الهجرة واللجوء والإسلاموفوبيا .. حطب الانتخابات بأوروبا وأمريكا

الهجرة واللجوء والإسلاموفوبيا .. حطب الانتخابات بأوروبا وأمريكا
الأحد 28 غشت 2016 - 07:26

تعيش أكثر من منطقة في العالم مخاضا فريدا وتحولات متسارعة يطبعها تسارع الأحداث الدولية وتشابك الفاعل السياسي بالمؤشر الاقتصادي والمؤثرات الاجتماعية وتفاوت درجات القوة والتأثير بين هذه المكونات، إضافة إلى كثرة تسخير كل طرف للأذرع الإعلامية والمنظمات التابعة له للخوض في كل شيء وشن حرب مفتوحة على الطرف المقابل باستعمال جميع الأساليب حتى الدنيئة منها؛ وهو ما يجعل الفاعل السياسي، خصوصا المرشحين للانتخابات، يتفنن في وسائل “التنكيل الانتخابي” لتحقيق غاية الفوز بعدد أكبر من الأصوات حتى وإن كان ذلك على حساب التوجه الإيديولوجي أو البرنامج السياسي الذي بني عليه الإطار الحزبي.

إن العرض السياسي الذي أصبحنا نلحظه في العديد من الدول الأوروبية، التي يفترض على أنها نماذج عريقة في الديمقراطية والعمل السياسي، لم يعد مبنيا على توجه إيديولوجي يرسم خارطة طريق الأحزاب ويحدد حلفاءها وخصومها ويقدم برنامجا مجتمعيا متماسكا وفريدا؛ بل أصبح مسودة قابلة للمراجعة والتعديل في أي وقت تحت تأثير المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياق السياسي، وهو ما تكون له في الغالب نتائج سلبية أكثر مما يمكن جنيه من مصالح.

على سبيل المثال، الوزير الأول البريطاني دافيد كامرون انتهى سياسيا واختفى من الـساحة بسـرعة البرق، بعد فوز استفتاء خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي؛ وهو الاستفتاء الذي لم يكن في حسبان كامرون أنه سيخرجه من النافذة وينهي مساره السياسي، نظرا لضعف إنجازات حكومته ومحاولتها تصدير أزمات بريطانيا الاقتصادية والاجتماعية وتهديد موقعها ضمن الدول العظمى.

من جهة أخرى، فإن الوضع في إسبانيا لا يختلف كثيرا؛ فقد جرى حل البرلمان وإعادة الانتخابات مرتين. ومع ذلك لم تسفر هاتان المرتان عن أغلبية مطلقة لهذا التيار أو ذاك، وتم فقط تشتيت انتباه الناخب الإسباني نحو قضايا خارجة عن حياته اليومية؛ بل حتى الحركات الاحتجاجية مثل بوديموس لم تحقق ذلك الاكتساح المرتقب في انتخابات يونيو 2016، نظرا لغياب العرض السياسي الناجح في برامج الأحزاب الإسبانية، وحلولا واقعية تخرج البلاد من تداعيات الأزمة الاقتصادية وهو سبب كافي لشلل الحياة التشريعية والتنفيذية في البلاد.

في هذا السياق، يبدو أن سنة 2017 ستعرف “القيامة الانتخابية “، في العديد من مناطق العالم؛ كلندن ومدريد وباريس وواشنطن وغيرها. وبما أننا نُدرك أن اللعبة السياسية بقواعدها غير الثابتة تعتمد على عـنصر “المصلحة” فقط، فإننا نتوقع أن تعرف ملفات الهجرة واللجوء والإسلاموفوبيا حطبا سيشعل لهيب الحملات الانتخابية في جل هذه الدول وشماعة تعلق عليها جميع المشاكل الاجتماعية التي تمر بها بعض الدول الأوروبية وكذا الولايات المتحدة.

فالمرشح الجمهوري للرئاسيات الأمريكية دونالد ترامب لا يعتمد في حملته الانتخابية على برنامج يحمل عرضا سياسيا يقنع به الناخب الأمريكي، ويقدم له حلولا تعده بغد أفضل، وبتعايش داخلي بين السود والبيض وبتماسك مجتمعي وسياسية خارجية مبنية على نشر السلم والديمقراطية عبر العالم؛ بل اختار التهجم على المهاجرين وعلى الرؤوس أشهد ببناء جدار على طول الحدود المكسيكية لوقف الهجرة وطرد جميع المسلمين.

أما في فرنسا، فقد وفرت تداعيات الأزمة الاقتصادية ومخلفات ولاية ساركوزي، خصوصا في السياسات الاجتماعية إضافة إلى الاكتواء بنار الإرهاب، تربة خصبة لفرنسوا هولاند الذي تصفه التحليلات بأنه واحد من أسوء رؤساء فرنسا. ومن ثم، رجحت كفة اليمين المتطرف، وجعلت خطاباته المبنية منذ البداية على العنصرية ورفض الأجانب وتخويف الفرنسيين من المكون المسلم تتفوق على جميع التوجهات السياسية في بلد المبادئ الثلاثة.

بدورها، لم تجد حكومة مانويل فالس الحلول الواقعية لكل المشاكل المرتبطة بالحياة اليومية للفرنسيين، فاختارت أن تشغلهم بأمور غير ذات أهمية؛ فالنقاش الدائر حول البوركيني مثلا يدخل في جزء كبير منه ضمن حملات التمويه وتشتيت انتباه الرأي العام، للفرار من تقديم إجابات صريحـة عن الاحتجاجات ضد “قانون الشغل”، وعن ارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى درجة 10،3% أي ضعف معدلات إنجلترا وألمانيا، إضافة إلى إطالة مدة الطوارئ في بلد ديمقراطي وبلد الحرية والمساواة والأخوة.

لقد كان على مانويل فالس التفكير في إجابات مقنعة بخصوص سياسة المدينة واندماج الأجانب في المجتمع الفرنسي والغنى الذي يتيحه التعدد، بدل مسايرة ضغوطات اليمين المتطرف والهروب إلى الأمام وإشعال المزيد من أسباب الكراهية والحقـد بين الفرنسيين مــن ديانات مختلفة؛ فالنساء بـ”البوركيني” على الشاطئ هُن النساء أنفسهن بالحجاب أو الجلابة المغربية في الشارع وفي المتاجر الكبرى والمطارات والإدارات الفرنسية. وأين هو الضرر في اختيار المرأة بكل حرية لباسها، سواء في الشاطئ أو في الشارع؛ بما أن الأمر لا يشكل أية مخالفة للقوانين ولا يهدد حرية الآخرين أو سلامة المواطنين؟

إن ما يهم الناخب الـفرنسي، بالدرجة الأولى، ليس هو لباس البحر؛ وإنما هو محاربة البطالة وتخفيض الأعباء الضريبية، سواء على الأفراد أو المقاولات. وما يهم الشباب الفرنسي، بالدرجة الأولى، هو توفير فرص الشغل والبحث العلمي. وما يهم النشطاء الحقوقيين هو الدفاع عن مبادئ الجمهورية والدولة العلمانية التي تضمن حقوق الأقليات في ممارسـة شعائرهم الدينة وحرية المعتقد واحترام الخصوصيات الثقافية.

لقد جعل غياب عرض سياسي مقبول الاشتراكيين في فرنسا يقبلون بالهزيمة حتى قبل بداية الرئاسيات المرتقبة سنة 2017؛ ولن يكون أمام الناخب الـفرنسي سوى خطاب اليمين المتطرف أو حزب “الجمهوريين”، الذي دشن رئيسه نيكولا ساركوزي حملته بإصدار كتاب “الكل من أجل فرنسا” والذي تضمن أفكارا لمشروعه السياسي غير المبتعد كثيرا عن كلاسيكيات اليمين المتطرف، أي محاربة الهجرة والتضييق على المهاجريـن ومحاولة ضبط وتنظيم الإسلام بفرنسا وتعليق التجمع العائلي. كما بشر بخطة “شينغن” ثانية وحصر هذا الفضاء فقط على حاملي الجنسية، من دون إغفال التعديلات التي تخص قانون الجنسية الفرنسية، مرورا باستعادة التنافسية وتقوية مؤسسات الدولة.

خلاصة القول، فإن القاسم المشترك بين كل هذه التمارين الديمقراطية، سواء في بريطانيا أو الولايات المتحدة أو فرنسا وإسبانيا، هو الفقر في العرض السياسي لبرامجهم الانتخابية؛ وهو ما يسهم سلبا في فقدان الثقة في الفاعل السياسي والعزوف عن سياسة ليسـت بطعم العيش المشترك، بل سياسة قائمة على تـصدير المشاكل الداخلية خارج الحدود، أو تعليقها على الأجانب خصوصا المهاجرين والمسلمين داخل الحدود.

*الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • ولد حميدو
    الأحد 28 غشت 2016 - 08:01

    الاختلاف الوحيد عندهم هو البوركيني فرغم ان دولا ادعت بانها لا تمنعه و لكن داخليا فانه يزعجها فلو كانت تفكر فالبوركيني يتعايش مع المايوه جنبا الى جنب فهدا يعني التسامح

  • الفراش
    الأحد 28 غشت 2016 - 08:02

    هذه الدول العظمى امبريالية .
    زرعت الفتن بين الشعوب وهي الآن تحصد على أراضيها ما زرعته في الدول الأخرى.

  • Sais de tournai
    الأحد 28 غشت 2016 - 10:09

    En plus de ça, les musulmans en Europe commencent à menacer la stabilité dans le monde et les intérêts de beaucoup de pays car d'après les statistiques île seront 50% de la population en France, si vous croyez qu'ils vont se laisser faire vous vous trompez.tout ce que vous voyez maintenant ça fait partie du nottoyage de l'Europe que dans un avenir proche vont devenir une menace réelle pour les intérêts des uns et la sécurité d'autre, vous savez très bien de qui je parle.

  • الحسن المغربي
    الأحد 28 غشت 2016 - 10:12

    يجب تسمية الأمور بمسمياتها وما يسمى بالإسلاموفوبيا فهو في الحقيقة الإخوانوفيبيا فالإخوان المتأسلمون سيسوا الدين الإسلامي و ركبوا عليه لإقامة خلافتهم المزعومة فهم يعتبرون أنفسهم هم الأحق بقيادة العالم و هم يكفرون المسلمين و يقتلونهم و يسمونهم بالمرتدين فكيف بغيرهم؟

  • Mojab makka ou nas
    الأحد 28 غشت 2016 - 11:35

    معقول ان شعوب الدول المتقدمتة، والتي تتباهر بتقفتها ذات المستوی الرفیع، ان تصبح بین عشیة وضحاهی كباقي الشعوب المتخلفة ؟
    انا لا اشاطرك الرای یا استاذ. الناخب الغربي یعتمد علی برنامج و علی مستوی الناخب في سایر المجالات ویحلل ویناقش قبل ان یدلي بصوته. هو لا یهمه التحریض عن البوركیني او الحجاب او الارهاب لانه اصلا هو یكره هاته الشیا، انما همه الوحید هو رقی بلده فی شتی الامور.
    فمذا عن الانتخابا بالمغرب الحبیب هل سنرتقي الی المصداقیة والشفافیة واللی عندو شي زرقا شایطة علیه ایتصدق بها علی فلسطین ویحترم صنادق الاقتراع بدون ان یلجا الی التزویر والغش ام ستبقی حلومة علی عادتها القدیمة ؟

  • نادر
    الأحد 28 غشت 2016 - 11:54

    الغرب بصفة عامة في انحدار.ولقد بدأ العد العكسي نحو فقدان السيطرة الغربية على العالم وثرواته.نلاحظ بداية صعود آسيا وخصوصا الصين والنهضة الروسية والسياسة الاستقلالية في أمريكا الجنوبية…فعندما كان الغرب قويا ومنتصرا كان يدعو شعوب العالم للانفتاح لأنه يعلم أن ثقافته وأفكاره غالبة. أما الآن أصبح الغرب منغلق ويرفض الإختلاف ويرفض الآخر، وهذا دليل على بداية إحساسه بالضعف ويخاف على ثقافته من الأفول والذوبان.
    فساد الأبناك والشركات الكبرى وتبعية رجال السياسة لرجال المال خربت الدول الغربية من الداخل. فلم يعد بيد السياسيين حيلة ولا قدرة على الإصلاح، سوى التخويف من الآخر والتفرقة ونشر الفتن والكذب لكسب الأصوات والوصول للمناصب والاستفادة من الامتيازات.

  • مصطفى@
    الأحد 28 غشت 2016 - 12:59

    مقال جيد جدا تحياتي للكاتب ……

  • الدزيري
    الأحد 28 غشت 2016 - 13:42

    الهجرة واللجوء والإسلاموفوبيا علامة واحدة الامة العربية و الاسلامية المشكل عربي إسلامي هم المهاجرين وهم اللاجئين وهم المحتاجين … اين الجمعة العربية ? و اين المسلمين ؟ و اين حكام العرب و علماء الاسلام واين واين … ؟ مشغولين بالبوركيني مستواهم نزل إلى البوركيني خارجوا عن التغطية و لهذا اروبا و امريكا هم المسيرون وهم من يحلون و يقررون العرب و المسلمين في أيديهم

  • مغربي
    الأحد 28 غشت 2016 - 13:50

    الذي في طريق الانحدار ياسي نادر6 لا هو الغرب ولاشيئ الذي في طريق الانحدار هو نحن ياسي نادر الخريطة تريك والطامة الكبرى اننا مازلنا نسبح في تلاطم امواج الايديولوجيا وهي التي جعلتنا نعتقد ان الغرب في انحدار ما يحز في النفس هو ان حتى دول افريقيا الجنوب بداءتخلال العقود الاخيرة تتقدم على جميع الاصعدة بوثيرة سريعة بينما نحن مازلنا نعيش في تدبدب الى الجمود

  • معلقh
    الأحد 28 غشت 2016 - 14:00

    الدرس الاساسي الذي يتوجب استخلاصه من هذه الحملة التهجمية على الاسلام والمهاجرين ان الكل يترا منا لا لاننا نخالفه في عقائده ولكن لاننا نزاحمه في عيشه وموارده .ان الغرب اصبح يتبرا منا ويحملنا مسؤولية ما يتخبط فيه من مشاكل اقتصادية واجتماعية.الجانب الديني لا يشكل عليه اي خطر بدليل ان الغالبية العظمى من مهاجرينا مسالمون وبسطاء لا يشكلون عليه اي تهديد.ان الغرب يقول لنا اعتمدوا على نفوسكم وامسكوا ابناءكم وابحثوا عن الحلول لمشاكلكم المادية بدلا من اغراقنا بالمشاكل.فلنكن واقعيين ونعترف بالحقيقة.ابنوا اوطانكم واتركوا الغرب يرتاح فانتم لستم اقل انسانية منه ان كانت لكم كرامة.

  • فواز
    الأحد 28 غشت 2016 - 15:14

    أغلب المشاكل الإجتماعية الحالية في أوروبا و أمريكا (العالم الغربي عموما) سببها المسلمين و السود (الإرهاب الإسلامي في أوروبا و الإجرام الزنجي في أمريكا)، ما علينا سوى متابعة الأخبار العالمية اليومية لاستخلاص هذه النتيجة.

  • Kamal
    الأحد 28 غشت 2016 - 16:20

    المشكل ليس في الاسلام لاكن في المسلمين انفسهم لان مستوانا التقافي و العلمي و الحضاري لازال لا يرقى الى مستوى الدول الغربية. عندنا تخلف كبير في العالم الاسلامي و داعش ماهي الا نتيجة لهدا الإنحطاط الدي يشهده المسلمون. نعم اصبحنا فريسة سياسية في الدول الغربية و انا لا الومهم على هدا لان المجتمعات الغربية اكتر تسامحا و انسانية بالمقارنة مع مجتمعاتنا. هناك مساجد لاتحصى و لاتعد في فرنسا. كم عدد الكنائس الموجودة في المغرب للجاليات الاجنبية الغير المسلمة؟

  • ملحد مغربي
    الأحد 28 غشت 2016 - 19:10

    قوانين الدول الإسلامية لا تعترف بالملحدين و المسيحيين من الخلفيات الإسلامية فلماذا يتباكى المسلمون و يلعبون دور الضحية لما تتم محاربة تلك الإيديولوجية الوحشية التي تتحكم في عقولهم؟

  • القاعدوفوبيا و الداعشوفوبيا
    الأحد 28 غشت 2016 - 19:28

    الهجرة واللجوء والإسلاموفوبيا .. حطب الانتخابات بأوروبا وأمريكا

    وزيد عليهم القاعدوفوبيا و الداعشوفوبيا حطب الانتخابات وحطب جهنم

صوت وصورة
منتدى الأعمال الإماراتي المغربي
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 14:12 1

منتدى الأعمال الإماراتي المغربي

صوت وصورة
لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 13:22

لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر

صوت وصورة
الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 12:30 12

الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 12

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00 1

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي