لم يُفتح باب الحملة الانتخابية رسميًا بعد، ومع ذلك فإن الأجواء في المغرب توحي بأن الموسم السياسي الأكثر توترًا قد بدأ فعلًا. في المقاهي، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، وخلف أبواب المقرات الحزبية المغلقة، عادت الوجوه ذاتها إلى الظهور، وتكررت الوعود ذاتها التي سمعناها من قبل، بينما تُعقد التحالفات وتُفسخ بسرعة تكاد لا تمنح أحدًا وقتًا للفهم. لكن اللافت في كل هذا ليس التنافس بين حزب وآخر، بل ما يجري داخل الحزب الواحد. فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد معركة إقناع الناخب، بل معركة إقناع القيادة الحزبية أولًا بمنح التزكية.
هذا ليس مجرد تفصيل إداري صغير يمكن تجاوزه، بل هو مؤشر على تحول عميق يمس جوهر الممارسة السياسية نفسها. فالانتخابات التي يُفترض أن تكون تنافسًا بين برامج ورؤى ومشاريع مجتمعية، تحولت في كثير من الأحيان إلى صراع محموم على “حق الترشح” قبل أن تصل أصلًا إلى مرحلة كسب ثقة المواطن. وكأن السياسة انتقلت من فضائها الطبيعي، وهو المجتمع، إلى فضاء أضيق وأكثر انغلاقًا، حيث تصبح العلاقات الشخصية، وموازين القوى داخل الأروقة، والقدرة على حشد الأتباع، أكثر تأثيرًا من الكفاءة أو من جدية المشروع السياسي المطروح.
ولفهم هذا المشهد بشكل أعمق، لا بد من الاستعانة بعلم النفس الاجتماعي، الذي يذكّرنا بأن الإنسان لا يسعى فقط إلى السلطة، بل يسعى أيضًا، وربما بالدرجة الأولى، إلى الاعتراف. والتزكية هنا ليست مجرد ورقة إدارية توقعها جهة حزبية، بل هي شهادة رمزية تمنح صاحبها إحساسًا بالتفوق والانتماء والشرعية أمام الآخرين. من هنا تتحول المنافسة عليها إلى معركة هوية أكثر منها معركة برامج وأفكار. وحين يشعر شخص أن التزكية انتُزعت منه، فإنه نادرًا ما يفسر الأمر كقرار تنظيمي بحت، بل يراه غالبًا إقصاءً شخصيًا يمس مكانته الاجتماعية وصورته أمام محيطه.
ولهذا نلاحظ، مع اقتراب كل موسم انتخابي، تكرار المشهد نفسه: موجات من الغضب، واستقالات مفاجئة، واتهامات متبادلة بالخيانة وبيع الضمائر والتلاعب في الاختيارات. وهذه ليست مجرد ردود فعل سياسية عابرة، بل هي تعبير عن كرامة مجروحة. فالسياسي، مثله مثل أي إنسان آخر، يبني جزءًا كبيرًا من صورته عن ذاته على الاعتراف الذي يحصل عليه من جماعته، وعندما يُسحب منه هذا الاعتراف فجأة، يشعر وكأنه فقد جزءًا من كيانه.
أما من زاوية علم الاجتماع، فالصورة تزداد تعقيدًا وعمقًا. ففي مجتمعات ما تزال فيها الروابط العائلية والقبلية وشبكات المعارف تلعب دورًا مركزيًا في الحياة اليومية، تتحول الانتخابات بسهولة إلى امتداد طبيعي لهذه الشبكات التقليدية من النفوذ. لم يعد المرشح مجرد حامل لبرنامج سياسي يقدمه للناخبين، بل أصبح، في كثير من الأحيان، ممثلًا لعائلة بأكملها، أو لقبيلة، أو لشبكة مصالح، أو لدائرة من الأتباع الذين ربطوا مصيرهم بمصيره. وهنا يتحول الصراع على التزكية من صراع بين أفراد إلى صراع بين جماعات اجتماعية كاملة، لكل منها حساباتها وأجندتها الخاصة.
وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تتحول بعض المقرات الحزبية، كلما اقتربت الانتخابات، إلى ساحات توتر حقيقية يصعب ضبطها. فكل تزكية تُمنح لشخص تعني، بشكل ضمني، حرمان آخرين منها، بل وربما إضعاف نفوذ مجموعات بأكملها داخل التنظيم الحزبي. ومن هنا تتضاعف الضغوط، وتنتشر الشائعات بسرعة، وتشتد الحملات المضادة بين الأطراف المتنافسة، لأن الجميع يدرك جيدًا أن الفوز الحقيقي يبدأ من الداخل، قبل أن يصل أصلًا إلى صناديق الاقتراع.
لكن الأخطر في كل هذا هو الرسالة السلبية التي تصل إلى المواطن العادي وهو يراقب هذا المشهد من بعيد. فحين يلاحظ الناخب أن الجهد السياسي الأكبر يُستنزف في التنافس على المواقع، لا في النقاش الجاد حول قضايا التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، فإنه يبدأ تدريجيًا في الاقتناع بأن المناصب أصبحت غاية في حد ذاتها، لا وسيلة لخدمة الصالح العام كما ينبغي أن تكون. ومع تكرار هذا الانطباع موسمًا بعد آخر، تتآكل الثقة في العمل الحزبي بشكل عام، ويتوسع الشعور لدى فئات واسعة بأن السياسة أصبحت لعبة مغلقة، لا مكان فيها للمواطن العادي إلا يوم التصويت، حين تُطلب منه ثقته دون أن يُعطى تفسيرًا كافيًا لما جرى قبل ذلك.
ومن زاوية علم النفس السياسي أيضًا، يمكن القول إن كثيرًا من الحملات التي تنطلق مبكرًا لا تكون موجهة أصلًا إلى الناخب، بل إلى الخصوم داخل الحزب نفسه. فكل صورة تُنشر، وكل نشاط ميداني يُنظم، وكل زيارة تُوثق وتُعمم، تحمل في طياتها رسالتين متزامنتين: الأولى موجهة إلى المواطن وتقول له “أنا قريب منكم وأفهم همومكم”، والثانية موجهة إلى القيادة الحزبية وتقول لها “أنا الأقدر على تحقيق الفوز، فامنحوني الثقة”. ولهذا تبدو بعض هذه التحركات، عند التمحيص، أقرب إلى استعراض للقوة الداخلية منها إلى تواصل حقيقي وصادق مع المجتمع.
والمفارقة اللافتة أن هذه الحملات المبكرة قد تحقق، في نهاية المطاف، نتائج عكسية تمامًا لما كانت تسعى إليه. فالإنسان، من الناحية النفسية، يميل مع الوقت إلى التكيف مع الرسائل المتكررة، وكلما طال تعرضه لها فقدت تدريجيًا قدرتها على التأثير فيه. ولذلك قد يصل الناخب إلى موعد الاقتراع وهو منهك أصلًا من الضجيج السياسي المتراكم، غير قادر على التمييز بوضوح بين الوعود الصادقة والشعارات الموسمية التي لا تلبث أن تتبخر بعد الانتخابات مباشرة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم، مواطنين وسياسيين على حد سواء، ليس “من سيحصل على التزكية؟”، بل “ماذا سيقدم هذا المرشح للمغاربة بعد أن يحصل عليها فعلًا؟”. فالمواطن الذي يواجه يوميًا غلاء المعيشة، ويقلقه مستقبل أبنائه، وينتظر خدمات أفضل في التعليم والصحة والشغل، لا تشغله كثيرًا تفاصيل المعارك الداخلية للأحزاب، بقدر ما تشغله النتائج الملموسة التي يمكن أن تلمس حياته اليومية فعلًا. فهو، في النهاية، لا يمنح صوته لزعيم انتصر على رفاقه في معركة داخلية، بل لمن يثبت أنه قادر على الانتصار لمصالح الناس الحقيقية.
وفي الأخير، يمكن القول إن الديمقراطية لا تُقاس بكثرة اللافتات المعلقة في الشوارع، ولا بطول الحملات الانتخابية، ولا بعدد المؤتمرات الصحفية التي تُعقد هنا وهناك، وإنما تُقاس بقدرة الممارسة السياسية على تحويل المنافسة من صراع بين الأشخاص إلى تنافس حقيقي بين الأفكار والبرامج. أما إذا استمرت الانتخابات في أن تكون مجرد سباق محموم نحو التزكيات، فإن الخاسر الأكبر لن يكون هذا الحزب أو ذاك، بل ثقة المواطن نفسها، وهي بمثابة الثروة السياسية الأغلى، التي إذا ضاعت مرة، يصعب استعادتها مهما بُذل من جهد بعد ذلك.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.