تمويل السكك الحديدية بإفريقيا ينتقل من الجدوى إلى تحديات التنفيذ

تمويل السكك الحديدية بإفريقيا ينتقل من الجدوى إلى تحديات التنفيذ
صورة: أرشيف
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:42

خلص المشاركون في الجلسة الحوارية الأولى المخصصة لـ”تعبئة رأس المال للسكك الحديدية وآليات التمويل المبتكرة”، ضمن أشغال المنتدى الدولي حول الاستثمار والتمويل في السكك الحديدية بإفريقيا، إلى أن القارة حسمت “مسألة الجدوى” التنموية للنقل السككي، لينتقل النقاش إلى “التحدي العملي” المتمثل في “كيفية تمويل المشاريع وتنفيذها بكفاءة وموثوقية”.

وأجمع المتدخلون، خلال الجلسة التي احتضنتها الرباط، الأربعاء، على أن “الرساميل الدولية والقارية متوفرة ولا تشكل العائق الأساسي، بل يكمن التحدي في ضعف إعداد المشاريع وهشاشة النماذج الاقتصادية التقليدية”.

وأوضحت النقاشات أن “عائدات التذاكر وحركة النقل وحدها لا تغطي التكاليف الرأسمالية الضخمة”، ولذلك دعا المشاركونَ الحكوماتِ إلى “تثمين العوائد السوسيو-اقتصادية، والفصل الدقيق بين مخاطر البناء ومخاطر التشغيل، واعتماد أدوات مبتكرة، من قبيل السندات الخضراء والتمويل المختلط وإعادة تدوير الأصول”.

كما دعت خلاصات الجلسة إلى “التوقف عن مخاطبة الأسواق بوصفها جهات مانحة، والانتقال إلى عرض فرص استثمارية مُربحة ضمن رؤية شاملة للممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد المتكاملة”.

خصوصية النموذج المغربي

في هذا السياق أكد أسامة لشهب، مدير قطب المالية والحكامة والمشتريات بالمكتب الوطني للسكك الحديدية، أن فهم إشكالية التمويل يستدعي أولا إدراك خصوصية القطاع، باعتباره كثيف الرأسمال ويتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية مقابل مردودية مالية مؤجلة على آماد طويلة؛ وفي المقابل يحقق القطاع، بحسبه، “أثرا سوسيو-اقتصاديا ومناخيا فوريا، يشمل تهيئة التراب وخفض الانبعاثات الكربونية”.

وأشار لشهب، متحدثا أمام المشاركين، إلى أن “هذه المنافع لا تنعكس في أسعار التذاكر ولا في رقم معاملات المشغلين، باستثناء خطوط نقل المعادن ذات المردودية الجاذبة”، وهو ما يفرض، في تقديره، على السلطات العمومية “قياس هذه الآثار وتوجيه الدعم اللازم لضمان الاستدامة المالية للمشاريع”.

وبخصوص الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) شدد المتحدث ذاته على أنها ليست “حلا سحريا” لمعالجة المشاريع الضعيفة، بل “آلية لتوزيع المخاطر”، وبحسب توضيحه يتحمل القطاع العام المخاطر السياسية والتنظيمية و”مخاطر نزع الملكية”، بينما يتكفّل الشريك الخاص بمخاطر الإنجاز والتشغيل.

ولهذا أوصى المسؤول نفسه ببناء كفاءات داخلية قوية لدى المؤسسات العمومية لمواكبة عقود الشراكة طيلة مدتها، محذرا من الاكتفاء بالاستشارات الخارجية.

وفي مجال التمويل المناخي ذكّر لشهب بأن المكتب أصدر سنة 2024 أوّل سندات خضراء بقيمة مليارَيْ درهم، لافتا إلى أنه “يعمل حاليا على هيكلة تمويلات مبتكرة مرتبطة بمؤشرات الاستدامة والأداء البيئي”.

“عزل المخاطر” وهيكلة المشاريع

من جهته اعتبر زياد نكت، كبير أخصائيي النقل بالبنك الدولي، أن القطاع يعرف زخما عالميا يستوجب تجاوز المقاربات المجزأة، والاندماج الكامل في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والموانئ الجافة، ونبه إلى تحديات ضعف كثافة الأحجام التجارية في القارة وصعوبات التنسيق العابر للحدود.

ودعا نكت الحكومات إلى عدم تحميل الشركات السككية التزامات الخدمة العمومية دون تعويضات مالية صريحة تحمي ملاءتها، كما نصح بعدم طرح الشبكات ككتلة واحدة في عقود الشراكة، والبدء بالمكونات الأكثر جاذبية تجاريا، مثل الموانئ الجافة وخطوط الربط اللوجستي، مبرزا أن استثمار القيمة العقارية يظل عنصرا مكملا للتمويل المهيكل وليس بديلا عنه.

أما هيثم عيسى، مدير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بالمغرب، فأكد ضرورة التمييز الصارم بين مرحلة التشييد، المحفوفة بمخاطر نزع الملكية وتأخر الأشغال وتجاوز التكاليف، ومرحلة الاستغلال المرتبطة بجودة الخدمة وتوليد الإيرادات، وأوضح أن البناء يستدعي تدخل التمويلات العمومية ومؤسسات التنمية الدولية، فيما يدخل القطاع الخاص وأسواق المال عند بدء التشغيل.

واستشهد المسؤول بتمويل مترو الإسكندرية بمصر، وبمساهمة البنك في السندات الخضراء للمكتب الوطني للسكك الحديدية، التي أتاحت إعادة تمويل الخط فائق السرعة وإعادة تدوير الأموال العمومية في خطوط جديدة، واشترط لجذب المستثمرين توفر إطار تنظيمي شفاف لرسوم استغلال المسارات، ودعم حكومي صريح ومستقر لا يتأثر بتغير الدورات الميزانياتية.

تعبئة المدخرات الإفريقية

بدورهما تناول عبد السلام عبابو، الرئيس المؤسس لـ”ريدميد”، والمهدي بوريس، المدير العام لـ”سي دي جي كابيتال” (CDG Capital)، سبل “تعبئة المدخرات القارية وأسواق الرساميل لتغطية احتياجات استثمارية تُقدَّر بنحو 38 مليار دولار للسكك الحديدية الإفريقية في أفق 2040”.

وأكد المتدخلان “ضرورة القطع مع منطق طلب التمويل كإعانات، والتوجه إلى المستثمرين بحزم مشاريع مربحة قائمة على تنويع المداخيل، عبر استغلال حيازات السكك الحديدية في تمرير الألياف البصرية أو خطوط الطاقة، ومستقبلا الهيدروجين”، وأبرزَا أن “مفتاح النجاح يكمن في التفكيك المالي الدقيق لمكونات المشروع، بحيث يتحمل كل صنف من المستثمرين المخاطر التي تلائم أهدافه وأفقه الاستثماري، وهو ما من شأنه جذب مدخرات مؤسساتية واسعة، كصناديق التقاعد وشركات التأمين”.

وجرى التنويه بالتجربة المغربية، حيث كان المكتب الوطني للسكك الحديدية سباقا إلى ولوج سوق الرساميل الوطنية وإصدار سندات تصل آجالها إلى ثلاثين سنة، مع التشديد على أن وجود مشغل وطني قوي وموثوق يشكل ضمانة لإدارة توازنات الميزانية وتغطية تقلبات الفائدة والصرف.

وخلصت الجلسة إلى أن “انطلاقةَ النهضة السككية بإفريقيا لم تعد رهينة البحث عن تمويلات معزولة، وإنما ترتبط بترسيخ الرؤية الإستراتيجية، وإعداد المشاريع وفق معايير الحكامة والشفافية، وبناء شراكات متوازنة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • سامي
    الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 19:03

    المغرب باكمله اصبح يعيش و يتنفس من اجل افرقيا ، مادا سوف نستفيد منهم ادا كان سكانهم يهربون منها و يتركوها خاوية ؟ الحاجة الوحيدة التي المغرب استفاد من افرقيا هيا اغراق البلاد بالمجرمين و المليشيات

  • متتبع
    الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 19:12

    نتمنى الاستثمار في بلادنا ، بلادنا تحتاج طرق و سكك حديدية

  • الزعتر علي
    الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 19:29

    كمستثمر ساستثمر في اي بلاد استطيع ان اضاعف فيها ثروتي. ومن يضن بان المستثمر يستثمر من اجل أن يشغلك وينتشلك من البطالة فانت واهم.
    الاستثمارات التي تحدث عنها المقال، لا تهمك ولا تتعلق بك وإنما هي تخص افريقا، ولا علاقة بالمغرب بها، فقط انت المكلخ الذي لا يفهم ما تقره. المقال تحدث عن ندوة افريقية اقيمت في المغرب، وناقشت موضع عام يهم بالاستثمار في السكك الحديدية في افريقيا.

  • mouwatin
    الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 19:32

    يعني “التمويل البديل”يعني بيع أصول الدولة للأوليغارشيين، على غرار ما حدث مع المستشفيات والجامعات والمباني الإدارية التابعة للوزارات، ناهيك عن البنية التحتية القضائية؛ إذ تم بيع المحاكم أيضاً، ليبلغ إجمالي المباني العامة المباعة 592 مبنى تحت ذريعة “التمويل البديل”. والآن، بعد أن نفدت الأصول القابلة للبيع، يجري استهداف السكك الحديدية والموانئ والمطارات لصالح فئة من أصحاب النفوذ والمصالح، كما جرت العادة في هذا البلد. إن هذا ليس تمويلاً بديلاً، بل هو إفلاس ممنهج

  • متتبع
    الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:11

    في كل مرة أمر وأنا مسافر بالقطار عبر محطات كثيرة بالمدن المغربية أرى قاطرات وعربات لنقل المسافرين وأخرى لنقل البضائع مركونة وتشغل مساحات كبيرة من هذه المحطات. فأتسأل في نفسي لماذا لا تعطى هذه الآلات لبعض الدول الإفريقية بعد إصلاح اعطابها إن كانت بها اعطاب،وذلك في إطار التعاون المغربي الإفريقي.

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب

صوت وصورة
المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:00

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة

صوت وصورة
خصاص المرافق بسلا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 17:06

خصاص المرافق بسلا

صوت وصورة
السفير اليمني والموقف المغربي
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 15:57

السفير اليمني والموقف المغربي

صوت وصورة
تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 13:00

تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية