اقتراع 2026 .. صدمة المعنى

اقتراع 2026 .. صدمة المعنى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:14

الانتخابات في جوهرها ليست مجرد حساب عددي للأصوات، بل هي تعاقد رمزي يجدد فيه المجتمع اعترافه بالمشروعية السياسية. وحين أسفرت صناديق 23 شتنبر 2026 عن نتائجها، لم تنطق المقاعد بأوزان رابحيها بقدر ما نطق المشهد بأسره بـ “صدمة المعنى”؛ صدمة تفكك العلاقة بين الرقم والشرعية، وبين تمثيلية المؤسسة وضمير الشارع.

بداية، يبدو أن تراجع نسبة المشاركة إلى عتبة 38%، مقارنة بأكثر من 50% في 2021، إعلان صريح من “الأغلبية الصامتة” عن ممارسة نقد جذري، يمكن وصفه بـ «النقد بالانسحاب». فالقعود عن التصويت هنا ليس خمولا أو استسلاما لثقافة اللامبالاة (Je m’en foutisme)، بل هو موقف وجودي يرفض لعبة الاختيار حين يغدو هذا الاختيار بحد ذاته بلا معنى.

في فلسفة السياسة، عندما يعزف أكثر من ستة ناخبين من كل عشرة عن منح أصواتهم، فإن الديمقراطية تتحول من “حكم الشعب” إلى “تدبير إجرائي للأمر الواقع”؛ وتصبح المقاعد المعزولة تقنيا مجرد حاصل قسمة بين شبكات الولاء والكتل الناخبة الجاهزة، لا تعبيرا عن إرادة مجتمعية ناهضة. فالصندوق لم يقل كلمته عبر من وضعوا أوراقهم فيه، بل عبر الفراغ الهائل الذي تركه الغائبون.

إن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعدا، وخلفه التجمع الوطني للأحرار (66 مقعدا) والاستقلال (65 مقعدا)، يضعنا وجها لوجه أمام معضلة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي حول “الهيمنة”: كيف لحزب أن يربح عدديا بينما يظل عاريا في ميزان الثقة والمصداقية الشعبيتين؟

فالحزب المتصدر يجد نفسه اليوم في موقع التناقض الأكبر، الفائز بالصدارة هو في الوقت نفسه الكيان الأكثر هشاشة أمام اتهامات “شراء الذمم” واستعمال المال الانتخابي واستثمار شبكات الأعيان. في المنظور الفلسفي، حين يفرغ الفعل الانتخابي من شحنته الإيديولوجية وتدافعه الفكري، يتحول السوق السياسي إلى امتداد للسوق المالي، حيث تغدو الأصوات سلعا تشترى، والذمم أوراقا مالية مؤقتة تصرف يوم الاقتراع. إن هذا الاتهام المتكرر، سواء كان نتاج حقائق ميدانية تثبتها المحاضر والشكايات أو انعكاسا لمخيال شعبي حانق، يكشف أن “الانتصار الانتخابي” لم يعد دليلا على امتداد شعبي أو إقناع فكري، بل دليلا على كفاءة الماكينة الانتخابية، تلك الماكينة التي تعتمد على الحسابات، النفوذ والقدرة على التحكم في جغرافية الهشاشة ومسارب الفقر والعطب الاجتماعي البنيوي.

وهنا تبرز المفارقة البنيوية الأكثر إيلاما، إن هذه الماكينة ما كان لها أن تشتغل في فراغ لولا وجود تقاطع مصالح عضوي بين طرفي المعادلة : نخبة سياسية متمرسة في الانتهازية، لا ترى في الفعل السياسي سوى منطق الغنيمة وتطبيق قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة»، وكتل مجتمعية تعاني من عطب قيمي وسلوكي عميق، ترزح تحت وطأة العوز الاقتصادي والقهر الاجتماعي والضحالة المعرفية. في هذه البيئة بالذات، تجد النخبة النفعية ضالتها وميدان مناورتها الأثير؛ إذ يغدو الفقر والجهل رافعة لإدامة النفوذ، وتتحول الهشاشة الاجتماعية من مأساة تستوجب الإصلاح إلى أداة تستغل لإعادة إنتاج البؤس السياسي.

إلى جانب هذا المشهد، يرسم الانحدار الملحوظ للحزب الذي قاد الحكومة السابقة (التجمع الوطني للأحرار، وتراجعه من 102 إلى 66 مقعدا) لوحة فلسفية عن “وهم الإدارة المطلقة”. فقد حاول النموذج التدبيري اختزال الدولة في “لوحة قيادة” وأرقام نمو ومشاريع كبرى، متجاهلا المواطن في كرامته اليومية وغلاء معيشته وقلقه الاجتماعي. من هنا، يبدو تراجع أطروحة الحزب التكنوقراطي عقابا للمنطق النيوليبرالي الذي اعتقد أن المال والنفوذ والوعود الاستثمارية قادرة على إلغاء الهواجس السياسية الحقيقية؛ فجاءت النتائج، برغم عتمة لغتها وضبابية صورتها، لتقول إن “الخبز والكرامة” يظلان في نهاية المطاف المحرك الذي يقلب الطاولة، وأن الوعود الكبرى تنكسر دوما على صخرة واقع المواطن البسيط.

علاوة على ذلك، يؤكد استرجاع حزب العدالة والتنمية لقوته البرلمانية (ب54 مقعدا)، مفعول “البندول التاريخي في سياسة الدول”؛ فكلما أفرطت السلطة في تسليع السياسة وتجريدها من بعدها الأخلاقي، كلما انتعشت الكيانات التي تقدم خطابا قيميا أو احتجاجيا، ولو كنوع من الرد الانتقامي ضد التجربة السابقة.

خلاصة القراءة، يبدو أن المشهد الذي أفرزته استحقاقات 23 شتنبر 2026 مرآة لانفصال بنيوي بين نخبة فائزة بمقاعد برلمانية لكنها مثقلة بعجز المشروعية، وبين مواطن منسحب ترك الحلبة لكنه يراقب بكثير من التشكك والريبة. لقد أظهرت هذه الانتخابات أن الديمقراطية التمثيلية تمر بأزمة هوية عميقة؛ حيث المقعد يُنال بالأدوات، بينما الشرعية تضيع في زحام الغياب… والاتهامات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 9

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار

صوت وصورة
ندوة حزب الأصالة والمعاصرة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:33 10

ندوة حزب الأصالة والمعاصرة

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 8

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس