدو السوط,راه كاين الجلاد في ايدو القلم,اش كتخربق ما قدا الدقاق ديال مبارك ما بقى عا نتا ماتعرف تا المغالطة كيفاش تنوعر فيها, خاصك ترجع تعلم التنوعير وفن الخطابة وعلم الكلام تايسموه اليونانيين الديمقراطيين ضد كرانك الريتوريقا,ها الاستفتاء غادي يدوز وتكمل 07 ايام ديال المشماش وكول للشعب راه كاين المخطط العشاري والعشريني,في مصر خرج للاحتجاج عا الثمن ديال الشعب ونجحات التورة نتاعوا, والاحزاب الرافضة للدستورفي المغرب تتدفع بالشبيبة نتاعها بمقدار,راه عا ضاما وسير الضيم اااالكانبو,و20 فبراير غادي يكون الطرح ديالها بثلاثة وضاما ضد المخزن, كيفاش,ايلا بغايتي الجواب راه يجاوبك فن السياسة وعلم السياسة ويزيدك علم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم التاريخ وفلسفة التاريخ والانتربولوجيا,وتفهم حتى تعياخاصك دير في خريطة لفهامة ديالك بلي راه كايكول ليك علم الاجتماع الديني راه الدقاقة دياول المغرب حتى هوما غادي يمشيو لزبالة ديال التاريخ . من الطيارةعنوان الميقيل ديالك كنتي تعنونو ب ,,,الاخدود وساع بين المؤسسةالملكية والشعب,,,.وااااشرشبيل راه السنافر غادي يكولو ليك سنفر بعيدا,وسير حتى تجي,راه الزولو انكاتا في جنوب افرقيا واعرين عليك,صاغو الدستورفي عامين ولهيه عاد كادوه وفعلا خرج من ادغال افريقيا اول دستور ديمقراطي شعبي وتشاركي وكان دستور يواكب التقدم والحداتة ديال اروبا سوا في المنهجية اولا المضمون اما دستورك راه تايرجع لعهد الدولة الدينية والملك البابوي والملك المطلق,يحل البرلمان ورئيس المجلس العلمي الاعلى و و و و,,,الخ.ااشتي كيفاش غطيتي الغربال بالشمس,دبانتك خضارت انت وشي وحدين.

  • عمر مسكيني
    الإثنين 20 يونيو 2011 - 12:43

    نعم نعم نعم …للدستور المغربي ، مادام لنا ملك يحب شعبه وشعبه يحبه إننا مع ملكنا مجندين دام له النصر المبين والصحة الجيدة ، بوجوده سوف نعيش في أمل وازدهار ، والله يهدي الشعب المغرب أن يفهم معنا الدستور الجديد وإصلاحته بالنسبة لمغربنا الحبيب حتى نعيش في هدوء بعيدا كل البعد عن مشاكل الدول الأخرى ، أيها المغاربة اتحدوفيما بينناواضعين في قلوبنا كلمة الله الوطن الملك عاش ملكنا محمد السادس نصره الله .

صوت وصورة
شرف تطلق "العرس في دارنا"
السبت 12 يونيو 2021 - 12:41 2

شرف تطلق "العرس في دارنا"

صوت وصورة
قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا
السبت 12 يونيو 2021 - 04:49 7

قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا

صوت وصورة
ضحايا الاعتداءات الجنسية
الجمعة 11 يونيو 2021 - 23:50 5

ضحايا الاعتداءات الجنسية

صوت وصورة
أولويات البيئة بمعامل لافارج
الجمعة 11 يونيو 2021 - 21:42 10

أولويات البيئة بمعامل لافارج

صوت وصورة
بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي
الجمعة 11 يونيو 2021 - 19:42 24

بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي

صوت وصورة
وزيرة الخارجية الليبية في المغرب
الجمعة 11 يونيو 2021 - 17:46 9

وزيرة الخارجية الليبية في المغرب