حقوق الكلاب، ودم الأطفال

حقوق الكلاب، ودم الأطفال
السبت 18 يوليوز 2026 - 00:46

توجد لحظات يتوه فيها المجتمع عن بوصلته، ويفقد القدرة على تمييز الأولويات، وأخطر هذه اللحظات على الإطلاق هي حين يتحول الدفاع عن الإنسان، عن أبسط حقه في الأمان، إلى موقف يحتاج من صاحبه أن يبرره وكأنه ارتكب خطأ. هذا بالضبط ما يجري اليوم في نقاشنا حول ظاهرة الكلاب الضالة، تلك الظاهرة التي لم تعد مجرد إزعاج بيئي أو مصدر قلق صحي عابر، بل تحولت إلى خطر حقيقي يترصد الأطفال في طريقهم إلى المدرسة، ويهدد كبار السن في مشيتهم اليومية نحو المسجد أو السوق، ويجعل من الخروج لقضاء أبسط الحاجيات مغامرة محفوفة بالمخاطر. الخوف من قطعان الكلاب أصبح، للأسف، جزءا من الروتين اليومي في العديد من الأحياء الشعبية والقرى النائية، بينما لا تزال الجهات المسؤولة تتعامل مع الملف بمنطق الإطفاء الآني، لا بمنطق الوقاية والتخطيط الاستراتيجي.

كل يوم تقريبا تعج صفحات التواصل الاجتماعي بصور مؤلمة: طفل يحمل آثار عضة غائرة في وجهه أو ساقه، شيخ حوصر من طرف قطيع لم يرحمه، امرأة لم تملك سوى أن تركض بأقصى ما تستطيع هربا من أنياب لا ترحم. والأدهى من هذا كله أن هذه المشاهد المؤلمة باتت تمر مرور الكرام، وكأنها مجرد خبر عابر لا يستحق أكثر من بضع تعليقات سريعة قبل أن يبتلعه طوفان المنشورات اليومي وينسى. والسؤال الذي يفترض أن يؤرق الجميع، وهو: إلى متى سيظل المواطن البسيط يشعر بالغربة والخوف في شارع من المفترض أن تكون الدولة هي أول من يحميه فيه؟ هذا السؤال، للأسف، لا يبدو أن أحدا مستعجل للإجابة عنه بجدية.

الدولة اليوم مطالبة بما هو أكبر من حملات موسمية تشتعل مع كل حادثة مؤلمة تثير ضجة إعلامية، ثم تخبو بمجرد أن ينسى الرأي العام القصة وينشغل بغيرها. المطلوب هو سياسة وطنية واضحة المعالم، ثابتة ومستمرة، تعيد للمواطن طمأنينته في شارعه وحيه. سياسة تقوم على جمع منظم للكلاب الضالة، وإحداث مراكز مؤهلة لإيوائها بالشكل اللائق، واعتماد برامج فعلية وممنهجة للتعقيم والتلقيح أينما أمكن ذلك تقنيا وماديا، مع تدخل حازم وسريع في كل الحالات التي تشكل خطرا مباشرا وواضحا على حياة الناس. فمفهوم الأمن لا يجب أن يقتصر على حماية المواطن من الجريمة والاعتداء البشري فقط، بل يمتد ليشمل حمايته من أي خطر آخر يهدد سلامته الجسدية، مهما كان مصدر هذا الخطر.

لكن الذي يثير الاستغراب حقا، وربما أكثر من انتشار الظاهرة نفسها، هو ذلك التناقض الصارخ في خطاب بعض الجمعيات التي تقدم نفسها للرأي العام على أنها المدافع الأول عن حقوق الحيوان. فهذه الجمعيات تتحول فجأة إلى آلة جبارة من البيانات والبلاغات والحملات كلما تعلق الأمر بكلب واحد تعرض لأذى، لكنها، وبشكل غريب ومحير، تختفي تماما وتلتزم صمتا مطبقا في اللحظة بالذات التي يكون فيها الضحية طفلا بريئا تمزق وجهه تحت أنياب قطيع هائج، أو عجوزا سقط أرضا مرعوبا تحت هجوم جماعي لم يستطع الفرار منه. لا نسمع بيانات تضامن مع هؤلاء الضحايا، ولا زيارات تفقدية للمصابين في المستشفيات، ولا حتى ضغطا حقيقيا وجادا على السلطات المعنية لإيجاد حل متوازن يحمي الإنسان والحيوان في آن واحد. صمت مطبق تام حين يكون الدم بشريا، وضجيج لا ينتهي حين يتعلق الأمر بحيوان.

الدفاع عن الحيوان، في حد ذاته، قيمة إنسانية نبيلة لا خلاف حولها، لكنه يفقد كل معناه ومصداقيته حين يتحول إلى أداة لتجاهل معاناة الإنسان وتهميش حقه في الحياة الآمنة. الرحمة الحقيقية ليست انتقائية تُمنح لطرف وتُحجب عن آخر، والحقوق بطبيعتها لا يمكن أن تكون حكرا على فئة دون أخرى. فمن غير المعقول ولا المقبول أن يتحول كل من يطالب بحماية أطفالنا من خطر الكلاب الضالة إلى متهم يُهاجَم ويُشيطَن، وكأن المطالبة بالأمن والسلامة أصبحت جريمة أخلاقية تستوجب المحاسبة. لا أحد، بطبيعة الحال، يدعو إلى القسوة أو العبث بحياة الحيوانات أو تعذيبها، فهذا مرفوض تماما ولا يمثل الحل، لكن في المقابل لا يمكن أبدا أن يتحول المواطن العادي، الطفل أو الشيخ أو المرأة، إلى ضحية محتملة فقط لإرضاء بعض الأصوات التي لا تستيقظ من سباتها إلا حين يتعلق الأمر بكلب.

الطفل الذي يخرج كل صباح إلى مدرسته لا ينبغي، ولا يجوز، أن يحمل في حقيبته المدرسية خوفا خفيا من هجوم مفاجئ في زقاق أو طريق مهجور. والعجوز الذي يقصد المسجد لأداء صلاته لا يجب أن يكون شغله الشاغل، قبل أن يفكر حتى في وجهته، هو كيف سينجو من قطيع كلاب يتربص بالطريق. هذه ليست رفاهية زائدة نطالب بها، بل هي أبسط وأبده حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور والمنطق الإنساني معا. وإذا كانت بعض الجمعيات ترى، ولو ضمنيا، أن حياة الكلب أولى بالحماية والاهتمام من حياة الطفل، فهي بذلك لا تدافع عن حقوق حقيقية، بل تعيد ترتيب سلم القيم الإنسانية بطريقة مقلوبة تجعل الإنسان، أثمن مخلوق على وجه الأرض، آخر اهتماماتها وأضعف أولوياتها.

لقد آن الأوان، وربما تأخر كثيرا، لأن يُحسم هذا النقاش بجدية وحزم، بعيدا عن كل أشكال المزايدة العاطفية أو الديماغوجية التي لا تخدم أحدا في النهاية. حياة الإنسان ليست، ولن تكون يوما، موضوعا قابلا للنقاش أو المساومة، وسلامة أطفالنا ليست ملفا يُترك لتقلبات الرأي العام أو لضغط جمعيات مهما بلغ نفوذها. وعلى الدولة، بكل مؤسساتها ومسؤولياتها، أن تتحمل واجبها كاملا غير منقوص، لا خوفا من ضغط إعلامي عابر، بل وفاء حقيقيا لالتزامها الدستوري والأخلاقي في حماية كل مواطن ومواطنة دون استثناء. أما أولئك الذين يرفعون أصواتهم عاليا دفاعا عن الكلاب، ثم يخيم عليهم الصمت التام حين تنهش الأنياب وجوه أطفالنا الأبرياء، فعليهم أن يدركوا، ولو متأخرين، أن الرحمة التي لا تتسع لتشمل الإنسان أولا ليست رحمة بأي معيار، وأن الحقوق التي تتجاهل الضحية البشرية وتغض الطرف عن معاناتها ليست حقوقا بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل مجرد انتقائية أخلاقية مريحة لا يمكن أبدا أن تبني مجتمعا آمنا، ولا أن ترسي عدالة حقيقية يستحقها الجميع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • مواطن عادي
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 15:21

    ليس هناك أسوء من مفاضلة سوء بسوء. حماية الطفولة واجب والرفق بالحيوان واجب أيضا. من لا يستطيع النظر الى الطبيعة كفضاء مشترك لجميع الكائنات فيجب أن يعيد النظر. فلا يمكن أن نلوم الذئب لان الإنسان روضه لمصالحه الخاصة فأصبح كلبا. وبما أن الإنسان لم يكمل مهمته بايجاد حل لتكاثر الذئاب المروضة، فاللوم عليه وليس على الذئات.
    الأطفال المولودة بعقلانية من طرف آبائها لن تصل إليها الكلاب الضالة، لأن هذا الطفل سيكون في المكان الذي يجب أن يكون فيه هو حضن والديه والمدرسة والاماكن المحروسة ولن بنافس الكلاب في التسكع في البراري والساحات، اما أن تكون هناك طفولة ضالة ونلوم الكلاب الضالة عل عضها، فكل القصة أضحوكة. أن يلد الإنسان كما تلد الكلاب الضالة، تلك هي المعضلة الأولى التي يجب الخروج منها.

  • MMMMMMMMM
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 19:04

    Marrakech rue Alachjar il y a une meute de chiens qui s’est beaucoup agrandie et qui en plus du vacarme continu des aboiements tout le long de la nuit commence à attaquer les motocyclistes. On s’attend malheureusement au pire

  • MMMMMMMMM
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 19:11

    Au “citoyen normal”: Il faudra dons laisser les scorpions et les serpents venimeux vivre en paix parmi nous

  • Abdellah
    الأربعاء 22 يوليوز 2026 - 03:50

    C’est de notre faute car c’est nous qui jette les aliments dans les rues , je me rappelle bien dans les années 70 et 80 dans mon village il n’avait aucun chien parce qu’il n’a rien à manger aujourd’hui beaucoup de chien j’ai vérifié moi même à côté des bacs de déchet plein d’alimentation, vous pouvez allez vous même à vérifié et surtout vendredi soir des sacs pleins de couscous à côté des bacs de poubelles

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 3

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 9

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق