خدام الجماعة وخدام الوطن

خدام الجماعة وخدام الوطن
أرشيف
الخميس 17 دجنبر 2020 - 01:11

من السهل جدا أن تتوسط عدسات الكاميرات العابرة وتشرع في بسط شعارات ببلاغة وزخرف شكلي بهدف دغدغة العواطف وإثارة الأحاسيس وحشد التأييد، وأنت قابع في بيتك الدافئ، تحتسي كوب شاي ساخن، تَزْبَدُ وتَرْغَدُ وتَتَأَفَفُ، تعِظ وتُرشِدُ، تُنَظِرُ وتُخَمِنُ وتَتَكَهَنُ وتَسْتَدِلُ وتُدِينُ وتَسْتَنْكِرُ. “إن أبشع ما يقع في حياتنا” وهذا قول للأديبة السورية غادة السمان “يتم غالبا تحت أجمل الشعارات وأنبلها”، التي غالبا ما يكون مآلها السقوط بحكم عالم متغير لا تصمد فيه إلا الثوابت بحكم الإجماع والمنطق والتاريخ. وكما قال الشاعر العراقي عدنان الصائغ: “لم يجوعني الله ولا الحقول، بل جوعتني الشعارات”.

فبين “الشعار والحقيقة هوة سقطنا فيها ضائعين”، وهذا قول لنجيب محفوظ. فهل كتب لنا هذا القدر، حتى أصبحنا نردد ونجتر شعارات أصبحت في عداد المصطلحات الجامدة أو المسكوكة بتعبير اللسانيين، ولم نولي أنفسنا عناء الوقوف على تقييمها يوما حتى نعاين نجاعتها أو محدوديتها قياسا بواقع الحال واستنادا إلى خلاصات الواقع؟ ثم هل يقتصر الأمر على إثارة النعرة القومية والمشترك الديني في حل الأزمات وتجسيد التضامن وتراص الصفوف باسم هذا المشترك؟ اسمحوا لي هنا بالاختلاف! فالصيد لمن صاده لا لمن أثاره. وبقليل من الواقعية نستشف أن الولاء القومي، ولو كان أنبل شعور الانتماء، فإنه لم ينفع طوال التاريخ لرأب الصدع بين الإخوة وأبناء العمومة وأبناء الوطن والجيران؛ فكل الحروب هي حروب أهلية لأن جميع البشر إخوة. والحياة، كما تذكر بذلك الحكمة، حرب! حرب مع نفسك وحرب مع ظروفك وحرب مع الحمقى الذين خلقوا هذه الظروف.

يجمع العديد من الملاحظين على أن أسرع طريقة لكسب شعبية فورية في الشارع العربي هي تخوين وتجريم “التطبيع”؛ وهو أمر له ما يبرره بحكم الأزمات والمطبات التاريخية التي عرفها الصراع العربي الإسرائيلي؛ إذ بلغ عدد الشهداء المدافعين عن الحق الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها منذ عام 1948 100 ألف شهيد حسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني؛ فيما بلغ عدد خسائر الأرواح في صفوف الجنود الإسرائيليين، حسب إحصاء لوزارة الجيش الإسرائيلية لسنة 2014 أكثر من 23169 جنديا.

لكن قبل الحديث عن العلاقات مع إسرائيل دعونا نستعرض العلاقات العربية وبين “الأشقاء” العرب. وهل كانت دائما طبيعية علاقة بمفهوم “التطبيع”؟ وهل شفعت العقيدة واللسان والتاريخ والقومية ومفهوم الأمة في توحيد الكلمة والصف والهدف؟ وهل الأمر يتعلق بقوة إسرائيل أم شتات الصف العربي ونهش بعضهم البعض هو منبع الضعف؟ وكيف لهذا الصف أن يتقوى ودول جارة، ينادي المؤذنون للصلاة فيها في وقت واحد ليتم التوجه صوب القبلة نفسها، لا تفوت فرصة للتربص بوحدة تراب جارتها، وتنفق الملايير على حساب رفاه مواطنيها فقط لإذكاء العداء بين شعبين شقيقين.

بل يشهد التاريخ أن جارتنا، وهي تستضيف فعاليات المجلس الوطني الفلسطيني عام 1987 بالجزائر العاصمة، أصرت على أن تحول اللقاء إلى بوق لمجموعة من المغرر بهم من أبناء المملكة الجارة، لتشبّه فيها “الشعب الصحراوي” الوهمي بالشعب الفلسطيني الباسل؛ بل شبهت شهداء الوحدة المغاربة الأحرار بالصهاينة وأمام مرأى ومسمع “الأشقاء”، وفي حضرة الراحل ياسر عرفات رحمة الله عليه.

وتشاء الصدف أن يلقي الراحل محمود درويش، رحمه الله، رائعته “مديح الظل العالي” أمام الحضور وهو يقول: “سقط القناع- لا إخوة لك يا أخي، لا أصدقاء يا صديقي، لا قلاع. وتمت رشوة القاضي فأعطى وجهه للقاتل الباكي. سرقت دموعنا يا ذئب، تقتلني وتدخل جثتي”..

ويشهد التاريخ أنه وقبل ثلاث عشرة سنة، أي عام 1974، احتضنت المملكة المغربية القمة العربية في الرباط. وبمجهود جبار وذكاء خارق انتزع الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، من دول العالم غربا وشرقا، اعترافا رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني؛ وهو أهم إنجاز تحقق للشعب الفلسطيني الشقيق طيلة مسيرته النضالية.

نجرم “التطبيع” ونبيح جرم “القطيعة”، وهي حتى في حكم تفسير الأحلام تدل على الضلالة وعلى ما يوجب الشتات والتهاجر. وسيد الخلق عليه أسمى صلوات الله وسلامه يوصي: “لا تقاطعوا ولا تدابروا”.

مرة أخرى، وبعيدا عن الشعارات، وبقليل من البراغماتية، يكفي النظر إلى الأرقام لنلاحظ أن عدد الفلسطينيين المتواجدين بإسرائيل بلغ حسب إحصاء 2013 ما يفوق 1 مليون و400 ألف، أي ما يناهز %21 من مجموع سكان إسرائيل؛ فيما بلغ عدد العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل والمستوطنات من حملة التصاريح أو الهوية الزرقاء، حسب إحصاء 2017، 128.400 عامل، ناهيك عن آلاف العمال الذين يعملون دون تصاريح. وفي هذه الأرقام عبرة لأصحاب الشعارات القابعين في دورهم ينددون ويستنكرون.

لقد أصبح واقعا اليوم عزل المسار الفلسطيني عن المسار العربي بفعل فرض إدماج إسرائيل في المنطقة، وهو ما يفسره الملاحظون كنتيجة حتمية لمجموعة من الأسباب: أولها الضعف والتفكك التي تعيشه الحركة الوطنية الفلسطينية وفشلها في تجاوز خلافاتها الداخلية، ثانيها تشرذم الصف العربي عبر نزاعات وصلت إلى دق طبول الحرب بين “الأشقاء”، وثالثها الصراعات الداخلية في البلدان العربية وانشغالها بأزماتها الداخلية في زمن الوباء والثورة الرقمية، ورابعها فرض الأمر الواقع وقبول إسرائيل كقوة فاعلة في الشرق الأوسط.

أفاد أحد الأدباء بأن السياسة حرب باردة، والحرب سياسة ساخنة؟ فهل يصدق القول إن “السلام هو غاية الحرب؟”.

يتبع..

‫تعليقات الزوار

2
  • Abdellah de France
    الجمعة 18 دجنبر 2020 - 16:48

    Bravo Mr Ouzzine
    Analyse pertinente déclinée avec un style arabe brillant
    Merci

  • الهويدي
    الأحد 20 دجنبر 2020 - 12:18

    السلام عليك يااستاد ازين سلم فكرك وبارك الله في صحتك ، مقالتك علمية لقد اصبت في تحليلك للتطورات التي تعرفها المنطقة العربية، الكون في تغير مستمر وفق القوانين الخاضع لها وكدلك البشر لا شيء ثابث لا عدوات دائمة ولا صداقات الكل يتغير حسب الظرفية من كان عدوا بالامس يمكن ان يصبح صديقا ، العلاقات الدولية تقتضي مرعاة مصالح الشعوب لدى لابد من اخد بعين الاعتبار دلك.

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30

أوحال وحفر بعين حرودة

صوت وصورة
تدخين السجائر الإلكترونية
الجمعة 15 يناير 2021 - 10:30

تدخين السجائر الإلكترونية

صوت وصورة
حملة أبوزعيتر في المغرب العميق
الخميس 14 يناير 2021 - 21:50 28

حملة أبوزعيتر في المغرب العميق

صوت وصورة
سائقة طاكسي في تطوان
الخميس 14 يناير 2021 - 20:12 9

سائقة طاكسي في تطوان

صوت وصورة
كشف كورونا في المدارس
الخميس 14 يناير 2021 - 16:30

كشف كورونا في المدارس