لم يستطع بعد جزء هام من النخبة المغربية، المثقفة منها و السياسية، التخلص من جملة بديهيات حكمت، ولمدة عقود من الزمن، وعيهم الفردي والجماعي، ولازمت إنتاجاتهم الثقافية ومواقفهم السياسية ومرجعياتهم الإيديولوجية على اختلاف تلاوينها، قومية/عروبية ، إسلامية/أصولية، اشتراكية/عروبية…، حتى صارت جزء من ادعاء هوياتي منقوص أعمى بصيرة النظر إلى الهوية المغربية الجامعة في تعددها وتنوعها وتثاقف مكوناتها عبر العصور.
لقد ظلت ثنائية التقليد والحداثة المعادلة المركزية التي شكلت أساس الوعي ذاك، وفرقت المثقفين والساسة إلى مجموعات وتيارات وولاءات، و جعلت من الانتاج الثقافي والسياسي يراوح مكانه بين طرفي المعادلة المذكورة، لكن ضمن أفق ضيق يحشر أغلب المقالات والاجتهادات والتحليلات في نطاق عربي إسلامي دون بدل مجهود عقلاني يسمح بتوسيع أفق النظر إلى حقائق ثقافية وأنتروبولوجية للحالة المغربية التي تختلف عن غيرها من بلاد العرب، في التاريخ و البنيات والسياقات والعقليات، وباختصار في الحضارة.
واضح أن الاصطفافات الكبرى في الفكر العربي بين دعاة التقليد ودعاة الحداثة، كانت تتوخى، من وراء ذلك، تقديم جواب على إشكالية التخلف في هذه الرقعة الشاسعة من بلاد العرب، خاصة في الفترات التي أعقبت » صدمة الحداثة« تزامنا مع الجراحة الاستعمارية. غير أن فشل أغلب مشاريع التنمية الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية، لما بعد الاستقلال، يضاف إليها سقوط الجدار وصولا إلى زمن الربيع، عجلا بإعادة النظر في بعض المقدمات النظرية والاختيارات السياسية والاقتصادية، وكذا أسسها الثقافية والفكرية، بل والحضارية.
لقد كان للانتشار الواسع لثقافة حقوق الإنسان والصعود القوي للحركات الاجتماعية مع توالي الأزمات في زمن عولمة الاقتصاد وتكنولوجيا المعلوميات والتواصل، كبير الأثر في إسقاط تقديسات فكرية، ودحض أزعومات، و القيام بمراجعات فكرية عميقة مست مختلف جوانب الحياة والنظرة إلى العالم والإنسان. و لم يكن انفجار المطلب الهوياتي بمنآى عن انشغالات هذا العالم الجديد، بل حضر بقوة كتعبير عن حاجة حضارية، و كمطلب حقوقي وهوياتي ضمن المطلب الديمقراطي العـام.
لقد شكل هذا الأفق الديمقراطي الجديد وعاء حاضنا لانبثاق وعي ثقافي وسياسي مغاير جعل من دمقرطة الهوية رهانا تحديثيا و تنمويا. ففي الحالة المغربية مثلا، يشكل مفهوم “الأصالة”، محددا للهوية الوطنية العامة، و عنصرا مهيكلا لما بات يعرف في الخطاب السياسي الجديد بالنموذج الديمقراطي المغربي.
إن الأصالة المغربية لا تتأسس على عملية انتقاء سياسي للتاريخ، ولا هي تتوخى التجنيد الإيديولوجي للتراث، ولكن تهدف إلى تحقيق نوع من التذكير والانصاف والاعتراف بحقيقة العمق المغربي وبالتنوع الحاصل في عناصر ومسارات تشكل الشخصية المغربية عبر العصور وأثرها على بنية العقل السياسي بشكل عام. فمجمل العناصر الثقافية واللغوية والدينية والسياسية المكونة للأصالة المغربية، ومن ثم للهوية الوطنية الجامعة، شكلت، دوما، ما يشبه حاجزا طبيعيا وحضاريا أمام مختلف أنواع الإسقاطات الإيديولوجية والاختراقات الثقافية و، في القلب منها، زحف الأصوليات الدينية المتخلفة.
فالعناصر القيمية المشكلة للأصالة المغربية من روح الانتماء إلى الجماعة والارتباط بالأرض والانفتاح على الآخر و التعايش الديني والتسامح و الكرامة و التضامن ، هي نفس القيم الإنسانية التي توحد الكائن البشري اليوم و تدور حولها دلالات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. فنحن، إذن، أمام تحدي تأصيل مساهمة الشعب المغربي في الحداثة الكونية وقيمها كأساس لدولة الحق والقانون. وليس في هذا الباب ما يؤشر على نوع من التنازع الحدي بين الأصالة والمعاصرة.
لعل من الأخطاء القاتلة لغالبية المثقفين والسياسيين المغاربة ممن تشبعوا بالفكر القومي/العروبي أم الاشتراكي/البعثي أم الإسلامي/الأصولي أم اليساري/ الماركسي، أم الليبرالي/المحافظ ، هو عدم الانتباه إلى القدرات التحديثية الكامنة في المجتمع المغربي التي تجعل من أصالتنا المتفردة رافعة حقيقية من أجل الإصلاح والتحديث وإنتاج نصيبنا من الحداثة، دونما الحاجة إلى إسقاط النماذج الجاهزة للتحديث والدمقرطة، ودونما التماهي التام مع إيديولوجيات ثبت مع الوقت والتجربة صعوبة توطينها في بنية المجتمع المغربي.
هو إذن رهان مرتبط بتأصيل الأصالة المغربية. ولعل نقطة البداية في هذا المسار، هو إنتاج رؤية شمولية لمعالجة قضايا الثقافة والهوية بكل ابعادها وامتداداتها التاريخية وعمقها الروحي وتعبيراتها الحديثة، واعتبار المجال الثقافي أولوية وطنية و رهانا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الرهان الاقتصادي والاجتماعي. وحسبي إنه مشروع مجتمعي ينهض به الديمقراطيون والحداثيون المغاربة من الملل والنحل كـــافة.
عبدالله البصيّص «طعم الذئب»
عبدالله البصيّص صاحب مشروع روائي لم تتضح معالمه بعد، ولحين تظهر الرواية الثالثة سيبقى الرهان كبيراً عليه.
* ملاحظة أخيرة؛ إن قيام الرقيب بمنع رواية «طعم الذئب» بحاجة إلى الكثير من التفسير، ومؤكد أنه مؤلم لعبدالله البصيّص ولنا جميعاً نحن الكتّاب والقراء.
طالب الرفاعي
لا يشذ المتتبع لشأن الهوية المغربية كما يبدو للوهلة الأولى عن حالة المشهد التي وصفها في نصه الطريف عبد الفتاح كليطو ، فالإنسان المغربي منذ استفاق على وقع مدافع نابليون مصاب بحالة من التوهان، بفعل الألغام الكثيرة المزروعة في طريقه والأزقة المفخخة،التي كتب حراسها على بوابتها الرئيسية “ممنوع الاقتراب أو محاولة التفكير”، بل إن كل محاولة لمساءلة هاته الهوية المقدسة تعرض صاحبها للمساءلة وربما التعذيب.
حراس الهوية متجهمون جدا وشداد. بعضهم يلبس لباس السلطة التي تحدد شرعية كل الخطابات وتراقبها باستمرار وتفرض الهوية الجاهزة المتوافقة مع استمراريتها في السلطة، والبعض الآخر صار يلبس اللباس الأفغاني و اﻹخواني الغريب هو نفسه عن خصوصية المنطقة عن كان لهاته المنطقة من خصوصية ثابتة ، والبعض الآخر متخف في في اﻹشتراكية و الماركسية اللينينية، أما هدفهم فاقتناص فرصة إهدار فكر ودم أصحاب الأفكار التحررية المنسجمة مع تعاليم بيئتنا وخصوصيتنا”