قـَتل المثقف الحشاش المغمور، الذي تحكمه شهوة السيطرة والتدمير، زوجتـَه في «روما» بطلقة نارية في رأسها، وادعى الجنون حتى لا يقبع وراء القضبان، وفر هاربا من «المدينة» عبر الأودية والأحراش مرورا بالهملايا وبحر قزوين وبلاد الأزتيك والبحار العالية، وحط رحاله آخر المطاف في «الريف» المبتغى، وجلس على صخرة بيضاء من طينة مغايرة يدخن العشب الفاسد قبالة البحر منخرطا في عالم التأملات بحالة من السخط واليأس؛ وفجأة صاح في حالة من الهلوسة: «إن أعظم الشعر يأتي من تعاطي المخدرات»، وصار يركد ويقفز من الفرح. توقف برهة وتنهد وجال ببصره في ما حوله وابتلع ريقه الناشف بدغدغة مشاعره؛ ولما هم بالانسحاب ردد كلمة: دادا، دادا. لكن الصخرة الهالكة والمتهالكة التي سرق منها الزمنُ والسيف حريتـَها شدت انتباهـَها فوضى هذا الكلام المائع والغريب واستشعرت الهلع والفزع ولم تترك لتلك اللحظة أن تمضي دون فهم مغزاها، فتداركته وصاحت: لِمَ أنت هنا؟ تنهد المثقف الحشاش وواصل، بعد أن نظر إلى الصخرة باستخفاف وتبسم باستهزاء وعبث بلسانه في شاربه: لا لشيء بل لقول كل شيء. فهمت الصخرة أن ما ردده المثقف الحشاش من كلمات كان «بيانا» في حد ذاته، وأدركت للتو أن هذا الكلام من صنف «شعيط ومعيط» لانعدام المعنى والمضمون وراء أسلوب الغموض والإلغاز في التعبير، وأدركت أن الرجل يعاني صراعا داخليا قد يتحول إلى خطر يلهب أجواءها عليها وعلى قلوب وعقول سكانها ويصبح مرجعية لأكثر من جيل، لكنها قبلت الواقع بهدوء لأن آلهة العصور الجديدة حولوها إلى دمية تخضع لإيقاع الأفراح والآلام المتناوبة.
وجلب المثقف الحشاش من وراء البحار لفيفا من صعاليك «الفن والأدب» واجتمع هؤلاء الصعاليك من شراذم الثقافة المحبطة بهدف رفض كل مظاهر الإبداع، مفسحين طريق التعفن لجيل الغضب، وراحوا يتسكعون في الشوارع وافتعلوا الضجة بعد أن أسقطوا شروط الحياة من حساباتهم، ناهيك عن الغطرسة الباغية والشعور بالتفوق الاستثنائي والترويج لثقافة الجنس والمجون والإباحية الفاقعة والتقليل من قيمة ذواتهم والسخرية من الآخرين. كانت تلك الفترة نقطة انطلاق زمن موجة التمرد و«الثورة الحشاشية»، التقى فيها هؤلاء الصعاليك عند نقطة الرفض واليأس والشعور بالعبثية والفرار السلبي من هذا العالم إلى عالم مبهم متخيل ليكون لسان حالها ضد كل قيم الأخلاق والأعراف. إنها «حركة» عدمية غالت في الشعور الفردي من أجل تخريب ذاتها وتحقيق أوهامها عبر جميع إرهاصاتها المقرفة التي لا تخدم أي غرض ما، وحملت «المشعل» لتشعل الحرائق في كل مكان، وكرهت أن تلبس ثوبا واحدا وأن تلبس ذلك الثوب أكثر من يوم واحد. كانت ضد كل حالة من جزء تكوينها وضد الفن وضد الضد ذاته وضد ميل المجتمع ومع كل ما يبعث على الصدمة. وتجافت الحركة عن العقلانيات والمنطق في سبيل كل ما هو حلم ولاوعي وهستيريا، لتجعل من «الثقافة» وقفا على المثقفين، ولكن أي مثقفين؟ إنهم المثقفون الذين يحاذون الألغام لبناء الإنسان «الجديد» عن طريق الهدم، هدم العناصر المؤسسة للبنى الاجتماعية واستبدالها بالقيم الوضعية. بعدها أطلقوا العنان للكتابة العبثية التي فقدت ثقتها في المسلك العقلي المنطقي وعوضوها بنظام اللامنطق الذي يحكمه قصر النظر والرؤية السطحية، فتقاطرت أقلامهم أحلاما وأوهاما لتقضي على كل تفكير عقلاني متماسك دون الالتزام بقواعد الأخلاق والأفعال بعدما تخلت عن الواقعية الموضوعية التي تقضي بالالتزام بالقيم.
ووقع بعض مثقفينا أسرى للإضلال الثقافي، فواظبوا على مهاجمة القيم والأخلاق وتدمير الفكر ومعاداة الفن والجمال والإبداع والدعاية لكل فن قبيح هابط بكل أساليبه للتخلص بالكامل من كل ما هو معروف من قيم، وحاولوا بوعيهم الشقي «إغناء» الحقل الفني، متنكرين بحرية البؤس الشريد غير الماسورة، لتكريس الاغتراب الثقافي وخلق جيل النكبات الذي يستعصي عليه إحباط محاولاتهم. وهيأت حركتهم الأجواء المواتية لإدامة الاغتراب الثقافي، ليس عن الأوطان فحسب بل عن الهوية الثقافية والعقل والتفكير، اغتراب يشعر معه المثقف المحلي بأنه ضحية لعصر الانتساب المستدام، في ظل الانشطار الحضاري وفي ظل فخ العولمة التي لا تتوقف عن التهام وإذابة الثقافات لإحلال ثقافة جديدة ومغايرة ومناقضة لكل الهويات المحلية والثقافية، وروجوا للتسمم الإيديولوجي، وحولوا الإبداع الذي تسبب في انحرافهم وضياعهم إلى بدعة، وكشفوا مدى الخلل في واقعنا، إذ ثمة فجوة شاسعة لا تزال تفصلنا عن التبني والانتماء وتحديات العصر. وقد سمعنا «نصائحهم» لعقود طويلة ولم تصل بنا إلى شاطئ الأماني والخيال ولم تضىء لنا درب التغيير ولا درب «الثورة الثقافية».. كانت حقبة «فكرية» طويلة في حياتنا الثقافية، فتكت بنا فتكا ذريعا وتسببت لنا في اجتثاث الروح والانسلاخ عن الذات على مستويات الوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والنفسي. وكان من مهمة «الحركة الكبرى» إرباك المعنى للمنطق المعتاد وكل ما يعوق «الحرية» ويحد من جموح فكرة الإبداع والتعبير لتفكيك البنية الفكرية المتوارثة في آلية المجتمع بتهميش أجياله لتهديد الهوية في صميم ثوابتها. عقول بأكملها حاولت إسكات حواسنا، وتقيأت علينا ذاكرتـُها فواحش الجنس والمخدرات والإلحاد والشذوذ والجنون وجرفت المقدسات إلى ما ليس من ورائه نفع، ووعدتنا بالارتفاع إلى العلو ولوعة الانكسار إلى ما هو ضده. ظلوا يدورون بلا هدف في قلب الليل، لا يدرون إلى أين ولا يدركون جنونهم، دون توقف عن الصراخ والقيء والهمس بالخرافات مستلقين على الرصيف.
وعملوا على تجذير أشكال جديدة من الوعي فصنعوا أُسسا جديدة للحداثة، مؤكدين على مبدأ الابتكار، الحتمية التي تقوم بدورها على مبدأ «اللحاق أو الانسحاق». وانطلقوا بخطوات اعتقدوا معها أنها ثابتة وبكل «ثقة» في زمن التفاعل الخلاق الذي يجمع بين مثالية قديمة وفلسفة عالمية جديدة ليمهدوا لجرافة العولمة لتعم العالم كله في عصر الانحطاط الشامل. بعدها انقلبوا على أنفسهم وتنكروا في لباس «ثقافة الأفق الفكري» متسللين إلى ثقافة «المحور»، ليتمردوا عليها ويوجهوا إليها الإهانات ويثيروا الضغائن والأحقاد، منخرطين في عبادة الفكر الأسطوري الذي شيدوه لأنفسهم ثم انطلقوا معه ليتحولوا إلى كهنة ورهبان في خدمة ديانة العبيد الجديدة، العارية من كل الأساليب الآدمية، لصالح «العقلانية الجامدة» التي اعتقدوا أنها تقود إلى حتمية التاريخ الحقيقي.
مقال رائع ومفيد أتمنى لك التوفيق ياأخي