تضخم الخطاب التربوي

تضخم الخطاب التربوي
السبت 3 أكتوبر 2026 - 10:13

يشهد خطابنا التربوي والديدكتيكي المعاصر أزمة بنيوية حادة تتجلى في الفجوة المتزايدة بين التنظير الأكاديمي المجرد وغزارة الوثائق المرجعية والنصوص الإصلاحية، وبين الواقع الميداني لفصول التدريس الذي يظل عاجزا عن التغلغل الإيجابي في ممارسات الفاعل التربوي. لقد حولت تلك الفجوة التدريس إلى فعل آلي يخلو من المؤشرات السلوكية الدقيقة والأطر المعرفية الرصينة القابلة للقياس والملاءمة.

ونعزو المفارقة القائمة بين تراكم النظريات وتدفق النصوص الإصلاحية المقتبسة من التجارب الأجنبية، وبين غياب منهج إجرائي ميداني قادر على ترجمة هذه المبادئ إلى سيناريوهات ديدكتيكية قابلة للتطبيق الصفي. فاكتفاؤنا بنقل المفاهيم من بيئات إبستمولوجية مغايرة دون إعادة بنائها ميدانيا، يخلق فصاما معرفيا لدى الممارسين. فنحن نطالب المدرس بتطبيق نماذج معقدة دون تزويده بالأدوات المنهجية الشفافة التي تمكنه من قياس الأثر.

ومن تبعات تلك المفارقة، تحويل الشأن التربوي إلى مجال مشاع يمارس فيه التطفل الفكري. فقد أصبحنا نعاين تضخما مصطلحيا يتوسل بمفاهيم براقة مثل الجودة، والحكامة، والكفايات الأساس، والإستراتيجيات الحديثة والفعالية. تُستل تلك المصطلحات من أصولها الأكاديمية، وتفرغ من حدودها الإبستمولوجية، لتتحول إلى شعارات متداولة تفتقر إلى العمق العلمي. أضحى الجميع يكتب في التربية ويفتي في الإصلاح، مرددا نفس تلك المفاهيم البراقة دون أي تأصيل أكاديمي يضبط دلالاتها وحدودها وشروط اشتغالها، فصار الخطاب التربوي متضخما كما وفقيرا نوعا، يعيد إنتاج العموميات في كل تقرير وكل مشروع.

ولو أننا سألنا أي فاعل تربوي عن تضخم الخطاب التربوي لقدم لنا مثالا يخص كيفية استيراد المقاربة بالكفايات من أصولها البنائية المعرفية وتمثلها محليا في صورة اختزالية ميكانيكية أفرغت الفعل التعليمي من محتواه. ثم كيف اختزلت عمل المدرس في ملء شبكات تقويم شكلية تفكك المعرفة إلى أجزاء منفصلة تفقد معها العملية غاياتها الثقافية الكبرى. ومن ثمة، لا غرابة أن يكثر اللغط اليوم عن تدني الكفايات الأساس وعن ضرورة تجديد الإستراتيجيات، وما يستصحب هذا اللغط من أحكام عامة حول فشل المدرسة دون وعي بخلفيات تلك المفاهيم ولا بمرجعياتها التي أنتجتها.

ويزداد الخلل وضوحا في الانتقال الطارئ والمفاجئ للحديث عن إستراتيجيات التدريس كوصفات تقنية جاهزة قابلة للاستيراد والتطبيق المباشر دون العودة إلى الاتجاهات الكبرى التي تؤطرها، ودون استحضار التحولات العميقة من النموذج السلوكي إلى السوسيو بنائي ثم المعرفي، ومن منطق التلقين إلى منطق بناء الكفايات.

كما تزداد حدة النزيف بندرة الكتابات التربوية والديدكتيكية الحاملة لرؤيا مجتمعية متكاملة، إذ تكتفي غالبية المؤلفات بما هو رائج من تجميع المتفرق والمستورد وفق ما يجد من تطورات في السياق الدولي. فنرى البعض يؤلف كتابا عن الكفايات اليوم، وكتابا عن الذكاءات غذا، وكتابا عن التربية الدامجة بعد غذ دون خيط ناظم ولا مشروع مجتمعي يربط هذه المفاهيم بغايات المدرسة في سياقنا التاريخي والاجتماعي.

داخل هذا الإطار، يغلب هوس السبق والتأليف والانتشار السريع على الكتابة الرصينة المتأنية التي تتطلب مخاضا نظريا طويلا. تصبح الكتابة مجرد رصد لما استجد في الخارج وإعادة توضيب له بغلاف محلي، لا تأسيسا نظريا ينطلق من أسئلة الواقع.

ويبلغ الخلل ذروته حين نعلن عجزنا ونشرعن تبعيتنا المعرفية بشكل صريح عندما يردد بعضنا بلا مواربة أننا لا ننتج المعرفة وأن أحسن ما يمكن أن نفعله هو أن نفهم ما أنتجه غيرنا وننقله مع شيء من إعادة الصياغة. وبهذا الإعلان يتحول العجز من واقع مؤقت إلى عقيدة هيكلية ثابتة توجه السياسات التربوية وتشرعن الاستهلاك السلبي للنظريات الجاهزة.

وتقتل هذه العقيدة جوهر سؤال الأصالة والابتكار الذاتي: فعوض استجلاء الإمكانات المعرفية للمحيط المحلي يتحول الاستيراد إلى قاعدة، بحيث يغدو التفكير المستقل هو الاستثناء. وقد أدى هذا المنظور إلى اختزال إستراتيجيات التدريس في وصفات مبتورة عن سياقها النظري. فنحن نستورد دون تفكير نقدي البراديغمات الكبرى التي تولدت عنها: ونقصد السلوكية التي تركز على إشراط المثير والاستجابة، أو المعرفية التي تهتم بالبنى الذهنية أو السوسيو بنائية التي تجعل من التفاعل الاجتماعي شرطا لبناء المعرفة. عندها يتحول تطبيق الإستراتيجيات إلى ضرب من العبث الإجرائي. وتتجسد مخاطر هذا العبث في نزع المهنية والفاعلية عن المدرس بتحويله من فاعل إبستمولوجي يمتلك السلطة المفهومية لتكييف التعلمات إلى مجرد منفذ تقني لتعليمات مستوردة. كما نعاين انفصام المنهاج عن البيئة المجتمعية بتقديم تعلمات هشة تفتقر إلى المعنى الثقافي، وتعليمات آلية ميكانيكية تلغي الاجتهاد الديدكتيكي.

وتتفاقم المفارقة حين ننظر لمن يتصدر المشهد اليوم، إذ يطغى نمط من يقتنص فرص المشاريع الوزارية وبرامج الإصلاح للانضمام السريع دون معرفة وتفكير تخصصي دقيق. فالغالبية العظمى من الوافدين على الحقل قادمة من تخصصات نظرية عامة أدبية أو شرعية أو قانونية أو اجتماعية مجردة قلما ارتبطت يوما بالتربية والديدكتيك كحقل علمي له مفاهيمه ومناهجه وأدواته ومساراته التجريبية. هنا، نجد باحثا في الأدب أو القانون أو التاريخ يتحول بين عشية وضحاها إلى خبير في هندسة المناهج وبناء الكفايات وتأليف الكتب المدرسية وتكوين المدرسين لا لشيء، إلا لأنه اقتنص فرصة مشروع أو صفقة تكوين أو طلب عروض وزاري.

وهكذا تشكلت طبقة من البيداغوجيين تجيد كتابة التقارير بلغة إنشائية منمقة، وتجميع المصطلحات المستوردة في عروض براقة، لكنها عاجزة عن بناء وضعية تعلمية واحدة قابلة للملاحظة والقياس وعاجزة عن التمييز بين الهدف والكفاية وبين الاستراتيجية والتقنية، وبهذا الطغيان يزداد الخطاب التربوي خواء لأنه أصبح يدار من خارج تخصصه ويعاد فيه إنتاج العجز باسم الخبرة.

وتتجلى هذه الأزمة بجلاء في واقع البحوث التدخلية التي تعاني من اختزالها في تكميم سطحي واقتطاع بيانات إحصائية لا ترتبط بأطر نظرية صلبة. يطغى على الكثير منها تكديس الجداول والنسب المئوية والمخططات البيانية دون نموذج تفسيري يوضح شبكة العلاقات بين المتغيرات. كما يعتمد البعض منها على أدوات لا تخضع لمعايير مضبوطة، إذ تفتقر إلى صدق البناء المفاهيمي وخلط التلازم الإحصائي بالسببية الديدكتيكية مع إغفال حساب حجم الأثر. يفضي هذا النوع من البحوث إلى توصيات عامة فضفاضة من قبيل ضرورة تكوين المدرسين وتحسيس الأسر… تصلح لكل بحث ولا تفيد أي بحث، لأننا نرى القياس بدون نظرية عمى رقميا. ونلاحظ أن ما يغلب على هذه البحوث الاكتفاء بتقديم تعريف سطحي للمفاهيم -يفتقد للدقة- في سطرين منقولين من معجم عام وبجمل مبتورة، ثم الانتقال مباشرة إلى بناء استبانة أو استمارة. وكأن الإحصاء يمنح المشروعية العلمية بذاته، بينما الأصل أن البحث الرصين ينطلق من حفر إبستمولوجي يفكك المفهوم ويؤرخ له ويحدد نماذجه المتعارضة.

في المقابل، يكشف الاطلاع على البحوث الرائدة في السياق الدولي عن الفارق الجوهري في منطق البحث، فتلك البحوث لا تكتفي بالتكميم، بل تؤسس مفاهيمها ضمن حقل مرجعي واضح لتحفر في جذورها الفلسفية والإبستمولوجية، وتميز بين النماذج النظرية المفسرة ثم تحول هذا التأطير إلى مؤشرات سلوكية قابلة للملاحظة ومواقف تعلمية قابلة للتنزيل. عندها من الممكن الحديث عن بناء شبكات ملاحظة وأدوات اختبار تخضع لمعايير، وتتسم بصدق البناء والثبات. وبعدها -فقط- يأتي التكميم والإحصاء ليس كغاية بل كأداة لقياس الأثر واختبار الفرضيات عبر التحليل الاستدلالي وحساب حجم الأثر لتنتهي بتقديم اقتراحات عملية دقيقة لسد الفجوات البحثية التي كشفها القياس. وأخيرا، نماذج تدخلية قابلة للتجريب والتعميم.

لذلك، نزعم أن المنهج التربوي يبدأ بمسح مرجعي وتأصيل مفاهيمي، ثم صياغة إجرائية وتحويل النظرية إلى مؤشرات، وتطبيق ميداني يضبط المتغيرات ويقيس الأثر قصد الخروج بتوصيات نابعة حصرا من البيانات المؤطرة نظريا. إن الفحص النقدي لقصور البحوث التدخلية يجعل من الدمج المتسارع للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي مسبارا إبستمولوجيا يكشف مدى قدرة المنظومة على إنتاج معرفة ديدكتيكية مؤصلة تتجاوز الاستهلاك السلبي.

لعل ما نتعلمه من تجارب الآخرين يفتح آفاق خارطة طريق لتجاوز أزمتنا. ويتطلب هذا التجاوز قطيعة معرفية صريحة مع خطاب العجز والتبعية، أي قطيعة قوامها تأسيس نظري رصين يربط أي مهارة بالمرجعيات الفلسفية التي تتسق مع غايات المدرسة الوطنية. كما سيتوجب برأينا ترجمة إجرائية سلوكية تحول النموذج النظري إلى شبكة مؤشرات وسيناريوهات يستطيع المدرس إدارتها وقياسها، وصون فاعلية الفاعل التربوي والمتعلم عبر توظيف الأدوات الرقمية كشركاء في التعلم وليس كبدائل تفكر نيابة عنهم.

وتتوزع خارطة طريق الإصلاح على مستويات متشابكة: أولها مستوى صناعة السياسات التعليمية، فالأمر يتطلب تأسيس مختبرات وطنية للديدكتيك التطبيقي واعتماد الموارد المفتوحة. وثانيها، مستوى الباحثين بإعادة هيكلة البحوث التدخلية عبر فرض صدق البناء وقياس حجم الأثر وتطوير معاجم إجرائية. وثالثها، مستوى الممارسين ببناء مجتمعات تعلم مهنية ودعم الفاعلية التشاركية. فالمقصد هنا هو بناء استقلالية تربوية تنبع من قدرة المنظومة على إنتاج معرفة ديدكتيكية مؤصلة ميدانيا وقادرة على استيعاب مستجدات العصر دون التفريط في الأصالة المعرفية والفاعلية البشرية.

وهكذا يتبيَّن أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بكثرة النصوص المستوردة، ولا بهوس التأليف السريع، ولا باقتناص فرص المشاريع من طرف دخيل على التخصص. كما لا يتحقق بإعلان العجز عن إنتاج المعرفة والاكتفاء بنقلها مع إعادة الصياغة، ولا بتكديس الأرقام دون تأصيل، بل بكتابة رصينة متأنية تحمل مشروعا مجتمعيا وبإعادة الاعتبار للتخصص الديدكتيكي الدقيق وفق منهج دقيق يحول المعرفة المؤصلة المنتجة محليا إلى فعل فصلي قابل للملاحظة والقياس والتطوير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 18

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي