شهدت مناطق واسعة من شمال المملكة وغربها خلال الأسابيع الأخيرة فيضانات قوية غير مسبوقة، أجبرت مئات الأسر على مغادرة منازلها بعد أن غمرت المياه الأحياء السكنية والحقول الزراعية، وقطعت عددا من الطرق والمسالك الحيوية.
مشاهد الإجلاء، والخيام المنصوبة على عجل، ومؤسسات عمومية تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة، أعادت إلى الواجهة سؤال الجاهزية ومدى قدرة البنيات التحتية على استيعاب التحولات المناخية المتسارعة.
تساقطات استثنائية
لفهم ما جرى، كان لا بد من العودة إلى معطيات وزارة التجهيز والماء، التي تحدثت عن تساقطات مطرية استثنائية أدت إلى ارتفاع ملحوظ في منسوب السدود والوديان، وإلى تشبع التربة بالمياه. وبحسب الأرقام الرسمية، فقد بلغت نسبة ملء السدود أكثر من 60 في المائة، بعدما لم تكن تتجاوز 28 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وأوضح رشيد مداح، مدير التجهيزات المائية بالوزارة، أن المغرب عرف خلال الأشهر الأخيرة وضعية هيدرولوجية استثنائية، حيث بلغ معدل التساقطات نحو 150 ملم، وهو ما يمثل فائضا بنسبة 140 في المائة مقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية، و45 في المائة مقارنة مع سنة عادية.
وأكد مداح، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه التساقطات نتجت عنها حمولات مائية كبيرة على مستوى السدود، ما أدى إلى امتلاء عدد منها بالكامل.
وأضاف أن السلطات المختصة، وبناء على توقعات الأرصاد الجوية، اعتمدت سياسة استباقية تمثلت في إفراغ جزئي لبعض السدود من أجل توفير قدرة استيعابية إضافية، تسمح بتنظيم الحمولات المرتقبة والتحكم في صبيب المياه المفرغة، تفاديا لحدوث فيضانات مفاجئة في المناطق الواقعة أسفل السدود.
غير أن الطابع الاستثنائي للتساقطات لم يمنع من طرح تساؤلات أخرى حول عوامل بشرية ساهمت في تفاقم الأضرار، من قبيل التوسع العمراني قرب مجاري الوديان، وضعف صيانة بعض المنشآت المائية، وتأخر تنزيل مشاريع وقائية كبرى تهدف إلى حماية المدن السهلية من مخاطر الفيضانات.

ذكريات فيضانات سابقة
في مدينة القصر الكبير، استعاد عدد من السكان ذكريات فيضانات سابقة عرفتها المنطقة قبل بناء السدود الكبرى. ميلود الزبير، أحد سكان المدينة، تحدث عن لحظات إجلائهم إلى مدينة مرتيل حيث قضوا نحو اثني عشر يوما قبل العودة إلى منازلهم. وأكد أن الخوف من الفيضانات يظل هاجسا دائما لدى الأسر، خاصة تلك التي تضم أطفالا ومسنين.
وفي جماعة احصين بإقليم سيدي سليمان، استحضر شرف منير فيضانات سنة 2010، مشيرا إلى أن ما عرفته المنطقة هذه السنة كان أشد وطأة، رغم تدخل السلطات ومواكبتها للأوضاع الميدانية. وأجمع عدد من المواطنين على أن قوة التساقطات هذه المرة فاقت ما عاشوه في تجارب سابقة.
وللمرة الأولى، تم الإعلان رسميا عن جماعات وأقاليم في العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مناطق منكوبة، وهو توصيف يحمل أبعادا قانونية وإدارية، ويعكس حجم الخسائر واستمرار الأزمة لأيام، حيث انقطعت طرق، وعزلت دواوير، وتشتتت عائلات وسط ارتفاع منسوب المياه.

خلال الأيام الأولى للأزمة، جرى إجلاء السكان المعرضين للخطر نحو مراكز إيواء مؤقتة. وأكدت كريمة الهواري، ممثلة مندوبية التعاون الوطني، أنه تم فتح مؤسسات تعليمية بالقصر الكبير لاستقبال المتضررين، في خطوة استباقية لتفادي الخسائر في الأرواح والممتلكات.
وفي منطقة الغرب ذات الطابع الفلاحي، لم تقتصر الخسائر على السكن، بل طالت مساحات واسعة من الأراضي المزروعة. ووفق معطيات المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للغرب، تضرر ما بين 20 و25 في المائة من الأراضي الفلاحية المزروعة، ما ينذر بانعكاسات اقتصادية على الفلاحين الصغار وسلاسل الإنتاج المحلية.
عودة مثقلة
مع انحسار المياه وعودة الهدوء، بدأت الأسر تعود تدريجيا إلى منازلها. غير أن العودة لم تكن سهلة؛ فقد خلفت الفيضانات أضرارا مادية جسيمة شملت أثاثا منزليا ومحلات تجارية صغيرة.
بوزيان عبد المجيد، من سكان القصر الكبير، وصف شعور العودة بالاطمئنان بعد تنظيف الأحياء وتهيئتها، مؤكدا أن رؤية البيوت قائمة أعادت شيئا من الاستقرار النفسي إلى السكان.

ولتدبير المرحلة اللاحقة، تم وضع برنامج دعم بميزانية تقديرية تصل إلى ثلاثة مليارات درهم. يشمل هذا البرنامج صرف مساعدات مالية مباشرة بقيمة 6000 درهم لكل أسرة متضررة، و15 ألف درهم لتأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة، و140 ألف درهم لإعادة بناء المنازل المنهارة بالكامل.
من جهته، شدد محمد السيمو، رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، على ضرورة تدبير مرحلة التعويضات بعقلانية وشفافية، حتى لا تتكرر حالات التأخر التي عرفتها أزمات سابقة، داعيا إلى اتخاذ تدابير وقائية تحول دون تكرار مشاهد مماثلة مستقبلا.
أما من الناحية العلمية، فقد اعتبر محمد سعيد قروق، أستاذ علم المناخ، أن المغرب بات يواجه نظاما مناخيا جديدا يتطلب مقاربات وأدوات تدبير مختلفة. وحذر من أن توالي سنوات رطبة، في ظل تشبع الفرشات المائية، قد يضاعف المخاطر إذا لم يتم اعتماد سياسة استباقية لتدبير حقينات السدود الكبرى وترك هامش استيعابي كافٍ لاستقبال التساقطات المحتملة.

لم تكن هذه الفيضانات مجرد حدث عابر، بل شكلت لحظة اختبار حقيقية لقدرة الإنسان على التكيف مع تحولات المناخ، ولنجاعة التخطيط العمراني والمائي في مواجهة الظواهر القصوى.
وبينما استعادت المدن والقرى شيئا من إيقاعها اليومي، ظل سؤال واحد يتردد في أذهان السكان: إذا تكررت الأمطار بالقوة نفسها في السنوات المقبلة، هل ستكون الاستعدادات هذه المرة في مستوى التحدي؟
أسر وبلاد تعداو عليها لغشاشة وشفارين لميزانيات……..
صراحة، المتضررون من الفيضانات يعانون الأمرين. وما يعيشونه بعد عودتهم لمنازلهم يشبه العودة إلى الخراب. بل هو فعلا عودة للخراب، فلا آتاث ولا منازل اصبحت صالحة للعيش، على الأقل في المدى المتوسط، وسيجترون مخلفات الفيضانات لشهور وربما لسنوات. رائحة كريهة سكنت الجدران، وممتلكات ضاعت مع المياه والأوحال. نتمنى أن يتجاوزا هذه المحنة في أقرب وقت ممكن، كما نسأل الله أن يفرج كربهم. وان ينظر بعينه التي لا تنام من حالهم، وحال أهل غزة. آمين يارب العالمين.