انفصاميات

انفصاميات
الأحد 12 ماي 2024 - 23:55

هي تجليات ترافقنا كالظل، وتسري فينا مسرى الدم في العروق؛ فمن منا لا يصطدم، أكاد أقول يوميا، بمشاهد النفاق الاجتماعي في الشارع، في المدارس، في الإدارات، في الجامعات والمستشفيات؛ في كل مرافق الحياة، مشاهد تعكس ما يعتمل في دواخل الإنسان المقهور عموما. هذا الأخير حينما يخرج من منزله يترك وراءه قناعه الخاص بالزوجة والأولاد ويرتدي قناعا خاصا سيتعامل به مع الكائنات البشرية التي يلتقيها، وهو في الشارع العام، وما إن يصل إلى مقر عمله يتخلص من قناع الشارع ليضع قناعا خاصا بالمدير وزملاء العمل، هذه الأقنعة يستعملها هذا الكائن المقهور ذهابا وإيابا وبترتيب معاكس، يتساوى في هذا الانفصام الخطير المثقف والمتعلم وغير المتعلم، المتدين وغير المتدين، أما السياسي فأقنعته تعد ولا تحصى، أقنعة تقتضيها حربائيته الملازمة له ما دام يمارس اللعبة السياسية، انفصاميات تحضر بقوة يفرضها ويؤكدها سلوك معين يصدر عن شخص متعلم وله نصيب ما من الثقافة والمعرفة.

مرة وأنا أنتظر دوري لأداء فاتورة الإنترنت، فاجأني صديقي، لانشغالاته الكثيرة، واقترح علي أخذ دوره في الترتيب، وهو دور سيوفر علي انتظار مرور تسعة أشخاص قبلي لأداء فواتيرهم، شعرت بحرج ومع ذلك أخذت منه ورقة صغيرة تحمل رقم دوره في الصف وشكرته، وما إن خرج حتى وجدتني أضع الورقة في جيبي مفضلا طبعا احترام الصف الطويل وانتظار دوري. وبعد برهة دخل صديق آخر، صافحني وجلس بجانبي، وحتى أبين له موقفي من احترام الصف في الإدارات وما يخلف ذلك من نظام وتكافؤ الفرص، ويعكس مدى تحضر المواطن الحقيقي، أخبرته أنني أتوفر على ورقة تركها صديقي الذي غادر لظروف معينة، ولكن لن أستغلها في السطو على حقوق الآخر، فابتسم وقال لي: يا سيدي أنا مستعد لهذا السطو، وسأكون لك من الشاكرين إن منحتني ورقة صديقك هذا، قال هذا الكلام دون أدنى شعور بالحرج، بل واصل حديثة، وبأدب جم قائلا: إذا لم يكن عندك مانع بالطبع. ابتسمت وقلت له: يا أخي هل تمزح وما قولك في هؤلاء المنتظرين قبلك وقبلي؟ هل يسعفك ضميرك في هذا السطو العلني والتعسفي، قلت ذلك وأنا أبتسم في وجه هذا الصديق المتعلم الجمعوي والحقوقي والمفوه والمتحدث المعروف في مدينتنا الصغيرة، فرد علي بدون أن يرف له جفن وقال: لا تخف أنا أملك ضميرا متحورا يتكيف حسب المكان وحسب الزمان وحسب الهدف أيضا.

ناولته الورقة، وأنا أحسب أنني من ساعده على الاستمرار في تشبثه بهذه القناعات الزائفة الملأى بالنفاق والوصولية والأنا المتضخمة، ورأيت الرجل يذهب إلى مكانه الجديد في الصف وكله زهو وسعادة، وحينما وصل دوره أدى ما عليه للموظف، والغريب أن لا أحد ممن كانوا يسبقونه في الصف احتج أو على الأقل تذمر من هذا السلوك الأرعن المتخلف.

عشت موقفا آخر لا يقل تخلفا وبؤسا عن الموقف سالف الذكر، فقد كنت ذات يوم مسافرا من مدينتي إلى مدينة أخرى حيث يوجد مقر عملي، وكان بجانبي يجلس رجل يعمل في سلك القضاء، متأبطا ملفات لا شك أنها تتعلق بقضايا المواطنين، وقع شنآن بيني وبينه في بداية الرحلة سببه رفضي البات أن يأخذ مكاني بحكم أنه شخصية بارزة تشتغل بسلك القضاء ويجب أن يخير ويجلس في المكان الذي يناسبه كشخص محترم جدا، على حد تعبير “الكورتي”. وفي مدخل المدينة المستقبلة طبعا، كان ينتظر الرجل شخص آخر وقد ركن سيارته بالجانب المقابل، فلما لمحه طلب من السائق التوقف فورا، فرد السائق والاضطراب والخوف باديان عليه: ممنوع علي الوقوف هنا أستاذي.

فأجابه الرجل: لا عليك توقف ولن يحدث شيء، فنفذ السائق الأمر مبتسما وهو ينظر إلي تارة وإلى رجل الأمن تارة أخرى ولسانه حاله يقول: ألم أقل لك إنه رجل مهم، ها أنا أخرق القانون بتعليمات من هذا الأستاذ المحترم جدا، الذي يبدو أن رجل الأمن يعرفه ويعرف وظيفته.

وضاعت بين هذين المشهدين الانفصاميين قيم وحقوق لا تفتأ هذه الطبقة تطبل وتزمر لها في خطاباتها التي تملأ الجرائد الورقية والإلكترونية وتملأ أيضا الشاشات التلفزية والإذاعات الوطنية والخاصة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 2

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''