بوصوف: مؤسسة "إمارة المؤمنين" درع واقٍ ضد أخطار الإرهاب

بوصوف: مؤسسة "إمارة المؤمنين" درع واقٍ ضد أخطار الإرهاب
الأحد 21 غشت 2016 - 20:28

مرة أخرى يختار صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى 63 لثورة الملك والشعب، لغة الوضوح ووضع اليد على مكامن الخلل بشكل مباشر، والاستمرار في نهج القراءة الجديدة والمتجددة التي حرص عليها في خطاباته الأخيرة، قوامها أن العالم يمر بمرحلة يعرف فيها النظام العالمي نوعا من الكمون نتيجة الاستنزاف الذي تعرفه قواه العسكرية والاقتصادية والمالية.

إن المتتبع لخطابات صاحب الجلالة في الآونة الأخيرة يظهر له جليا أنها أصبحت تركز بالدرجة الأولى على المحيط الإقليمي للمغرب في بعده المغاربي والمتوسطي والإفريقي والعربي، وهو ما تجلى في خطاب جلالته بمجلس التعاون الخليجي، وكرسه خطاب ثورة الملك والشعب لهذه السنة من خلال تخصيص جزء مهم منه للتذكير بتضحيات المغاربة ومحاربتهم جنبا إلى جنب مع الشعب الجزائري لمحاربة الاستعمار، وكذا التزام المغرب تجاه القارة الإفريقية، سواء من خلال الشراكة مع دولها أو من خلال استقبال مواطنيها على أرضه من دون أي تمييز أو تفضيل، ناهيك عن الالتفات إلى إفريقيا والاشتغال على استنهاض وعيها بإمكاناتها ودورها وضرورة الانتفاض ضد الوضع الذي حبسها فيه الاستعمار.

هذا التوجه الجديد، والثوري على المستوى الإقليمي، الذي شمل العلاقات البينية للمغرب وموقعه في محيطه الجيوستراتيجي، تبرزه الرسائل التي يبعثها صاحب الجلالة إلى الجارة الجزائر، بهدف النهوض باتحاد المغرب العربي لما فيه مصلحة الشعوب، ويزكيه قرار المغرب العودة إلى منظمة الوحدة الإفريقية، مما ينبئ بتغيير نوعي في التعامل مع الشركاء الأفارقة وفي طبيعة التعامل مع ملف الوحدة الوطنية. وقد صاحب هذا الزخم على الصعيد الإقليمي الحرص على تقوية الجبهة الداخلية، والدعوة الى تجاوز الخلافات الداخلية والرقي بالخطاب السياسي لتستجيب النخب السياسية إلى انشغالات المواطنين.

“كلنا مستهدفون”

على صعيد آخر، وبالنظر إلى مكانة الدين في المجتمعات الحديثة، والتحولات التي عرفها الخطاب الديني الإسلامي، بسبب بروز تفسيرات متشددة شوهت صورة الدين الإسلامي الحنيف، خصوصا في الغرب، وجعلت منه شماعة يعلق عليها الإرهابيون جرائمهم ويفسرون بها أعمالهم الفردية التي لا يمكن أن يتقبلها العقل وتتبرأ منها العقيدة، اختار صاحب الجلالة استراتيجية الهجوم والاشتباك مع خطاب التطرّف على أرض الإسلام وإفحامه بالدليل والحجة من داخل المنظومة الإسلامية بما لا يدع مجالا للتشكيك أو تحميل الدين ما هو بريء منه، وقد أعطت هذه الاستراتيجية ثمارها وأصبح بذلك النموذج المغربي المبني على الوسطية والاعتدال نموذجا يحتذى، وهو ما جعل دولا أوروبية وإفريقية تسعى إلى الاستفادة منه، سواء من خلال إرسال أئمتها للتكون في المغرب أو من خلال استقبال بعثات المرشدين الدينيين والمؤطرين المغاربة على ترابها.

ولعل حديث صاحب الجلالة في خطاب 20 غشت بصفته أميرا للمؤمنين، وصاحب شرعية دينية في إبداء رأي فقهي في القضايا الكبرى التي تعيشها الأمة، إعلان مواجهة مباشرة وصريحة لفكر التطرف والغلو والإرهاب، مثل ما سبق وأصدر فتوى بتكفير جميع مرتكبي الأعمال الإرهابية. وقد شدد أمير المؤمنين على أن الجهاد مشروط أولا بتوفر ضرورة الدفاع، وثانيا بجهة الاختصاص الداعية إليه؛ أي إمارة المؤمنين وليس أي فرد أو جماعة، لذلك فقتل الأبرياء جريمة وقتل راهب حماقة لا تغتفر لأنه إنسان قبل كل شيء، وهو ما يدحض أطروحة المتطرفين الذين يستعملون كل الوسائل لنشر ثقافة التطرف والتكفير والإرهاب، فيما يدعو الإسلام إلى الحياة والعيش المشترك واحترام الآخر.

