تطوان مأوى العود

تطوان مأوى العود
الجمعة 6 نونبر 2026 - 19:04

(المصدر ليس هو الجوهر والصيرورة مهمة جدا؛ لكن كل شيء مظلم في الحاضر يستنير بماضيه العتيق .. كل من يصعد الزمن تتعمق معارفه) ريجيس دوبري

(لست آسفا سوى أنني لا املك سوى حياة واحدة أضحي بها في سبيل الوطن) شيشرون

يخلد الكاتب المحتوى بوعيه، ومحترف التغاريد يمحقه بجهالته؛ يخلق الأول مسافة زمكانية مع الظاهرة فيجيد فهمها والتعبير عنها والتأريخ لها؛ أما وهم الالتصاق بالراهن والسعي إلى شهرة زائفة فيجعلان مدمن الصفحات التواصلية أشبه بمن يلصق وجهه في مرآة؛ فلا يكون بوسعه أن يرى أي شيء. الكتابة هي الأقرب إلى الحقيقة والأقدر على مقاومة الموت؛ أما التغريد فوهم عابر؛ تذروه رياح الزمن. لأجل ذلك اخترنا توثيق حدث المهرجان الدولي للعود بتطوان من خلال إصدار فاخر يليق بالحدث.

(تطوان مأوى العود- نحو عقلنة الموسيقى) كتاب فاخر صدر حديثا بمبادرة من مؤلفيه: كاتب هذه المقالة بمعية الأستاذة إجلال المصلوحي، وبمساهمة ثلة من الفنانين الفوتوغراف الذين وثقوا للمهرجان منذ أولى دوراته؛ صور تم إخضاعها للمعالجة والتصحيح وإنقاذها من الضياع؛ في انتظار افتتاح قريب للمشروع الرائد “بيت الذاكرة” الذي سيوثق لذاكرة الحمامة البيضاء وفن العيش المغربي الأصيل بها؛ وفق المعايير الدولية للتصنيف والتصميم والإدارة.

هذا الكتاب هو عمل ذاتي- تطوعي لإدارة فنية ساهمت تحت إشراف الإدارة المركزية وبتوجيه وإدارة من مصالح الوزارة الجهوية الإقليمية على تنظيم هذا المهرجان لثلاث دورات الأخيرة؛ تحقق خلالها الكثير: تطعيم البرمجة بعازفين كبار لم تتم دعوتهم من قبل، تثمين حضور مدرسة العود المغربي الأصيلة؛ جعل المهرجان منصة لعازفي المدينة بعدما تم تبخيسهم لسنوات واعتبارهم بلا مشاريع فنية؛ والأهم تخليد هذا المهرجان ضمن حدث أكبر هو ربع قرن وسنتين من المنجزات الملكية السامية التي أحدثت ثورة ثقافية بحاضرة تطوان على مستوى البنيات والصناعات الإبداعية.

هو عمل تطوعي لحفظ الذاكرة، بدل بيعها أو تهريبها خارج الحدود أو نقلها بشكل دائم من الحمامة البيضاء العريقة إلى حواضر أخرى. هو عمل تطوعي لأن هذا هو وطننا وتلك هي حاضرتنا؛ ومن واجب من تربى على المواطنة ؛ أن يمارس أمرا لا فضلا نكران الذات لأجل حياة ما هو أهم من الأفراد: عراقة وحضارة المملكة المغربية الشريفة الضاربة في جذور التاريخ. قال شيشرون: (لست آسفا سوى أنني لا املك سوى حياة واحدة أضحي بها في سبيل الوطن).

عندما يكون الوطن موجودا فأنا موجود وليس العكس.

لذلك فهذا العمل الذي أخذ من مؤلفيه جهد ثلاث سنوات متواصلة بلا ميزانية تذكر، لا يريد أن يقدم نفسه كمديح لأشخاص هم في النهاية عابرون في مهرجان غير عابر، بل الغاية أن يكون غنائية وطن ناهض ومنجزات ثقافية تحققت على مدى ربع قرن وسنتين بفضل الرعاية الملكية السامية وأياديها البيضاء على حاضرة تطوان وعلى المملكة المغربية الشريفة التي حققت وحدتها الترابية وصارت قوة إقليمية عظمى؛ بفضل السياسات الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. ولعل من ضمن هذه المنجزات الثقافية الكبرى والكثيرة جدا، حدث المهرجان الدولي للعود بتطوان الذي حظي دوما بالرعاية الملكية السامية. أراد الكتاب أن يؤكد على تمغربيت هذه الفكرة الأصيلة التي هي من بنات أفكار وزارة الثقافة المغربية؛ الجهة الوحيدة التي لها حق الملكية الفكرية لهذا المشروع ولقراره الإداري والمالي واللوجيستيكي؛ من خلال إدارتها المركزية ومصالحها الجهوية والإقليمية التي تشرف على تنظيمه في كل سنة بمدينة تطوان.

تعاقب على إدارة هذا المهرجان منذ انطلاقته سنة 1999 أكثر من سبعة مدراء فنيين وليس واحدا مهما طالت مدة عمله؛ اشتغلوا كلهم بحكم وظيفتهم الإدارية تحت إشراف الإدارة التنفيذية للمهرجان (التي تولاها على مدى عقدين ونصف أكثر من سبعة مدراء جهويين وإقليميين) وبدورهم عمل هؤلاء بتفان وتوجيه من الكتابة العامة للوزارة الوصية (تحت إشراف أكثر سبعة كتاب عامون على التوالي) وبإدارة مباشرة من مديرية الفنون (ستة مدراء مركزيون تولوا إدارة المهرجان). وكل ذلك تحت رئاسة وزراء الثقافة المتعاقبين خلال هذه الفترة الزاهرة؛ بدءا من الشاعر محمد الأشعري الذي انطلق هذا المهرجان في عهده؛ وحتى السيد الوزير الحالي الأستاذ محمد المهدي بنسعيد الذي لم يدخر وسعا من أجل تطوير هذا المهرجان وغيره من المهرجانات التابعة لقطاع الثقافة وتعهد بجعلها مواكبة لتحولات الصناعات الإبداعية ببلادنا. وأعتقد بأن هذا التعهد الوزاري قد قطفنا ثماره خلال هذه السنة إعلاميا وتنظيميا وفنيا وبشكل غير مسبوق.

جاء هذا الإصدار الفاخر ليؤكد على أن فكرة المهرجان؛ صاحبها والمشرف على تنفيذها هي وزارة الثقافة؛ وكل من وضعت فيه الثقة لأداء أية مهمة وهم على مدار ربع قرن وسنتين يحصون بالمئات؛ كانوا دوما من خيرة أطر وموظفي الوزارة، واشتغلوا فيه بعصامية ناذرة من داخل الإدارة.

يتضمن الكتاب 160 صورة ساهم بها أصحابها من الفنانين المواكبين للحدث: محمد سعيد الدردابي؛ هشام الحداد؛ عمر الموفق؛ جمال بوهدي؛ نور الدين العمراني؛ عبد العالي الكنوني والأستاذ علي المنكالي بنعمر؛ وهناك صور أخرى عثر عليها ولم نتوصل لأصحابها، فلم يتم إيرادها. كل هؤلاء الفنانين تم التنويه بمبادراتهم في شكر خاص ضمن الكتاب الذي هو في النهاية نتاج التطوع بامتياز.

توزع الإصدار على ستة فصول؛ منها ما هو متصل بالتراث الحضاري والعمراني لتطوان، وآخر تكريما لأقدم مسرح لم تقفل أبوابه على مدار مائة سنة؛ وهو مسرح اسبانيول الذي احتضن الحدث بحب وألفة، وثالث هذه الفصول خصص للعازفين المهرة الذين مروا على خشبة المهرجان؛ والرابع للعازفات البارعات حيث لم تخل أية دورة دون لمسات نسوية؛ وحتى أن نصف المدراء الفنيين الذين تعاقبوا على إدارة البرمجة الفنية للمهرجان كن نساء؛ ثم خامس الفصول للأنشطة الموازية من ندوات ومعارض وأوراش؛ أما السادس والأخير فللأسماء التي توجت وكرمت على مدار ربع قرن كامل.

احتفت بهذا الإصدار الأول من نوعه والذي يوثق بصريا للصناعات الإبداعية بتطوان؛ أرقى المنابر الموسيقية؛ حيث خصصت له مجلة الموسيقى العربية المرموقة التي يصدرها المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية دراسة أكدت فيها على أن هذا الكتاب لا يقتصر على الجانب التوثيقي، بل يقدم رؤية مستقبلية تدعو إلى تطوير المهرجان ومأسسته، بما يعزز إشعاعه على المستويين الوطني والدولي، ويدعم دوره في التنمية الثقافية والاقتصادية والسياحية، على غرار المهرجانات الكبرى بالمملكة الشريفة والتي أصبحت رافداً أساسياً للتنمية المحلية.

واليوم تتأكد صحة هذا الطرح بعد النجاح الكبير الذي عرفته الدورة السابعة والعشرين للمهرجان الدولي للعد بتطوان، والتي بشهادة كل وسائل الإعلام الوطنية والدولية كانت الأنجح في تاريخ هذا الحدث على مدى ربع قرن وسنتين: إقبال جماهيري من كل مدن المملكة فاضت بهم الجنبات؛ ما يعزز سؤال طرح التذاكر للعموم والتي تحقق مزيدا من العدالة والمساواة بين المواطنين في الاستفادة من الخدمة العمومية للثقافة والفنون؛ مثلما تحقق العائد المادي للمهرجان؛ برمجة فنية غير مسبوقة أعادت الاعتبار للعود المغربي الأصيل وللعازفين المغاربة، وخصوصا عازفو تطوان الكبار الذين تألقوا بشكل لافت هذه السنة؛ (طارق بانزي الذي لم يشارك في المهرجان منذ 2005؛ ومجموعة سهيل الغرناطية التي لم تطأ أقدمها يوما منصة مهرجان العود بمدينتها الأم؛ فهد بنكيران الذي تألق بشكل لافت انتبه له مارسيل خليفة الذي اعتبره جزء من عمله الجديد رباعي العود بعنوان (بنت غرناطة) تكريما لتطوان وتعبيرا عن جب جارف من هذا الفنان للمملكة المغربية ملكا وشعبا؛ تنظيم محكم أشاد به كل الضيوف؛ وحتى الإقبال غير المسبوق على حفل الافتتاح كان تأكيدا للنجاح؛ ألم تندفع الجماهير بشكل هيستيري في حفل مايكل جاكسون الشهير ببوخاريست؛ ما اعتبر وقتها تعبيرا عن صدمة ثقافية من الجمهور لفنان يعشقونه.

والأهم الذي يكرس النجاح هو التغطية الإعلامية التي فاقت كل التصورات؛ بحيث ظلت تطوان حديث أعرق المنصات الإعلامية وطنيا ودوليا على مدى أسبوع كامل. ما وضع المهرجان ولأول مرة ضمن منصة التظاهرات الفنية البارزة ببلادنا.

غير أن الحدث الأبرز هو إنتاج عمل جماعي باسم تمغربيت ضم واحد وخمسين عازفة وعازف من كل جهات المملكة، بينهم أربعين عازف عود؛ تخليدا للذكرى الاولى لعيد الوحدة. فالمهرجان قبل أن يكون منصة للموسيقى العريقة للشعوب هو قبل كل شيء تسويق لاسم المغرب ولصورته الجميلة ولفن تمغربيت الراقي الذي هو الوعاء الجامع لكل الروافد اللغوية والثقافية والتعبيرية للملكة الشريفة.

إن هذا الكتاب الذي سيوزع بالمكتبات الوطنية نهاية هذه السنة، هو دعوة ذاتية من مؤلفيه لتوحيد جهود كل الجهات الحكومية والمنتخبة وفعاليات المجتمع المدني لإطلاق مبادرة تهدف إلى ترسيخ مكانة آلة العود بوصفها إرثا ثقافيا للحمامة البيضاء، بما يعزز حضور تطوان كحاضنة للإبداع الموسيقي ومنصة للحوار الحضاريي بين ضفتي البحر المتوسط وملتقى للثقافات.

ويمر الأفراد تباعا، تحضر أسماء وترحل أخرى.. ولكن يظل المهرجان، ويبقى الوطن…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 9

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 7

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما