هدية روسية

هدية روسية
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:19

الصحراء.. ثلاث مفارقات وهدية روسية

قد يصبح من المناسب أن نشكر موسكو. لكن بشيء من اللباقة؛ فقد لا تستسيغ الدبلوماسية الروسية تلقي التهاني المغربية على خدمة لم تكن تنوي إسداءها. ففي جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر، عطّلت روسيا المشروع الأمريكي بشأن المينورسو، ثم أخفقت في تمرير مشروعها البديل، لتساهم في إنتاج نتيجة عبّرت الرباط عن ارتياحها لها. والمفارقة أنها أسدت إلى المغرب، من حيث لم تقصد، خدمة جليلة لم يطلبها منها، وربما لم تخطر له على بال.

تتعلق المفارقة الأولى برد فعلنا نحن المغاربة. فقد ارتبط النجاح المنتظر، لدى كثيرين، بصورة محددة: تعديل اسم المينورسو وفتح الطريق أمام تغيير مهامها، والتخلص من الإحالة إلى الاستفتاء في تسميتها. تركّز الاهتمام على هذه الخطوة، حتى كادت تصبح المعيار الوحيد لقياس النجاح. ثم جاء الفيتو الروسي، فكانت خيبة الأمل بحجم التوقعات. قالت موسكو «لا»، وبدا للحظات أن المغرب خسر الجولة.

ثم جاء بلاغ الديوان الملكي لينقل النظر إلى مستوى آخر. فقد رحّب بعدم التجديد باعتباره خطوة نحو الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، وطالب برحيل البعثة. كنا منشغلين بتغيير اللافتة المعلّقة على الباب، فإذا بالبلاغ يفتح النقاش حول مغادرة البناية نفسها. كان الأمل معقودًا على تعديل المهمة، ثم ظهرت إمكانية تجاوزها.

لهذا التفاوت بين الانفعال الأول والقراءة اللاحقة تفسير نفسي. فتوقعاتنا تتحول بسهولة إلى مرجع نحاكم الوقائع على أساسه. نقارن ما حدث بما تخيلناه، قبل أن نفحص ما قد يتيحه فعلًا. وحين تتعثر الوسيلة التي علقنا عليها آمالنا، نتوهم أن الغاية نفسها قد ابتعدت. أما حين تتغير قراءة الحدث، فقد يتغير الشعور به؛ وهو ما يسمى إعادة التقييم المعرفي. هكذا انشغلنا بالباب الذي أُغلق قبل أن نلتفت إلى الباب الذي قد يكون انفتح.

أما المفارقة الثانية فتخص واشنطن. لماذا أصرت الولايات المتحدة على التصويت، مع أن الاعتراض الروسي كان معروفًا؟ ولماذا المضي إلى اختبار يبدو احتمال تعطيله مرتفعًا إلى هذا الحد؟

لم يظهر الخلاف فجأة أثناء الجلسة. فبحسب مؤسسة «سيكيوريتي كاونسيل ريبورت» المستقلة، المتخصصة في متابعة أعمال مجلس الأمن، أبدت روسيا والصين اعتراضاتهما على المشروع يوم 28 أكتوبر، وكسرتا ما يعرف بإجراء الصمت. ومع ذلك، أبقت واشنطن مشروعها مطروحًا. صحيح أن الاعتراض أثناء المفاوضات لا يعني حتمًا استعمال الفيتو، لكن احتمال التعطيل لم يكن مفاجأة يصعب توقعها.

قد يكون للتصويت غرض آخر: إظهار حجم التأييد، وتحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية العرقلة أمام الجميع. فبحصول المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتًا، أمكن لواشنطن أن تقول إن لديها أغلبية، وإن موسكو منعت اعتماد النص. سقط المشروع، لكن المسؤولية عن إسقاطه أصبحت تحمل توقيعًا واضحًا.

غير أن التصريحات الأمريكية تسمح بقراءة أكثر إثارة للمفارقة. فقد رفض مايك والتز التجديد للبعثة بالصورة نفسها، وتحدث عن انسحاب منظم. فهل كانت واشنطن ستجد مصلحتها في الحالتين: بعثة تتغير إذا مر مشروعها، أو عدم تجديد إذا لم يُعتمد أي مشروع؟ وهل كانت موسكو، وهي تظن أنها تعطل المسار الأمريكي، تفتح له مخرجًا آخر؟ يحق طرح السؤال، من دون تحويل الاحتمال إلى معلومة عن تفاهمات لا نملك دليلًا عليها.

وتأتي المفارقة الثالثة من موسكو نفسها. فقد طرحت مشروع الإنقاذ البديل صباح يوم التصويت. لماذا هذا التأخر، ما دام الخلاف معروفًا؟ ولماذا تقديم نص تبدو حظوظ تمريره ضعيفة؟ برر المندوب الروسي غياب المشاورات التقنية بقصر النص، واستناده إلى صيغ سبق الاتفاق عليها، وضيق الوقت. يفسر ذلك استعجال الإجراءات، لكنه لا يفسر تمامًا لماذا لم يُجهّز قارب النجاة قبل اللحظة الأخيرة.

مع ذلك، كان للمشروع البديل نفع سياسي محتمل: أن تتمكن روسيا من القول إنها عرضت الحفاظ على المينورسو، وإن الآخرين رفضوا. وبعد التصويت، أعلن فاسيلي نيبينزيا أن الموقف الأمريكي لم يفاجئه، ثم حمّل معارضي مشروعه مسؤولية إنهاء البعثة. كان الإخفاق متوقعًا، وكانت لائحة الاتهام جاهزة للاستعمال.

بقيت مشكلة صغيرة: إقناع أعضاء المجلس. لم يحصل النص الروسي إلا على ثلاثة أصوات، بعيدًا عن الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده، بصرف النظر عن التصويت الأمريكي ضده. عطّلت موسكو تعديلًا يحظى بأغلبية، من دون أن تجمع التأييد الضروري للإبقاء على الوضع القائم. وبالنسبة إلى عملية إنقاذ، كان قاربها يفتقر إلى عدد كافٍ من المجدّفين.

أهو حساب أمريكي، أم سوء تقدير روسي، أم مجرد حظ مغربي؟ لا تسمح المعطيات العلنية بالحسم. لكن المفارقة قائمة: خلاف القوى الكبرى أتاح للمغرب فرصة ربما لم يكن توافقها ليتيحها.

أهي «كارما» دبلوماسية؟ لندع السؤال لأهل الفلسفة. يستطيع المغاربة، هذه المرة، أن يستحسنوا الهدية من دون الاتفاق على نوايا صاحبها. ففي الدبلوماسية أيضًا، قد تأتي الهدايا مغلّفة بحق النقض.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:00

حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57

مبادرة "رفاه الحيوان"