نظم مركز أسافو للأبحاث والدراسات والاستشارات، بمركز تلوات يوم الخميس 30 يناير 2025 النسخة الثانية للندوة المحكمة التي تمحورت أشغالها حول مفاهيم المجال واللغة والمجتمع، وتوزعت عروضها المتنوعة عبر جلسات علمية مختلفة، وحسب رئيس المركز، د. محمد ايت مصكور، فإن الهدف من تنظيم هذه الندوة هو التعريف بالإرث الثقافي واللغوي والمجتمعي لبلدة تلوات وضواحيها، وبخاصة أنها تعد من بين المناطق التي تمتد جذورها في ثنايا المغرب العميق الذي يزخر بثروات طبيعية، يمكن أن تعد رافدا مهما لاقتصاد وطننا، وشحنة دافعة لمزيد من إشعاعه التراثي والثقافي والحضاري .

ورغم تساقط الثلوج بكثافة على المنطقة، بما فيها فضاءات الندوة العلمية المذكورة التي أطرها نخبة من الأساتذة الباحثين، فقد حضرها جمهور من المثقفين والمهتمين والمتتبعين، وساهمت في إنجاحها مختلف المؤسسات الرسمية، وجمعيات المجتمع المدني بهذه المنطقة التي لعبت أدوارا هامة في تاريخ المغرب القديم والحديث. وقد تمحورت العروض الملقاة خلالها حول عدة قضايا تهم المجالات البيئية والجغرافية والتاريخية واللغوية لمنطقة تلوات، وكذلك طبيعة دينامية مجتمعها وبنياته المختلفة، وكلها عناصر مرتبطة بالتاريخ السياسي والاقتصادي، وبخاصة التجاري، لهذه البقعة الجميلة من أرض المغرب الغني بتنوعه الذي يعد فخرا حضاريا للمغاربة. وقد تم التطرق كذلك إلى الانتماء القبلي لهذه المنطقة، والمصادر الاقتصادية للسكان، حيث إنها تعتمد على أنشطة متلازمة ومتكاملة في ما بينها، وتتوزع بين الفلاحة والزراعة والتجارة والرعي. مما يدعو إلى ضرورة استغلال المجال الفلاحي على امتداد وادي أونيلا والقرى المنتشرة على محيطه الواسع، رغم خصوصيات التضاريس الجغرافية والبيئية، وما يكتنفها من إكراهات بسبب التحديات الطبيعية والبشرية التي تواجه النشاط الفلاحي.
ولم يفت القائمين على الندوة والمشاركين فيها، وكذلك الحاضرين في فعالياتها، التركيز على إصدار توصيات جادة بتدبير الكوارث الطبيعية، من فيضانات وغيرها بمجموع قرى المنطقة، وقد تمت الدعوة إلى ضرورة التدخلات الاستباقية لمثل هذه الطوارئ، لتجنب ما عاشه الأهالي خلال كارثة زلزال الحوز، التي لعب فيها تآزر السكان والسلطات وجمعيات المجتمع المدني أدوارا محمودة ساهمت في التخفيف من ثقل ذلك الحدث العصيب. أما في الجانب الثقافي فقد تناولت بعض العروض موضوع الأسطورة في التراث الثقافي بمنطقة تلوات، وحضورها في مختلف الأنشطة الاجتماعية. وكمثال على ذلك، تالغنجا، تسردونت نسمضال… وهي مواضيع مرتبطة بالأرض والحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع والتحدي والتمرد وتمثُّل دورة الحياة.

عود على بدء
تقع بلدة تلوات في إقليم ورززات، وتتميز بموقعها الاستراتيجي الذي جعل منها نقطة التقاء بين حضارات وثقافات متعددة في الماضي السحيق الذي تمتد جذوره إلى عصور قديمة قبل الفتح الإسلامي للمغرب، وشهدت على حركات تاريخية واجتماعية مهمة. وتعد من المناطق التاريخية العريقة التي تحمل بين طياتها إرثًا حضاريًا وثقافيًا كبيرًا. إذ كانت تشكل مركزا ومحورا لشبكة من الطرق التجارية التي تربط بين شمال إفريقيا وبلدان جنوب الصحراء. وكانت مَناخا للقوافل التجارية التي تنقل البضائع مثل الذهب والملح والتمور بين مدن عدة مدن مثل سجلماسة وفاس ومراكش وتمبكتو. وقد جعلها هذا الموقع تتبوأ مركزًا تجاريًا واقتصاديًا مهمًا، وساهم في تنوعها الثقافي والحضاري. أما في ما يخض بنيتها السكانية، فتتكون من قبائل أمازيغية استقرت فيها منذ القدم، وتشكلت هويتها بما عاشته من أحداث تاريخية، وصراعات قبلية كما هو شأن باقي مناطق المغرب في فترات معينة من تاريخيه القديم والحديث.
ومع دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، ساهم سكانها الأمازيغ في نشر الدين الجديد في المنطقة. فانتشرت فيها المساجد والمدارس العتيقة التي لعبت أدوارًا كبيرًة في تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغوية. كما شهدت ازدهارا ملفتا في المجال المعماري، بما عرفته من بناء القصور والقصبات، بشكل جعلها تجسد فن العمارة الأمازيغية الإسلامية المتناغمة مع الطراز المعماري الأندلسي الذي لا تزال مآثره قائمة.

أما في العصر الحديث فقد شهدت تلوات تطورات اجتماعية واقتصادية مهمة، حيث أصبحت جزءًا من النسيج الاقتصادي والثقافي والاجتماعي للمغرب الحديث. وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها أغلب قرى المنطقة بسبب وعورة المسالك وانعدام الطرق المعبدة، إلا أن سكان تلوات استطاعوا الحفاظ على ثوابتهم الدينية والوطنية، والتمسك بأرضهم، وأسباب عيشهم، وصيانة تراثهم وتقاليدهم وثقافتهم، كما حرصوا على التوازن في بين قيمهم والتكيف مع متطلبات العصر.
وتعد منطقة تلوات قبلة سياحية فريدة، وذلك بما تتميز به من مؤهلات تتمثل في الطبيعة الخلابة والثقافة الشعبية الأصيلة، والتراث المعماري الفريد. لذلك يعد الاستثمار في السياحة بهذه المنطقة اختيارا ناجعا، قد يساعد على تنميتها على عدة أصعدة، وبخاصة إذا حظيت بشبكة من الطرق الحديثة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.