التعليم هو تلك المدة التي تقضيها مع أفراد يقومون بتعليمك أمورا وأشياء كنت غير راغب بمعرفتها، وهو يبني الفرد، كما يقول جون لوك، لكن القراءة والتفكير هما ما يصقلانه، وقد أصبح التعليم الآن، للأسف، هو اكتساب المقدرة على اجتياز الاختبارات والامتحانات.
الحديث في وعن التعليم المغربي حديث لا يخلو من شجن نظرا للمحن التي يسببها للأفراد في هذا الوطن، فالملاحِظ للكيفية التي أصبح يلهث بها الآباء وراء أبنائهم من خلال تواجدهم في المدارس العمومية وبها عبر الدروس الخاصة أو الساعات الإضافية، يدرك مدى حجم الانحدار والانحطاط الذي يعرفه التعليم في هذه البلاد، دون نسيان حجم الميزانيات بالمليارات، التي تصرف على تلكم الدروس، والتي قد تعادل – أو تزيد- ميزانيات الإصلاح التي تبخرت ولا تزال دون أن نعلم المتسبب والسبب في إهدارها، مما يفرض طرح السؤال: ما قيمة وعائد هذا كله؟
الكل أجمع على تقهقر وتدهور جودة التعليم بشقيه العمومي والخصوصي، لأن التعليم والعملية التعليمية نفسها معقدة وشائكة، وتحتاج إلى أطر عليا ومدربة، وإلى مناهج وبرامج تتيح التفاعل للتلاميذ والطلبة، وإلى مناخ يسوده ما يطلق عليه تعليم المقرر المنفتح والمفتوح وليس المنغلق والمغلق، الذي لا يهمه سوى تطبيق ما يمليه النظام والمنظومة التعليمية، أو على نهج ومنهاج التعليم والتعلم بطريقة علي بابا تحت رعاية وحماية الحراس أصحاب المناهج والبرامج التعليمية.
ولتوضيح الفكرة، هناك العديد من الأمثلة والوقائع نسمعها هنا وهناك، لكن سأكتفي بمثال بسيط لأولئك المعلمين الذين حملوا هذه الصفة في عشرة أيام من التكوين، بعضهم يلقي ويعطي الدروس دون أن تفارق يده الهاتف النقال وكأنه يقوم بإلقاء قصائد شعر على تلامذته بصورة نمطية تقترب من دروس السماع في المدارس العتيقة والكتاتيب التقليدية. ولأن الهدف من الدروس منذ البداية هو رسم تلك الصور المثالية والخيرة، خصوصا بعض القصص مثل علي بابا والأربعين لصا “حرامي”، حتى أن بعض الأطفال يتجرؤون ويطرحون أسئلة على معلميهم تحرجهم لأنهم لم يفكروا البتة في طرحها على أنفسهم، فما بالك بأن يجدوا لها جوابا. تخيل معي أن تلميذا أو تلميذة قالت لمعلمتها بألا فرق بين علي بابا وأولئك اللصوص لا لسبب عدا أنها نبهت معلمتها بأن علي بابا أخذ أموالا ليست من حقه. ستكون ردة الفعل عنيفة من طرف رجل التعليم، ذكرا كان أو أنثى، إما بالسب أو العقاب كنصيب للتلميذ أو التلميذة، التي ستصر على أن صاحبنا (علي بابا) لص كالأربعين لصا، ثم استدعاء الأب أو وصم الطفلة بالغباء لأنها تجرأت وتجاوزت منهج ومنهاج علي بابا والأربعين لصا.
ربما سيُعمِل التلاميذ عقولهم لأن السبب يعود إلى تنشئتهم الاجتماعية الأولية داخل البيت، ربما سيقارنون بين قيم استدخلوها قهرا واستضمروها جبرا عبر تخزينها في عقولهم وربطوها بما سمعوه، وقيم تربوا عليها تقول لهم إن كل فرد تمتد يده إلى ما ليس من حقه وملكه يعتبر لصا. هذا سلوك لقيم تعلموها فطبقوها على القصة التي سمعوها فاستنتجوا أن علي بابا “لص”.
ربما قد يتمردون على النص وحراس النص والدرس وصوره النمطية.
هذا يعكس حقيقة مقولة عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، الذي قال إن التعليم هو نسق من التجهيل الإجباري، والمثال أعلاه يمكن من خلاله استنباط العديد من المعاني تبدأ من أن جوهر وكنه عملية التعلم هو في الأصل عملية فنية وإبداعية، وأن كل مسلمة بدعة وكل بدعة في مزبلة التاريخ لأن نصوص المقررات ليست مقدسة، ولكنها مفتوحة وقابلة للتفاعل معها وتأويلها ونقدها، وتنتهي بأن التعليم الناجح يبنى على أساس النقد والتساؤل والمساءلة التي يقوم عليها الإبداع. وهنا وجب ذكر وتذكر التلاميذ الذين انزعج منهم معلموهم، بل أزعجوهم بإعطائهم أجوبة غير نموذجية كادوا يؤدون ثمنها غاليا.
كل تعليم لا يفتح باب الحوار والنقاش مع النصوص سيخرج حتما صورا شبيهة بما سبق ذكره أعلاه، فالإجابة لا تقوم على المعرفة واستخدام العقل، وإنما بالنقل والتلقين والحفظ حسب الإجابات النموذجية. الأفراد هم صورة لمجتمع تشكل وفق سياسة تعليمية معينة، فإذا كان التعليم يقوم على نهج “اتباع” الجواب النموذج، فإن المجتمع لن يكون إلا مرآة عاكسة؛ أما إذا كان جوهر وكنه “إبداع” جواب بعيد عن النمطية والمتعارف عليه، فإن المحصلة هي وجود وتواجد مجتمع مبدع.
أخيرا، سيبقى التعليم العمومي في المغرب في الدرك الأسفل، للسبب نفسه الذي يجعل طهو المناهج والبرامج في مطابخ الحكومة عادةً سيئا.
الإنسانية هي الحل
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.