الكتابة القانونية

الكتابة القانونية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:01

لعل أهمية الفرق الجوهري في التمييز بين نمطية الفهم وذكاء التحليل في الكتابة القانونية يكمن في أن البحث القانوني الحقيقي لا يقوم على استظهار النصوص وتكرار ما قيل؛ وإنما على القدرة على قراءة النص، وفهم منطقه، ومساءلة غاياته، ونقد حدوده، واقتراح ما يمكن أن يطوره.

وليس العبرة في البحث القانوني بكثرة التأليف، ولا بكثرة العناوين التي يضيفها الباحث إلى رصيده العلمي، وإنما العبرة بما يقدمه من إضافة نوعية، وبما سيزيده للمعرفة القانونية من جدة وعمق مع إثارة إشكالات جديدة، والبحث عن حلول لها.

إشكالية الموضوع:

ويأتي هذا المقال في وقت كثرت فيه المؤلفات القانونية إكثارا؛ ما جعل بعض الباحثين يؤلف ثلاثة كتب أو أربعة في سنة واحدة، وليست فيها جدة في التحليل ولا عمق في التكييف، ولا لامس فيه متخصص أي زيادة حتى في المبنى فأحرى المعنى.

وتناسلت من جهة أخرى عدد من المقالات والدراسات والأبحاث بحيث من تتبع إصداراتها يجد أن لها أصولا ونقولا سابقة، فترى كثير من المؤلفين يجددون الكلام في المعاني والأفكار التي اطلعوا عليها في نفس تلك البحوث وأحيانا يستظهر أفكارا دون عزو، ويعتقد أن ذلك سينطلي على المتخصصين في البحث القانوني، ومن هذا المنطلق، تطرح هذه المسألة جملة من التساؤلات التي تستحق التأمل لعل أبرزها:

هل العبرة في التأليف بجودة الإنتاج العلمي وقيمته، أم بكثرة التأليف فيه ؟

وتولد في هذا السؤال عدة فرضيات أخرى منها هل يستطيع الباحث أن يحافظ على جدة البحث وعمق التحليل مع التسارع الكبير في وتيرة التأليف؟ وأين ينتهي الوصف القانوني ويبدأ التحليل القانوني الحقيقي؟ وهل يكفي أن يعرض الباحث النصوص والمواقف الفقهية والقضائية، أم أن وظيفته تتجاوز ذلك إلى مساءلة النص ونقده واقتراح البدائل؟ وكيف يمكن تكوين عقل قانوني قادر على إنتاج المعرفة، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما سبق قوله؟ وهل كان لبعض التحولات الكبرى في التشريع والقضاء أن ترى النور لولا الأسئلة النقدية التي أثارها الفقه القانوني قبل أن يتبناها المشرع أو القضاء؟ ثم، ألم تكشف التجربة القانونية الفرنسية أن الفقه القانوني قد يكون أحيانا سابقا على التشريع، وأن الفكرة القانونية قد تكون هي التي تمهد للنص، وليس العكس دائما؟

وانطلاقا من هذه التساؤلات، يصبح من المشروع إعادة التفكير في وظيفة الكتابة القانونية: أهي مجرد وسيلة لعرض القانون القائم، أم أنها أداة للمساهمة في تطويره وإعادة بناء مفاهيمه؟

أولا: من كثرة التأليف إلى جودة البحث وبناء الفكرة القانونية:

لعل من الملاحظ في الكتابة القانونية المعاصرة أن بعض دارسي القانون ينخرطون في وتيرة متسارعة من التأليف، فيصدر الواحد منهم كتابا أو كتابين في السنة. وقد يكون ذلك محمودا من حيث كثافة الإنتاج، لكنه يطرح، من زاوية أخرى، سؤالا مشروعا حول مدى إمكان المحافظة على جدة البحث ورصانته وعمق التحليل في ظل هذا التسارع في الإنتاج العلمي.

فالبحث القانوني ليس عملية تجميع للنصوص، ولا إعادة ترتيب لما سبق قوله، ولا استعراضا للمواقف الفقهية والقضائية؛ وإنما هو قبل ذلك ملكة في التفكير والتحليل والنقد وإعادة بناء المسألة القانونية. وهذه الملكة تحتاج إلى زمن للتأمل، وقراءة متأنية، واستقراء للنصوص، ومقارنة للآراء، وتمحيص للمواقف، قبل أن تتحول إلى كتابة تستحق أن تضاف إلى المكتبة القانونية.

والإشكال لا يقف عند حدود جودة المؤلف ذاته، بل يمتد إلى تكوين الدارس المبتدئ في القانون؛ إذ إن اعتياده على هذا النمط من الكتابات الوصفية قد يرسخ لديه تصورا مفاده أن البحث القانوني هو مجرد عرض للنصوص، وتلخيص للآراء، وسرد للمواقف، فينشأ على نمط من التفكير يكرر ما قيل بدل أن يتعلم كيف يسائل النص ويحلله ويناقشه وينقده.

وهنا تظهر أهمية الانتقال من ثقافة كثرة التأليف إلى ثقافة جودة التأليف، ومن الكتابة التي تستهدف ملء الصفحات إلى الكتابة التي تستهدف بناء الفكرة. فليس الباحث المتميز من يكتب أكثر، وإنما من يجعل كل كتابة له إضافة حقيقية إلى المعرفة القانونية.

إن تكوين العقل القانوني لا يتحقق بكثرة الكتب التي يقرأها أو يؤلفها الطالب والباحث فحسب، وإنما بقدرته على تجاوز الفهم النمطي للنص إلى الفهم التحليلي، ومن التلقي إلى التساؤل، ومن الوصف إلى النقد، ومن استظهار القاعدة القانونية إلى اكتشاف منطقها وغاياتها وآثارها.

فالباحث الحقيقي ليس حافظا للنصوص، وإنما صاحب ملكة في قراءتها؛ وليس ناقلا لما قيل، وإنما قادرا على أن يسأل: لماذا قيل؟ وهل ما قيل ما يزال صالحا؟ وماذا يمكن أن نضيف إليه؟

ومن هنا، فإن تكوين الباحث القانوني على النمط الوصفي المحض يحرمه من أهم وظائف البحث القانوني؛ لأن الباحث الذي يكتفي بأن يقول: «ماذا قال المشرع؟ وماذا قال الفقه؟ وفيما اجتهدت المحاكم؟» يظل أسيرا للقانون القائم، بينما الباحث الذي يسأل: «لماذا قال المشرع ذلك؟ وهل القاعدة منسجمة مع غايتها؟ وما حدودها؟ وما مواطن قصورها؟ وما البديل الممكن؟» يتحول من مجرد ناقل للمعرفة إلى منتج لها.

حتى لا تملوا من هذا التحليل، أضع بين أيديكم أسفله نماذج من اجتهادات الفقه والقضاء الفرنسيين التي سبقت التشريع في تبنيها، وهي نماذج تكشف أن التطور القانوني لا يبدأ دائما من النص التشريعي، وإنما قد ينطلق من فكرة، أو تساؤل، أو نقد فقهي، ثم يتطور عبر الاجتهاد القضائي، قبل أن يجد طريقه في نهاية المطاف إلى التشريع.

ثانيا: من الفكرة الفقهية إلى القاعدة القانونية: نماذج من الاجتهاد الفرنسي:

من الأمثلة الدالة على ذلك ما عرفه الفقه القانوني الفرنسي من قدرة على مجاوزة النظريات الكلاسيكية ونقدها وإعادة بناء المفاهيم القانونية؛ فلم يكن الفقه مجرد شارح للنصوص القائمة، وإنما اضطلع في مراحل عديدة بوظيفة نقدية وطرح البدائل، وأنتج من خلالها تصورات ونظريات انتهى بعضها إلى أن يجد طريقه إلى التشريع أو القضاء.

ويكفي في هذا السياق، استحضار النقاش الفقهي حول نظرية السبب في العقد؛ فقد عرفه الفقه الفرنسي، وأبدى بلانيول، موقفا نقديا من إدخال السبب ضمن أركان العقد، وما أثاره ذلك من إشكالات تتصل بمدى جدوى هذا الركن وحدوده ووظيفته في البناء العقدي. ثم إن التطور التشريعي اللاحق في القانون المدني الفرنسي أعاد ترتيب كثير من هذه المسائل ضمن تصور جديد لنظرية العقد، بما يؤكد أن الفقه القانوني لا يعيش بالضرورة في ظل النص، وإنما يستطيع أن يسائل النص القائم ويمهد لتجاوزه أو إعادة صياغته.