إن خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب لهو بمثابة دعوة المؤسسات الإسلامية في العالم إلى الالتفاف حول مؤسسة إمارة المؤمنين، لأنها تمثل الدرع الواقي والقادر على مواجهة الأخطار التي تواجه الأمة. بالإضافة إلى ذلك، فقد وفر الخطاب سندا شرعيا كان العالم يفتقده لمحاربة الإرهاب بإخراجه من الدين وسحب الصبغة الشرعية عليه، لأن أي دعوة إلى الجهاد تصدر خارج المؤسسة الشرعية باطلة ومرفوضة. وكذا دق ناقوس الخطر والتحسيس بما يترصد الجميع جراء التطرف والغلو باستعمال عبارة ذات مدلول كبير “كلنا مستهدفون”. من هنا جاءت دعوة صاحب الجلالة مغاربة العالم من أجل التشبث بالدين الإسلامي الوسطي والحفاظ على السمعة الطيبة للمغرب وللمسلمين والدفاع عن السلم والعيش المشترك داخل مجتمعات الإقامة، ولهم في نموذج التعايش بين الحضارات في الأندلس واحدة من النقاط المنيرة في التاريخ الإسلامي.

المغرب في قلب إفريقيا

لقد ذكّر جلالة الملك بكفاح الشعوب المغاربية والإفريقية لانتزاع الاستقلال ومواجهة الاستعمار الذي كانت سياسته باعثة على عرقلة أسباب التنمية وزرع أسباب الفتن التي مازالت تداعياتها حاضرة، وكان سببا وراء مشاكل عميقة تنوعت بين التخلف والصراعات والإرهاب والتطرف. ولم يكن من الممكن تحقيق النصر والاستقلال من دون سلاح التضامن بين الشعوب والتنسيق بين حركات المقاومة تماما كما كان الشأن بالنسبة لاستقلال الجزائر والدعم الكبير ماديا ومعنويا من طرف المقاومة المغاربة لإكمال كفاح جبهة التحرير الجزائرية.

وما عودة المغرب إلى البيت الإفريقي سوى إكمال لالتزامه تجاه بلدان القارة والتزامه بامتداده الطبيعي في العمق الإفريقي، وبمشاعر صادقة، وروابط إنسانية مع شعوب إفريقيا. وكما عبر عن ذلك صاحب الجلالة، فإفريقيا بالنسبة للمغرب ليست سوقا أو مجالا للربح السريع، بل فضاءات للعيش المشترك، “فبالإضافة إلى الاهتمام بصناعة الأدوية والبنية التحتية، فقد تم التشجيع على حماية البيئة من خلال ترميم خليج ابيدجان مثلا”. وما احتضان المغرب لآلاف المواطنين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وفق مقاربة إنسانية تحترم حقوقهم، وتسوية وضعيتهم القانونية، وتوفير ظروف العيش الكريم لهم، وتعامل المغاربة معهم على أنهم ضيوف بالرغم من بعض الصعوبات البسيطة وغير المرتبطة بالعنصرية والتمييز، لهو تأكيد على التزام المغرب الدائم مع مواطني إفريقيا وحرصه على التضامن من أجل الإنسان أولا وقبل كل شيء.

وقد مكن هذا التدبير الإنساني لملف الهجرة من جعل المغرب يترأس، إلى جانب ألمانيا، المنتدى العالمي للهجرة والتنمية خلال السنتين المقبلتين، وهو اعتراف دولي بمكانة المغرب وأهمية مبادراته الإنسانية، في وقت يعرف فيه تدبير ملف الهجرة من بعض دول الحوض المتوسط بعض الإجراءات المنحرفة، والمخالفة لسهولة اندماج المهاجرين، وفرض شروط تعجيزية لتسوية أوضاعهم القانونية. وذلك راجع لتداخل عوامل عدة، على رأسها الأحداث الإرهابية التي تجعل ملف الهجرة يرتبط خطأ بالإرهاب الذي يجعلنا كلنا مستهدفين، ويشوه صورة الإسلام، ويضيق الخناق على المسلمين في الدول الغربية، ويجعلهم في مرمى هجمات اليمين المتطرف بعد أن يتحملوا معنويا جرائم مجرمين دخلاء على الدين.

وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن الخطابات الملكية وإن كانت تقدم خارطة طريق واضحة المعالم ورؤية عميقة للرهانات والتحديات التي تعيشها المملكة ومواطنيها، فإنه يتعين على جميع الفاعلين، أفرادا أو مجموعات، مؤسسات حكومية ومدنية، أن تكون في مستوى استيعاب هذه الرؤية والعمل على مسايرة انطلاق القاطرة الملكية، والاطلاع بدورها المحوري في ترجمة هذه الرؤية إلى مبادرات ومشاريع ملموسة تكون مفتاح خير على الفرد وعلى المجتمع.

* الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

22
  • المكناسي
    الأحد 21 غشت 2016 - 20:50

    انا متفق على طول ….امارة المؤمنين في المغرب….محمد السادس اميرنا وملكنا وقائدنا وحبيبنا ….

  • الحسن بن محمد بن ادريس
    الأحد 21 غشت 2016 - 20:50

    علاوة على بعده القاري والاقليمي جاء خطاب ثورة الملك والشعب 2016 ليعطي الفهم الصحيح لمعنى الجهاد ردا على الارهابيين داعيا اياهم للاستعمال العقل.
    وقد اسهب جلالته في اعطاء استشهادات من النص القراني بصفته اميرا للمؤمنين ايبين لهم ان الدين لا يقبل التأويلات الخاطءة والمجانية.
    الخطاب الديني برز بشكل واضح ليفند مغالطاتهم واكاديبهم.الحور العين.

  • AMINE
    الأحد 21 غشت 2016 - 20:52

    اذا اردتم محاربة الارهاب حاربوا الفساد و الفاسدين

  • الكاتب
    الأحد 21 غشت 2016 - 20:52

    النظام العالمي بيخير ومكيلزمنا فوالو… والكمون والاستنزاف هو اللي كتعاني منو جيوب المغاربة جراء السياسة الممارسة علينا…

  • الثريا
    الأحد 21 غشت 2016 - 20:53

    الله الوطن الملك الله ينصر سيدنا اخوتي الله يحفظ بلادنا العزيزة من الفتن

  • اخناتون
    الأحد 21 غشت 2016 - 21:02

    لقد نجح الاسلام في تدمير العرب وطمس اجزاء كبيرة من تاريخهم وتزييف ما تبقى منه ووصم العرب بالجهل والكفر والنفاق والكذب ووصف حياتهم بالجاهلية
    وتسمية "الأديان السماوية" هي تسمية اسلامية .. وهي تسمية مضللة لشرعنة الاسلام .. والصحيح تسمية "الأديان اليهودية"

  • جزائر ولد الاحرار
    الأحد 21 غشت 2016 - 21:07

    نطلب و نطالب الملك بزيارة الجزائر اهلا و مرحبا او تبادل الزيارات بين الوزراء.

    رجاءا لا للفتنة

  • غادايز
    الأحد 21 غشت 2016 - 21:25

    درع واقٍ ضد الإرهاب لا جدال، وضد عدم الاستقرار أيضا، لكن حبذا لو كانت كذلك درعا واقيا ضد الفساد والتجبر والتسلط والحكرة والشفرة والاستغلال البشع للدين والمبادئ وزيد وزيد

  • محمدt
    الأحد 21 غشت 2016 - 21:28

    اللهم احفظنا من الذئاب الملتحية،وانصر أمير المؤمنين الملك العزيز على شعبه محمد السادس آمين يارب العالمين.

  • med
    الأحد 21 غشت 2016 - 21:40

    Quel est le bilan du CCME pour la communauté marocains à l etrager. Pour le reste évoque dans l article ce sont des constant d ordre banal.

  • hind
    الأحد 21 غشت 2016 - 22:19

    الدرع الواقي اسي بوصوف هو الشعب المغربي المتسامح الصبور المتعاون مع الامن٠كفاكم نفاقا٠

  • الثريا
    الأحد 21 غشت 2016 - 22:43

    اعداء المغرب من جنسيات و مداهب مختلفة منشغلين في هده الصفحة بالضغط على زر المرفوض لزرع الفتنة بينن المغاربة الله ينصر المغرب و المغاربة

  • عبدالله
    الأحد 21 غشت 2016 - 22:45

    اللله يحفظك ويطولنا عمرك لشعبك الذي يحبك ولعائلتك الصغيرة والكبيرة.
    العدو الكبير لي موجود في المغرب لحد الساعة وهو الجماعات الاسلامية اصحاب اللحي واصحاب المسرح الله يكفيناهمهم.

  • amine
    الأحد 21 غشت 2016 - 23:06

    راه الإرهاب اللي كيعاني منو المغاربة هو الفساد ماشي هداك الإرهاب اللي صنعو الإعلام. اشنو درتوا لنا فقضية خدام الدولة؟ راه هدشي لي كيهم المغاربة. اما افريقيا و الارهاب و…..داكشي ما كيهمناش او مغدش انفعنا.

  • redoine
    الأحد 21 غشت 2016 - 23:32

    دائما اسمع الاسلام المغربي السمح الوسطي المعتدل …..هل هناك اسلام سنغالي واخر نيجيري….؟ماهذا الهراء؟

  • لوسيور
    الأحد 21 غشت 2016 - 23:56

    صاحب الجلالة هو المنارة التي يهتدي بها من يركب البحر ليلا وهو الدرع الواقي في الشدائد وهو ملاذ الفقراء والمستغيثين وهو نبراس يستنير به الناس في اليالي الحالكات.
    لك منا ألف تحية وسلام يا سليل الاطهار النجباء

  • مغربي حر
    الإثنين 22 غشت 2016 - 01:35

    الخطابات الخطابات الشعارات من زمان وحنا تانسمعو للبلا بلا و ماشفنا حتا تغيير في الواقع ولاكن الحقيقة المشكلة ماشي فيك اسي أمير المدمنين المشكل في العياشة لكن لك كلمتي الفساد و الظلم لن يدوم

  • الى المعلقة هند
    الإثنين 22 غشت 2016 - 01:41

    أشكرك (وأغلب القراء أيضا) على صراحتك التي تدحض مزاعم بعض من يقولون أن المصوتين بالسلب على تعليقاتهم جزائريون او بوليساريو أو ما شابه

    المغاربة بكرهون المنافقين والمتملقين ولهم الذكاء الكافي لكشفهم، فالمرجو لبعض المعلقين ألا يستحمروا الشعب المغربي

    وشكرا مسبقا للنشر

  • مواطن
    الإثنين 22 غشت 2016 - 08:01

    كل من يمارس خطاب الاقصاء للاخر لا يحب الا ان يقع وطننا فريسة للارهاب بحق.اذن كفانا نفاقا. لننتقد من اجل البناء. فليس كل من ينتقد لا يحب وطنه ومسؤولي وطنه وانما ننتقدهم من اجل بناء الوطن. ان من يجب ان يخاف منه هذا الوطن هم المنافقون وهم كثر. يمدحونك ويغرقونك بالمدح لضمان مصالحهم ولكن هم اول من سيتخلى عنك عند غرق سفينتك. لا لخطاب الاقصاء. كلنا مغاربة علمانيين كنا او اسلاميين او يهوديين.. ولكن لنحرص على وحدة وطننا باحترام بعضنا البعض حتى وان اختلفنا في المرجعيات. نعم للاختلاف البناء لا للاقصاء ثم لا والف لا للاقصاء.

  • الثريا
    الإثنين 22 غشت 2016 - 08:38

    مو ل ا لفز تيقفز خوتنا المغاربة حداري من تجار الفتن الله يجمعكم على كلمة رجل واحد حتى تمر هده الفترة بسلام

  • عبد الرحيم
    الإثنين 22 غشت 2016 - 10:15

    اي ارهاب اكتر من التفقير والتجويع والقمع والتجارة في الدين. فامير المؤمنين اذا جاع الشعب جاع معه واذا مرض شعبه خزن. فهذه هي إمارة المؤمنين الحقة.

  • موحا والباز
    الإثنين 22 غشت 2016 - 15:01

    اظن ان الارهاب الحقيقي الدي يعيشه الشعب المغربي هو ارهاب خدام الدولة الدين وزعوا ثروات البلاد فيما بينهم وخلاو الشعب كيمص الحامض.

صوت وصورة
منتدى الأعمال الإماراتي المغربي
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 14:12 1

منتدى الأعمال الإماراتي المغربي

صوت وصورة
لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 13:22

لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر

صوت وصورة
الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 12:30 12

الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 12

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00 1

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي