للسِّياسَة قَامُوسٌ عجيبٌ؛ تبدأ فيه الكلماتُ بربطة عُنق، ثم تنتهي أحيانًا بملابس السّباحة. وفي كل موسم انتخابي، تتكاثر الخطب الثقيلة، وتنتفخ الوُعود، وتزدحم المنصّات بعبارات التنمية والإصلاح وخدمة المواطن. ثم تأتي جملة صغيرة، خفيفة في ظاهرها، فتختصر المشهد كله وتترك وراءها ألف سؤال يسبح من غير طوق نجاة.
في لقاء تواصلي، أطلقت زعيمة حزبية عبارتها الذّهبية: «المرشّح مكيتلاحش بلا مَايُو». وفجأة خرجت الانتخابات من صناديق الاقتراع، ودخلت خزانة الملابس، ونزلت الديمقراطية إلى الشاطئ تحمل منشفتها وتبحث عن مكان قريب من أصحاب النّفوذ.
يستر المايو في اللغة العادية الجسد ويساعد صاحبه على دخول الماء؛ أمّا في اللغة الانتخابية، فيؤدي وظائف أكثر تعقيدًا: ربما يمنح المرشح جرأة لا توفرها الأفكار وحدها. وكلما ارتفع ثمن المايو، ازدادت ثقة المرشح في قدرته على السباحة، حتى لو لم يعرف الفرق بين البحر وحوض الاستحمام.
حين صار القماش أبلغ من البرنامج
كما يمكن للعبارة أن تحمل معنى الاسْتعداد، وهذا وجهها المهذب. لا يدخل العاقل معركة انتخابية من غير معرفة بالدائرة، ومن غير حضور ميداني. غير أن السخرية تبدأ عندما نسأل: من يخيط هذا المايو؟ هل تنسجه الكفاءة؟ هل تدفع المعرفة ثمنه؟ هل تطرزه سنوات العمل إلى جانب المواطنين؟ أم تحكُم خياطته العلاقات، وتضع عليه المصالح ختم الجودة؟ وفي المعنى الأبرز، يرمز المايو إلى الجاهزية، ويغدو تصريحًا ضمنيًا يسمح لصاحبه بدخول المسبح الحزبي، بينما يكتفي أصحاب الأفكار بمشاهدة الماء من خلف السّياج؛ والمرشح الذي لا يملك مايو لا يحمل برنامجًا محترمًا، وضميرًا يقظًا، ومعرفة دقيقة بمشكلات دائرته، ولا يعرف أين تنقطع الطرق، وأين تغيب المدرسة، وأين ينتظر المرضى طبيبًا لا يأتي.
هكذا يتحول الحزب من مدرسة لتكوين النخب إلى متجر للألبسة الانتخابية. لا يبحث عن مُواطن يملك رؤية، وإنما ينتظر مرشحًا جاهزًا يحمل قاعدته الانتخابية في جيْبه، ويجلبُ مقعده معه، ثم يمنح الحزب شرف الجلوس عليه. ذلك أن الحزب يريد مَحصولًا ناضجًا من غير أن يزرع، وسبَّاحًا مُحترفًا من غير أن يبني مَسْبحًا، وانتصارًا مضمونًا من غير أن يخوض معركة الأفكار، حتى الناخب يجد مكانه داخل هذا الشاطئ السياسي حينَ يتحول صوته إلى قطرة ماء، ويصير البرنامج واقيًا من الشّمس، ويتحوَّل الشعار إلى مِنشفة مُلونة، ويصبح التَّحالُف عوَّامة مَطّاطية يلجأ إليها من يخافُ الغرق.
الذين أتقنوا ارتداء البحر
قد يخرج فقهاء الحزب لشرح العبارة وتلطيف معناها. سيقولون، كما أسْلفتُ، إن الزعيمة قصدت الاستعداد، وإن السياسة تحتاج الإمكانات، وإن الانتخابات لا ترحم الهواة. كلام سليم من الناحية التقنية، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري: هل تصنع الأحزاب مرشحيها، أم تفتح أبوابها فقط لمن يصل مرتديًا مايوه الخاص؟ إذا أرادت الزعيمة الكفاءة، كان بوسعها أن تقول: “المرشح خاصو يكون مؤهل”.
لكنها اختارت المايو، فاختارت معها بحرًا كاملًا من الدلالات. وفي الانتخابات المقبلة، قد تتحول اجتماعات التزكية إلى عروض أزياء سياسية: سيأتي هذا بمايو المال، وتأتي تلك بمايو العائلة، ويحضر ثالث بمايو الشهرة، ويستعرض رابع مايو الترحال من حزب إلى آخر. أما صاحب المشروع، فقد يقف في آخر الصَّف لأن أفكاره لا تحمل العلامة التجارية المطلوبة، وقد ينصحُه أحد الخُبراء قائلًا: الأفكار جميلة يا صديقي، لكنها لا تصلحُ وحدَها للسِّباحة في هذه المياه.
حين يَطوي مَوْسم الانتخابات مَناشِفَه
يا لها من عبارة قصيرة! لم تحتج إلى تقرير طويل كي ترسم واقعًا بكامل الوضوح. كشفت المسافة بين منطق المواطنة ومنطق الجاهزية المائية، وشَرحَت كيف يختلطُ النِّضال بالتَّسويق، وكيفَ يتحوَّل التَّرشيح من مسْؤُولية عامّة إلى استثمار مَوسِمي.
وعندما ينْحَسِرُ مَدُّ الانتخابات، ويُغادر المرشَّحون الشّاطئ، وتختفي المظلات واللاّفتات، يبقَى السُّؤال الذي لا يغرقُ: من سبح لخدمة النّاس، ومن اكتفى باسْتعراض مايُوه؟ فالبحر الحقيقي يمتدُّ خمس سنوات بالتّمام والكمال، تحْمل أمواجُه البطالة والمرض والتعليم والسّكن والكرامة. هناك لا تنفع الألْوان الزاهية، ولا تحمي العَلامات الغَاليةُ صاحبها، ولا تمنحُ العوّامات بُطولة مزيّفة إلى الأبد. تحتاج الديمقراطية من يعرفُ السّباحة ويتحمَّل مسؤولية البَحْر؛ أمَّا من لا يملكُ غير المايو، فسَوْفَ يكتشفَ النّاسُ مع أوّل مَوْجَةٍ أنّه لمْ يتَعلّم السّباحة قَطُّ.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
الديمقراطية ليست شاطئاً آمناً نقف عليه ونطالب الآخرين بخوض البحر. إنها مسؤولية قبل أن تكون حقاً، وشجاعة قبل أن تكون شعاراً. فمن أراد أن يقود الناس، فعليه أن يعرف السباحة، وأن يتحمّل الموج حين يشتدّ، لا أن يترك الآخرين يغرقون ثم يكتفي بوصف العاصفة.
مقال عميق ورائع
شكرا هسبريس وشكرا للأستاذ لحجمري