والأمر ذاته يبرز في انتقال المبادئ ذات الصلة بـالكرامة الإنسانية من مجرد مبادئ ذات امتداد فلسفي وكوني، إلى مبادئ ذات أثر قانوني يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار في العلاقات الخاصة، بما فيها العلاقات التعاقدية. فالعقد، وإن كان قائما على سلطان الإرادة، لم يعد بمنأى عن منظومة القيم والمبادئ الأساسية التي تحكم النظام القانوني، الأمر الذي جعل حماية الإنسان وكرامته تدخل تدريجيا في عملية تحديد حدود الإرادة التعاقدية.

أمثلة ونماذج من القانون الفرنسي على تكييف الوقائع:

لعل أهم الأمثلة اللافتة على تغيير الأحكام السابقة بالجديدة؛ ما يرتبط بما يعرف بـواقعة الأقزام في القضاء الإداري الفرنسي، حيث أظهر القضاء قدرة على استحضار الاعتبارات المرتبطة بالكرامة الإنسانية، بما يؤكد أن المبادئ القانونية لا تبقى حبيسة التجريد النظري، وإنما يمكن أن تتحول إلى أدوات فعلية لإعادة رسم حدود المشروعية.

كما أن الالتزام بالإعلام يمثل مثالا آخر على التطور من الفقه والقضاء إلى التشريع؛ فلم يعد الإعلام السابق على التعاقد مجرد مسألة أخلاقية أو مظهرا من مظاهر حسن النية؛ بل تحول إلى التزام قانوني له آثاره وشروطه، وأصبح حاضرا في البناء العام لنظرية العقد في القانون المدني الفرنسي، وليس فقط في نطاق قواعد حماية المستهلك، ويكاد يشبه هذا في التشريع الإسلامي المناسب المرسل أو القياس المصلحي، وما يتفرع عنه من تكييفات حسب الوقائع كتحقيق وتنقيح وتخريج المناط.

وهذه الأمثلة كلها تكشف عن حقيقة جوهرية مفادها أن القانون يتطور حين يتجاوز الفقيه والقاضي والمشرع مجرد وصف الواقع القانوني إلى مساءلته ونقده والتفكير فيما ينبغي أن يكون عليه. فالكثير من التحولات القانونية لم تبدأ بنص تشريعي جاهز، وإنما بدأت بفكرة، ثم بنقاش فقهي، ثم باجتهاد قضائي، قبل أن تجد طريقها إلى النص التشريعي.

ولذلك، فليست قيمة البحث القانوني في أن يكون امتدادا لما سبقه فحسب، وإنما في قدرته على فتح أفق جديد للفكرة القانونية. وليس المقصود أن يتعمد الباحث مخالفة النظريات المستقرة، وإنما أن يمتلك من الأدوات المنهجية ما يجعله قادرا على اختبارها، ومساءلتها، والكشف عن مواطن قوتها وضعفها، واقتراح ما يمكن أن يطورها.

وهنا تحديدا تكمن خطورة الإفراط في التأليف السريع؛ إذ قد يتحول البحث مع مرور الوقت، إلى إعادة تدوير للمعرفة القانونية بدل إنتاجها، وإلى تدريب للباحث المبتدئ على نمط واحد من الكتابة القائمة على الوصف والتجميع، بدل أن يتعلم منذ البداية أن القانون نص يقرأ، وتعريف يُحفظ، ومفهوم يحلل، ونظرية تناقش، وقاعدة تنتقد، وواقع يعاد تكييفه.

خاتمة:

بناء على ما سلف ذكره، تبين أن قيمة الباحث لا تقاس بسرعة إنتاجه ولا بعدد عناوينه، وإنما بقدرته على إنتاج سؤال قانوني جديد، أو إعادة قراءة مسألة قديمة من زاوية مختلفة، أو كشف قصور في قاعدة قائمة، أو تقديم تفسير أكثر انسجاما مع غايات القانون. وهنا يكمن الفرق بين من يكتب عن القانون، ومن يفكر في القانون؛ وبين باحث يضيف صفحات إلى المكتبة القانونية، وباحث يضيف فكرة إلى العقل القانوني.

-إطار بالمحافظة العقارية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 3

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"