تقاسم المسؤوليات الأسرية

تقاسم المسؤوليات الأسرية
السبت 11 يوليوز 2026 - 10:43

في سياق الجهود الرامية إلى تعزيز المساواة بين النساء والرجال، وإرساء مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا، يكتسي النقاش حول العمل المنزلي وأعمال الرعاية غير المؤدى عنها أهمية متزايدة، باعتباره أحد أبرز القضايا المرتبطة بتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وضمان التوزيع المنصف للأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة. لا يزال هذا العمل، على الرغم من إسهامه المحوري في استقرار الأسر واستدامة المجتمع، يفتقر إلى الاعتراف والتقدير اللذين يستحقهما، كما يستمر في تحميل النساء النصيب الأكبر من أعبائه، الأمر الذي يكرس أوجه اللامساواة بين الجنسين.

انطلاقًا من هذا الوعي، تنظم جمعية التحدي للمساواة والمواطنة (ATEC)، يوم 15 يوليوز 2026 بالمعهد الفرنسي بالدار البيضاء، عرضًا للفيلم القصير “خلف الجدران”، الذي أُنتج في إطار مشروع “شقا الدار ماشي حكرة”، المنجز بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالمغرب، ضمن البرنامج الأممي Dare to Care.

ويشكل هذا العمل السينمائي دعوة إلى فتح نقاش عمومي مسؤول حول الاعتراف بقيمة العمل المنزلي، وتعزيز التقاسم العادل للمسؤوليات الأسرية والرعائية، وتشجيع تطور المعايير الاجتماعية والثقافية بما يدعم المساواة بين النساء والرجال. كما يمثل العرض مناسبة تجمع ممثلات وممثلي المؤسسات العمومية، والبعثات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، إلى جانب الشركاء الوطنيين والدوليين، من أجل تبادل الرؤى وتعزيز الالتزام الجماعي بقيم حقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وتأتي هذه الورقة في سياق مواكبة هذا الحدث، وإبراز أهميته بوصفه مبادرة تسهم في ترسيخ ثقافة الاعتراف بالعمل المنزلي وأعمال الرعاية، وتعزيز الحوار المجتمعي حول سبل بناء أسرة قائمة على الشراكة، ومجتمع أكثر إنصافًا، تتقاسم فيه النساء والرجال المسؤوليات والفرص على قدم المساواة

تقاسم المسؤوليات الأسرية .. مدخل أساسي لبناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة

لم تعد المساواة بين النساء والرجال مجرد شعار حقوقي أو مطلب اجتماعي، بل أصبحت اليوم ركيزة من ركائز التنمية المستدامة، ومؤشرًا أساسيًا على تقدم المجتمعات. غير أن تحقيق هذه المساواة يظل رهينًا بتغيير العديد من الممارسات اليومية، وفي مقدمتها طريقة توزيع العمل المنزلي وأعمال الرعاية داخل الأسرة

فالبيت، الذي يُفترض أن يكون فضاءً للشراكة والتكافل، ما يزال في كثير من المجتمعات يعكس اختلالًا واضحًا في توزيع المسؤوليات، حيث تتحمل النساء النصيب الأكبر من أعمال الرعاية المنزلية، من تربية الأطفال ورعاية كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى الطهي والتنظيف وتدبير شؤون الأسرة. وهي أعمال ضرورية لاستمرار الحياة، لكنها تبقى غير مدفوعة الأجر وغير معترف بقيمتها الاقتصادية والاجتماعية

وتشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة العمل الدولية إلى أن النساء يؤدين ما يقارب ثلاثة أرباع أعمال الرعاية غير المؤدى عنها عالميًا، ويقضين في المتوسط ثلاثة أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال في هذه الأعمال. وهذه الأرقام لا تعكس فقط تفاوتًا في توزيع المهام، بل تكشف أيضًا عن فجوة تؤثر في فرص النساء في التعليم والعمل والترقي المهني والمشاركة في الحياة العامة وصنع القرار

وقد جاءت جائحة كوفيد-19 لتسلط الضوء على هذه الحقيقة بصورة غير مسبوقة، بعدما تضاعفت أعباء الرعاية داخل الأسر مع إغلاق المدارس والمؤسسات الاجتماعية، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى الدعوة مجددًا للاعتراف بأعمال الرعاية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد وفي استدامة المجتمعات

ولذلك، لم يعد النقاش حول تقاسم المسؤوليات الأسرية قضية خاصة داخل البيوت، بل أصبح قضية تنموية وحقوقية بامتياز. فالأسرة التي يتقاسم أفرادها المسؤوليات بصورة عادلة تكون أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على توفير بيئة سليمة لنمو الأطفال، كما تتيح للنساء فرصًا أكبر للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني بأكمله

وقد أدركت العديد من الدول هذه الحقيقة، فبادرت إلى اعتماد سياسات عمومية مبتكرة. ففي السويد، أسهم نظام إجازات الوالدين، الذي يخصص جزءًا إلزاميًا لكل من الأب والأم، في رفع مشاركة الآباء في رعاية الأطفال. أما آيسلندا، فقد جمعت بين المساواة في الأجور وتشجيع تقاسم المسؤوليات الأسرية، لتصبح نموذجًا عالميًا في مجال المساواة بين الجنسين. كما أقرت إسبانيا مساواة شبه كاملة بين إجازتي الأبوة والأمومة، بينما اعتمدت كندا سياسات للعمل المرن ودعمت خدمات رعاية الأطفال، في حين أنشأت أوروغواي نظامًا وطنيًا للرعاية يقوم على تقاسم المسؤولية بين الدولة والأسرة والمجتمع

وتؤكد هذه التجارب أن التغيير لا يتحقق بالتشريعات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى تحول ثقافي عميق يشارك فيه الجميع. فالإعلام، والمدرسة، والجامعة، والجمعيات المدنية، والمؤسسات والثقافية، جميعها مطالبة بالمساهمة في ترسيخ ثقافة الشراكة داخل الأسرة، ومحاربة الصور النمطية التي تجعل العمل المنزلي مسؤولية نسائية حصرية

كما أن إدماج التربية على المساواة في المناهج الدراسية، وتطوير خدمات رعاية الأطفال وكبار السن، وتوسيع إجازات الأبوة، والاعتراف بأعمال الرعاية في السياسات العمومية، وتشجيع البحث العلمي في اقتصاد الرعاية، كلها خطوات من شأنها أن تسرع وتيرة التغيير وتحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع

إن العدالة الاجتماعية لا تبدأ من المؤسسات فقط، بل تبدأ من داخل البيت، حيث يتعلم الأطفال قيم التعاون والمسؤولية والاحترام المتبادل. وعندما تصبح المسؤوليات الأسرية مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال، فإن المجتمع بأسره يجني ثمار ذلك؛ اقتصادًا أكثر إنتاجية، وأسرة أكثر استقرارًا، وأطفالًا ينشؤون على قيم المساواة، ومجتمعًا أكثر تماسكًا وإنصافًا

إن الاستثمار في سياسات الرعاية وتقاسم المسؤوليات الأسرية ليس امتيازًا يمنح لفئة دون أخرى، بل هو استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله، وخطوة أساسية نحو تنمية شاملة لا تُقصي أحدًا، وتجسد قيم المساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية التي تنشدها المجتمعات الحديثة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 3

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 2

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة