خطاب العرش والانتخابات

خطاب العرش والانتخابات
الإثنين 10 غشت 2026 - 14:53

دائما يأتي الخطاب الملكي، بمناسبة تخليد ذكرى عيد العرش المجيد، وفي كل المناسبات، ليقدم رؤية استراتيجية عميقة، يعتمد لغة بسيطة (السهل الممتنع)، كما يعتمد خطابا بيداغوجيا (أبويا) يستهدف الذات الجمعية المتلقية، في مستوياتها المختلفة، وفي أبعادها الروحية والنفسية والعقلية. إنها رؤية الأمة- الدولة ما فوق المجتمع لتجديد مقومات الاستمرارية، كما هي رؤية لحل التناقض الموضوعي القائم في المجتمع، في الوقت المناسب، عن طريق تقديم خيارات ملائمة وممكنة وسياقية، تأسيسية مركبة، عن أسئلة الحاضر واستشراف المستقبل.

لهذا نجد الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، يشخص حالة البلاد وما نعيشه اليوم، ويعتبر هذه المرحلة، من تاريخ بلادنا السيادي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، مرحلة فاصلة في المسار التنموي، تقتضي أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط. فلماذا الثقة والتفاؤل بدل اليأس والإحباط، ونحن مقبلون على خوض غمار استحقاقات انتخابية، برهاناتها، هي بمثابة وعاء لمرحلة انتقالية نوعية؟

الجواب ببساطة هو أن اليأس والإحباط يقتل السياسية، ويروي نزوع الشعبوية والعدمية، وحتى اللامبالاة في أحسن الأحوال. فالسياسة باعتبارها فن الممكن، تدعو إلى قراءة الواقع كما هو، بواقعية، بتحليل ملموس لطبيعة التناقض في بنية المجتمع وتراكماته، ودرجة تطوره، وطبيعة التعبيرات السياسية والتمثيلية فيه. وهي، في الوقت ذاته، قراءة للممكنات، ولميزان القوى، ولأدوات الفعل السياسي وشرطياته الذاتية والموضوعية. ومن ثم، فالسياسة بما هي مضمون اجتماعي، فإنها ليست معطى مجرد يمارس في الفراغ، وإنما هي آلية وفعل في الواقع الراهن والحاضر تحكمه قدرة الذات الفاعلة، وطبيعة وعيها بهذا الواقع وعيا تاريخيا واجتماعيا، كما تحكمه رؤيتها للمستقبل.

إن خطاب اليأس والإحباط لا يطور الفعل السياسي، ولا ينمي وعيه، بقدر ما يُزَيِّفه، يحافظ على الوضع السائد، أو يعيد إنتاجه بشكل أسوء. ولا يستفيد منه إلا أولئك الذين لا يريدون للفعل السياسي أن يتطور، أولئك الذين يستثمرون في ابتعاد المواطن عن المشاركة، أو يريدون أن تكون هذه المشاركة، في أحسن الأحوال، مشاركة القطيع المغلوب على أمره، لا مشاركة المواطنة الواعية، بل هناك ما هو أكثر، فالمتشبعون بفلسفة الأنوار المظلمة، فلسفة الرأسمالية الرقمية وامتداداتها وتجلياتها، صاروا ضد الديموقراطية نفسها حتى في أعتى النماذج الديموقراطية وأعرقها، ويرون أن الخبرة التنفيذية، والخوارزميات، وبنوك المعطيات والمعلومات، هي وحدها القادرة على إنتاج السياسات العمومية وتدبير التناقضات والتفاوضات والتوافقات. فيا ترى ما القوى التي تريد كل هذا في السياق المغربي الراهن؟ إنها، من جهة، تلك التي تستثمر في الجهل، وفي اقتصاد الانتباه، والإعلام والقوة الناعمة، ومن جهة ثانية، تلك التي تستثمر في الشعبوية والعدمية، ما دام الهدف واحدا، هو دفع هؤلاء المواطنين اليائسين المحبطين للتخلي عن استعمال سلاحهم الوحيد الممكن، للتأثير في ميزان القوى، في اتجاه حل التناقض بشكل متقدم وسلمي، سلاح المشاركة المواطنة الواعية لتطوير الفعل السياسي ببلادنا.

إن التناقض الموضوعي في بنية المجتمع، بين كتله ذات الوجود الموضوعي، يتم تدبيره عن طريق الديموقراطية كخيار استراتيجي داعم للاستقرار؛ والديموقراطية باعتبارها كائنا حيا يتنفس حرارة الواقع، في ضوء شروطه الموضوعية، تتخذ لنفسها شكلها الملائم، ونموذجها الممكن الذي يتطور بتطور الفعل السياسي وأدواته وتنظيماته؛ وتطور الفعل السياسي رهين بتطور أمرين: التحليل الملموس للواقع باعتباره منتجا للوعي التاريخي والاجتماعي الممكن، ثم المشاركة المواطنة الواعية. والأمران معا يتغذيان على روح الثقة والتفاؤل لا على خطاب اليأس والإحباط.

وحيث أن الشرط الموضوعي له إيقاع تتحكم فيه عوامل عدة، وعلى رأسها طبيعة التناقض وتراكماته، وطبيعة أطرافه، فإن الفعل السياسي، ذاته، يخضع لهذا الإيقاع كما يخضع لإيقاع تطور الذات الفاعلة وموقعها ضمن شبكة التفاعلات الاجتماعية التي تعبر عن نفسها بميزان القوى. لهذا، فإن الأمر يقتضي أن تحكم الفعل السياسي رؤية استراتيجية مركبة لا اختزالية، رؤية الإمكان التاريخي في مداه الزمني الممتد، الزمن الحضاري، وليس الزمن الانتخابي، وحسب. علما بأن الرؤية الاستراتيجية نفسها، كما تتجلى في الرؤى التكتيكية المرحلية (الزمن الانتخابي)، فهي تتجدد وفق ما تواجهه هذه الرؤى التكتيكية من تحديات في تفاعلها مع الواقع الموضوعي وما يفرزه من إكراهات وتحديات ورهانات. ومن ثم، قد تفرض مرحلة ما، من تطور التناقض الموضوعي في بنية المجتمع، أن تتوحد الاستراتيجية مع التكتيك، فتصير الاستراتيجية هي الشكل الأكثر فعالية تكتيكيا، كما يصير التكتيك هو الشكل الأكثر تعبيرا وتجليا لهذه الاستراتيجية. طبيعة المرحلة الحالية التي تعيشها بلادنا تنطبق عليها هذه الحالة. فالأمن والاستقرار هو الرأسمال الاستراتيجي، وهو أساس بناء القوة الوطنية، والقوة الوطنية بما هي تنمية للرأسمال الوطني، فهي أساس الدفع بالتنمية الاجتماعية نحو التقدم، والتنمية الاجتماعية باعتبارها مردودية للاقتصاد الوطني، هي أساس الأمن والاستقرار الاستراتيجي. هكذا يمكن تفسير خصوصية المرحلة باعتبارها مرحلة مفصلية لانتقال نوعي تتوحد فيه الاستراتيجية (الزمن الممتد الحضاري) بالتكتيك (الزمن الانتخابي)، وهكذا تفسر أهمية الانتخابات المقبلة كموضوع لرهان تكتيكي من جهة، وكنقطة تحول نوعي لرهان استراتيجي، من جهة ثانية، للانتقال من بناء الدولة إلى بناء القوة الوطنية، ما دام هذا الانتقال يقتضي أولا حل التناقض داخل الكتلة الاجتماعية السائدة سياسيا.

وهذا الحل السياسي لا يمكن أن يحقق فاعليته إلا في ضوء رؤية استراتيجية لتجديد الاستمرارية والتأسيس المركب لمقومات كسب رهانات المستقبل. وهذه المقومات تكمن أساسا في إعادة ضبط العلاقة بين الاقتصادي والاجتماعي ضمن نموذج تنموي قائم على الدينامية والتراكم من جهة، وتمتين العلاقة بين القوة الوطنية والاستقرار من جهة ثانية.

لماذا، إذن، يجب الاستثمار في روح الثقة والتفاؤل بدل تعزيز الاستثمار في خطابات اليأس والإحباط، وفي المشاركة بدل التخلي أو النكوص، أو حتى الهروب إلى الأمام؟ إن المرحلة المفصلية التي تعيشها بلادنا تستلزم وعيا تاريخيا واجتماعيا ممكنا، يجعل الانتخابات المقبلة قادرة على أن تكون الوعاء الديموقراطي لتدبير التناقض الأساسي في المجتمع، وحله حلا سياسيا ملائما. بهدف تيسير الانتقال إلى مرحلة جديدة ونوعية، قوامها الانتقال من بناء الدولة إلى بناء القوة الوطنية، ومن ترسيخ فلسفة ومقومات الدولة الاجتماعية، في ضوء الخصوصية الوطنية، إلى تحقيق التقدم الممكن عن طريق إعادة ضبط وتعديل مسار ترسيخ مقومات العدالة الاجتماعية والمجالية.

نحن الآن أمام سؤالين: الأول، لماذا يجب أن نستثمر في الثقة والتفاؤل؟ والثاني، كيف يمكن أن تكون المشاركة، يقظة بوعي تاريخي واجتماعي ممكن، خيارا لجعل الفعل السياسي المرحلي فعلا للتقدم النوعي؟

للجواب عن السؤالين ننطلق أولا من خطاب العرش لهذه السنة بما يحمله من رؤية استراتيجية في بعديها التجديدي والتأسيسي. وخاصة أنها رؤية، في أساسها، تعكس، بشكل مركب، إرادة ملكية، وتعبر عن إرادة مجتمعية. إنه، إذن، خطاب يعكس رؤية تستند إلى روح المسؤولية الجسيمة، والأمانة العظيمة، والجدية في القيادة، ونظام للحكم، من جهة، كما تستمد روحها من تطلعات المجتمع المستقبلية وآفاقه التنموية، من جهة ثانية. وهكذا يصير الخطاب الملكي درسا بليغا موجها لكل الذين اختاروا الارتباط بالشأن العام أو الخوض في غماره، من فاعلين سياسيين ومدنيين، من أكاديميين ومثقفين، من صحافيين وإعلاميين. وهذا الدرس البليغ مضمونه أن القوة الوطنية لا تبنى في الفراغ، ولا في عزلة، ولا بشكل أوتوماتيكي، وإنما تُبنى بالإنسان ومن أجله، تُبنى بالروح الوطنية، بالإرادة الصادقة، بالجدية، بالمسؤولية، بالالتزام، بالأمانة.

في هذه المقالة سأستدعي، من أجل تحسين الفهم وفهم الفهم لتنمية الوعي الممكن بأهمية الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، من جهة، وتحليل رهاناتها تحليلا موضوعيا، في ضوء هذا الخطاب الملكي، من جهة ثانية، مفهومين هما: مفهوم الإرادة كما اشتغلتُ عليه في بعده الفلسفي التربوي البيداغوجي، ومفهوم الكتلة الاجتماعية، كما بلوره المرحوم عبد السلام المودن منذ أزيد من أربعة عقود من الزمن، في مقالة له تحت عنوان “الكتلة الاجتماعية ومسالة الصراع الاجتماعي”، منشورة بجريدة أنوال بتاريخ 15 دجنبر 1986. ليس بهدف بيان قدرة المفهوم الأول، نظريا وتطبيقيا، على التحرك خارج نطاق اشتغاله، وحسب، وإنما للاستفادة منه في الإجابة عن سؤال: لماذا الاستثمار في الثقة والتفاؤل في هذه المرحلة ضروري. وليس بهدف إعادة إنتاج المفهوم الثاني في سياق مختلف لبيان صلاحيته النظرية وقدرته على استيعاب الواقع الموضوعي في الوقت الراهن، وإنما لتأطير التحليل وفق رؤية نظرية مختلفة تحكمه وتدفع به نحو إنتاج رؤية واقعية للفعل السياسي الممكن، عن طريق الاستثمار الجيد في المشاركة المواطنة الواعية.

على هذا الأساس النظري سأقارب في هذه المقالة موضوع ” خطاب العرش ورهانات الانتخابات المقبلة” من خلال مدخلين: مدخل بيداغوجي من خلال فلسفة الإرادة بأبعادها السبعة، لتعميق الفهم بروح الثقة والتفاؤل ( الحلقة الأولى)، ثم مدخل سياسي من خلال مفهوم الكتلة الاجتماعية في سياقه الحالي، لتنمية الوعي الممكن، بدل الوعي الزائف الذي يعززه خطاب اليأس والإحباط (الحلقة الثانية).

المدخل التربوي من خلال فلسفة الإرادة:

في خطاب العرش لهذه السنة، تتكامل أبعاد الإرادة الملكية مع الإرادة المجتمعية، لتشكل نسيجا واحدا تعكسه الرؤية الاستراتيجية في بعديها التجديدي(الاستمرارية)، والتأسيسي (الانتقال النوعي لبناء القوة الوطنية). وهذه الأبعاد الإرادية هي: إرادة المعرفة، وإرادة القوة/التمكين، وإرادة العيش المشترك، وإرادة المعنى، وإرادة التعقيد، وإرادة التشبيك، ثم إرادة النمو.

تتجلى إرادة المعرفة في اعتراف الخطاب السامي بأن الإنجازات التي تحققت لم تكن وليدة الصدفة، وإنما هي نتاج رؤية واضحة، ومنهجية قائمة على التقييم الذاتي. ومن ثم، فإن إرادة المعرفة في الخطاب تعني قدرة الدولة على قراءة واقعها بموضوعية واستخلاص الدروس للمستقبل. وهكذا يؤسس الخطاب لنموذج معرفي يقوم على تجاوز النظرة اللحظية للسياسة، والانتقال إلى نظرة تراكمية تتأسس على فهم عميق لديناميات التنمية. يقول صاحب الجلالة: “إن كل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومنهجية حكومية تقوم على المبادرة والمواكبة الدقيقة والتقييم الذاتي البناء والنظرة المستقبلية”. كما أشار جلالته إلى أن الإنجازات “تتجاوز الآفاق الحكومية والبرلمانية”، وتأتي نتيجة “سنوات من العمل التراكمي والمستمر”.

تعتبر إرادة القوة/ التمكين هي الأكثر حضوراً في الخطاب، حيث تُعرض الإنجازات الصناعية كدليل على بناء قوة وطنية حقيقية، لا تقوم على الهيمنة، وإنما على التمكين الذاتي والمناعة الاقتصادية في ترسيخ التنمية الشاملة وتعزيز مردوديتها الاجتماعية. ومن ثم نفهم إرادة القوة في الخطاب كقدرة على الفعل في العالم، وليس كقدرة على السيطرة.

فالانتقال من اقتصاد المواد الأولية إلى اقتصاد القيمة المضافة والتكنولوجيا المتقدمة (محركات الطائرات، البطاريات الكهربائية، الهيدروجين الأخضر، الصناعات الدفاعية) هو تجسيد عميق لهذه الإرادة. ومن تم فإن القوة على هذا المستوى، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق السيادة والكرامة الوطنية. فقد أكد جلالة الملك على أن “تعزيز السيادة الوطنية والاكتفاء الذاتي الاستراتيجي أصبح ركيزة في تنميتنا الصناعية” ، في ظل “عودة السياسات الحمائية وتأمين سلاسل الإنتاج والتوريد”. كما أشار إلى أن قطاعي السيارات والطيران يشكلان الآن أكثر من 40% من الصادرات المغربية، متفوقين على الفوسفاط، وإلى أن الصناعات الغذائية والدوائية تغطي حوالي 80% من الاحتياجات الوطني”.

تتجلى إرادة العيش المشترك في هذا الخطاب عبر التأكيد على البعد الاجتماعي للتنمية، وعدم فصل الازدهار الاقتصادي عن العدالة الاجتماعية والمجالية والتماسك الوطني. ومن ثم، فإن إرادة العيش المشترك ليست شعاراً عاطفياً أو مجرد خطاب قيمي، وإنما هي، بالإضافة إلى ذلك، مبدأ تنموي. حيث نفهم بأن الاستقرار السياسي والمؤسساتي هو رأس مال استراتيجي يُمكّن من تحقيق التنمية. وعليه، فإن الاستقرار هنا لا يعني انتفاء الصراع الاجتماعي وغياب التناقض في تجلياته الرئيسية والثانوية، وإنما يكمن في قدرة المجتمع، ذاته، على التماسك والنهوض معاً عن طريق التدبير الجيد لتناقضاته وتناقض المصالح الموضوعية بين كتله الاجتماعية.

إرادة المعنى هي الأكثر تجليا في الخطاب، وخاصة في فقرته الافتتاحية، بل هي الأكثر تأثيرا من حيث عمقها البيداغوجي، حيث يقدم صاحب الجلالة، بشكل مضمر، تعريفا لمفهوم القيادة. يحدد من خلاله معنى السلطة والقيادة في المشروع الملكي. ومن ثم، فالمعنى ليس في التتويج الشخصي أو المكانة الدولية، وإنما هي في أداء الأمانة وتحقيق الكرامة للآخرين. إنها مقاربة وجودية للسلطة تنفي عنها صفة النرجسية، وتجعل من خدمة الجماعة غايتها المباشرة. هذا النفي هو في حد ذاته بناء للمعنى. يقول جلالة الملك بوضوح: ” لم أبحث يوماً عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي على المستوى القاري أو الدولي، بل كل ما يهمني هو الاضطلاع بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من العيش الحر الكريم”.

تتمظهر إرادة التعقيد في قدرة الخطاب على القراءة الواقعية لمعطيات الواقع والإقرار بالصعوبات والتحديات دون تبسيط مفرط، أو اختزال مجحف. كما تتمظهر في نظرة جلالته للتنمية كعملية تراكمية معقدة تتجاوز الزمن السياسي المباشر (زمن الانتخابات). ومن ثم، فإن الدولة تنظر إلى نفسها وإلى المجتمع في سياق عالمي متغير ومليء بالتحديات. وهذه النظرة يعكسها الاعتراف بتعقيد المشهد الدولي (السياسات الحمائية، تغير سلاسل التوريد، الاضطرابات الإقليمية)، وتبررها الحاجة إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، تتجاوز القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات (كجائحة كورونا، زلزال الحوز، والفيضانات الأخيرة). يقول صاحب الجلالة في هذا الإطار: ” في سياق دولي يتسم بعودة السياسات الحمائية، والحاجة إلى تأمين سلاسل الإنتاج والتوريد”، ويقول: “في محيط إقليمي ودولي يعرف العديد من الاضطرابات والتوترات”.

تتجلى إرادة التشبيك في الخطاب، من خلال بعدين: التشبيك الداخلي بين القطاعات الاقتصادية والمؤسسات من جهة، وبينها وبين القطاعات الاجتماعية من جهة ثانية، ثم التشبيك الخارجي مع الشركاء الدوليين. ومن ثم تعني إرادة التشبيك في هذا الخطاب بأن القوة الوطنية لا تنمو في عزلة، وإنما عبر شبكات من العلاقات المتوازنة. على الصعيد الداخلي، عن طريق بناء شبكة تربط القطاع المالي بالصناعة والابتكار، وتربط القطاع الاقتصادي بالقطاع الاجتماعي في ظل رؤية استراتيجية للتنمية. وعلى الصعيد الخارجي، عن طريق تبني المغرب دبلوماسية تقوم على تنويع الشركاء وليس على الانحياز لأي كتلة، مما يوسع هامش المناورة الاستراتيجي للدولة واستثمار الموقع الجيو -استراتيجي للمغرب في تعزيز القوة التفاوضية للدولة المغربية في عالم هو في وضعية تحول لم تستقر بعد. وفي هذا الإطار يقول جلالة الملك: ” لقد تمكنا، بعون اللّٰه وتوفيقه، من ترسيخ مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع”. ويضيف: “فالمغرب اليوم، أصبح فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل. وهو ما مكنه أن يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه، وأن يطرح عروض شراكات بناءة، ومبادرات تعاون واعدة، بخصوص مختلف القضايا الثنائية والدولية الكبرى”. كما دعا جلالة الملك القطاع المالي الوطني إلى “تعبئة المدخرات الوطنية وتنشيط الأسواق المالية” لدعم المقاولات الصغرى، والمتوسطة، والابتكار، والتصدير”.

تعتبر إرادة النمو هي الإطار الجامع للخطاب كله، حيث تقدم الرؤية الملكية التأسيسية للانتقال، بعد الانتخابات المقبلة، إلى مرحلة نوعية جديدة في مسيرة المملكة المغربية. ومن ثم، فإرادة النمو في الخطاب لا تعني النمو الكمي فقط، والذي من المتوقع أن يستقر أو يتجاوز (نسبة النمو 4.9% مثلاً)، وإنما ذلك النمو النوعي في مفهوم الدولة ذاتها. إنه الانتقال من مرحلة “بناء الدولة” (البنى التحتية والمؤسسات)، إلى مرحلة “بناء القوة الوطنية” (السيادة التكنولوجية، الصناعات الدفاعية، التأثير الجيوسياسي). وهو نمو لن يتحقق إلا عبر الاستقرار والتراكم والاستمرارية الاستراتيجية التي تجعل من التنمية مشروعاً وطنياً ممتداً يتجاوز دورات الانتخابات والحكومات. وهكذا يكون الخطاب الملكي قد جمع بين بعده الاستراتيجي الداعم للتجديد في إطار الاستمرارية، وبين بعده الاستراتيجي التأسيسي للانتقال إلى مرحلة جديدة قوامها ترسيخ السيادة الاقتصادية، وتعزيز الثقة في المستقبل، والبناء على المنجزات التنموية التي تراكمت على مدى أكثر من ربع قرن، من أجل ترسيخ مستلزمات الدولة الاجتماعية الضامنة للعدالة الاجتماعية والمجالية، عبر خيار الجهوية المتقدمة وفلسفة تدبير القرب، من خلال جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يعتمد مقاربة جديدة في الحكامة التدبيرية والتمويلية. إنه انتقال من بناء الدولة في تجلياتها المختلفة، إلى بناء القوة الوطنية الفاعلة كمدخل قويم لترسيخ المقومات الصلبة للتنمية، الكفيلة بإنتاج نموذج وطني في تنمية العدالة الاجتماعية والمجالية، وضمان العيش الكريم للمواطنين، وتقوية دعائم استدامته. ومن ثم، فإن النموذج التنموي، إن كان يرتبط بالخصوصية الوطنية، فهو يرتبط بدرجة تطور الرأسمال الوطني وتراكماته، وبطبيعة التمويلات الداخلية الناجعة، كما يرتبط بطبيعة العلاقة القائمة بين هذا الرأسمال ومردوديته على ترسيخ مقومات الدولة الاجتماعية بمختلف تجلياتها.

خلاصة القول، إن خطاب العرش لسنة 2026 هو وثيقة متكاملة تُبرهن كيف يمكن للخطاب السياسي الملكي أن يجسد ويعبر، بل ويُنتج، إرادات المجتمع السبع في آن واحد: إرادة المعرفة عبر التأكيد على التقييم الذاتي البناء؛ وإرادة القوة/ التمكين عبر التحول الصناعي والتكنولوجي؛ وإرادة العيش المشترك عبر ربط التماسك الاجتماعي والاستقرار بالتنمية؛ وإرادة المعنى عبر نفي المجد الشخصي وتقديم خدمة المواطن كغاية، وهو درس بليغ في قيم القيادة والتدبير وتحمل المسؤولية والتمثيل والترافع والارتقاء بأدوار الفاعل السياسي والمدني؛ وإرادة التعقيد عبر قراءة السياق الدولي المتغير بواقعية؛ وإرادة التشبيك عبر دبلوماسية الشراكة المتوازنة والدعوة لتعبئة المالية الوطنية للنهوض بالمقاولة الوطنية؛ وأخيرا إرادة النمو عبر الانتقال من بناء الدولة ومؤسساتها إلى بناء القوة الوطنية الفاعلة كقفزة نوعية في مسار الدولة. وهكذا صار مفهوم الإرادة في بعدها الفلسفي التربوي، ليس مجرد مفهوم أو آلية نقارب من خلالها النص، وإنما صار النص ذاته، في رؤيته وتجليات هذه الإرادة بأبعادها السبعة فيه، بنية نسقية مؤسسة لنهضة وطنية جديدة، تتجاوز حالة اليأس والإحباط التي تنتجها القراءة الاختزالية، باعتمادها عدسة المدى الزمني الانتخابي فقط، إلى حالة تعزز الثقة والتفاؤل والأمل التي تنتجها القراءة الاستراتيجية المركبة، باعتمادها عدسة المدى الزمني الحضاري الممتد. وهذا لا يعني أن تحليل مردودية الحكومة الحالية، بتراكماتها الإيجابية والسلبية معا، بإنجازاتها وإخفاقاتها، في مداها الزمني القصير، ليس مهما، ولا ضروريا، وإنما يجب أن يكون تحليلا للحاضر، وفق رؤية مركبة، في ضوء رهانات المستقبل، وفي ضوء تراكمات المدى الزمني الحضاري الممتد.

إن الفعل السياسي الوطني، من حيث هو فعل للدولة وفيها، ومن حيث هو فعل للمجتمع وفيه، بإنجازاته وإخفاقاته في تدبير السياسات العمومية، لم يبدأ مع هذه الحكومة، ولن ينتهي عندها. إنه تراكم من النجاح والفشل، من التطور والركود، وسيبقى كذلك، ما دام الفعل السياسي ذاته تحكمه شروطه الذاتية والموضوعية، ويحكمه التناقض الاجتماعي، كما تحكمه أدوات الفعل السياسي نفسه. كل هذا في ظل السياق الوطني والدولي، والإمكان التاريخي، وطبيعة الوعي الذي تفرزه منظومة العلق بمكوناتها المختلفة (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والرقمية)، وما تفرزه كذلك من تحديات ورهانات. وتبقى الانتخابات المقبلة، برهاناتها النوعية، واحدة من أهم التحديات التي على الفاعل السياسي أن يواجهها بوعي تاريخي واجتماعي ممكن، بروح الثقة والتفاؤل لا بخطابات اليأس والإحباط. كيف ذلك؟ هذا ما سنقاربه في الحلقة الثانية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 4

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 2

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة

صوت وصورة
بوانو ومخرجات الانتخابات
السبت 26 شتنبر 2026 - 11:30 9

بوانو ومخرجات الانتخابات

صوت وصورة
طنجة تحتفي بموسيقى الآلة
السبت 26 شتنبر 2026 - 10:44 2

طنجة تحتفي بموسيقى الآلة