لم يعد في مغرب اليوم من يجادل في أن البلاد قد خطت خطوات مهمة في ما يتعلق بمسار البناء الديمقراطي وعملية خلق التنمية، فحتى من يحاول أن يضع نفسه في خانة المعارض لهذا المسار، لا جرأة له في نفي المكتسبات العديدة التي تمت مراكمتها.
لقد صاحب سعي المغرب إلى تكريس مبادئ وأسس الديمقراطية، منذ حكومة التناوب التوافقي نقاش مهم، تمثل مضمونه في البداية، في التساؤل حول جدية وتوافر الإرادة السياسية في دمقرطة المغرب، ثم في التساؤل حول ماهية ومفهوم التحولات التي يعيشها المغرب، هل يتعلق الأمر بانفتاح ديمقراطي أم بانتقال نحو الديمقراطية؟ وبعد ذلك في التساؤل حول الأمد أو المدة التي تتطلبها عملية الانتقال نحو الديمقراطية.
وقد أثبت الواقع أن إرادة التغيير بالمغرب كانت إرادة جماعية، عكست إيمان القيادة السياسية بضرورة إصلاح النظام السياسي. وبأن الأمر تعلق بانتقال فعلي نحو الديمقراطية، انتقال كان مضمونه العمل على تكريس أسس الممارسة الديمقراطية. ومع غياب نموذج ديمقراطي كامل، ونظرا لأن مدة إعمال الديمقراطية في ممارسة الدول للسلطة تختلف من دولة لأخرى، وانطلاقا من أن الديمقراطية غاية لا تتحقق إلا بالتراكم، فمن غير السليم تقييم عملية الانتقال الديموقراطي في المغرب على أساس الزمن، بل السليم هو البحث في آليات وتدابير تدفع في اتجاه تسريع مسار البناء الديمقراطي بالمغرب.
إن المسار الديموقراطي في المغرب قد تضمن العديد من المكتسبات التي جسدت مجموعة من الإصلاحات المرتبطة بالأسس الديمقراطية، والهادفة إلى تكريس مبادئها، والتي همت العملية الانتخابية باعتبارها الصورة الإجرائية للديمقراطية، وشملت الوثيقة الدستورية التي تحدد شكل النظام السياسي، وحدود السلط فيه، وتوضح الاختيارات الاستراتيجية للبلاد، كما طورت الممارسة السياسية من خلال تطوير عمل الأحزاب السياسية، واهتمت بالرقي بمستويات مساهمة جميع الفاعلين في بناء البلد. ولا يزال المغرب ماضيا في مراكمة المكتسبات في هذا الإطار، وهو المضي الذي تعكسه مواقف جميع الفاعلين، بمن فيهم المؤسسة الملكية باعتبارها أعلى سلطة في البلاد، حيث يحرص جلالة الملك وفي كل مناسبة على تجديد إعلان التزام المغرب واستمراره في تأهيل نموذجه الديمقراطي.
لكن ما المقصود بأن المغرب دولة تعرف انتقالا ديمقراطيا؟ أو أن المغرب دولة ديمقراطية؟
إن محاولة الجواب على هذا السؤال، تفرض إعطاء تصور شامل للانتقال الديمقراطي وللديمقراطية، كما تحتم على كل من يحاول وضع جواب له، أن يتحلى ولو بجزء يسير من الموضوعية، وأن يتخلى كذلك عن مجموع “الكليشيهات” التي ترسم له نموذجا معينا للديمقراطية، بحيث يكون هذا النموذج معيارا يقيس به مستويات إعمالها في باقي الأنظمة السياسية ومنها المغرب.
فالديمقراطية ليست تصورا مطلقا، أو نموذجا واحدا، وقد سبقت الإشارة إلى أنه لا وجود لنموذج ديمقراطي كامل، يمكن استيراده بجميع تفاصيله، فكل النماذج والتجارب الديمقراطية، هي تجارب مستمرة، مضمونها استدامة عملية الدمقرطة والتحديث، بهذا المعنى فإن الانتقال الديمقراطي رديف في معناه لمعنى الديمقراطية باعتبارها تصورا عاما، يتضمن ويستوعب مجموعة من القيم والمبادئ التي توجهه وتستتبعه، حيث تعمل الدول الديمقراطية باستمرار على إعمال هذه المبادئ والأسس وتكريس هذه القيم، وهو بالضبط ما سار ولا يزال يسير عليه المغرب، وبالتالي فمن غير المقبول القول إن المغرب دولة لا تعرف انتقالا ديمقراطيا، بمعنى أنه ليس بدولة ديمقراطية.
في هذا السياق، يمكن أن نتساءل أيضا حول ما الذي يمكن أن يعجل أو يعطل هذا الانتقال الديمقراطي الذي يعرفه المغرب؟
الأكيد أن عملية الانتقال الديمقراطي يمكن أن تعترضها العديد من المآزق، والمرتبطة أساسا بعملية وكيفية إعمال واحترام مبادئ وأسس الديمقراطية.
فإذا كانت عملية إعمال الديمقراطية تتم على مستويين، مستوى إجرائي يتمثل في ضرورة تفعيل الإجراءات والتدابير التي ترتكز عليها العملية الديمقراطية، وآخر قيمي يرتبط بالشروط الواقعية والموضوعية المتعلقة بمرجعيات وخصوصيات كل دولة على حدة، ذلك أن الأنظمة السياسية لا تتشكل فقط من مجموعة مؤسسات ورزمة من الإجراءات، بل إنها تتشكل كذلك من مرجعيات وأفكار وثقافة تميز كل واحد منها.
فإن تقييم عملية إعمال الديمقراطية في دولة ما، يجب أن يركز على المستوى الإجرائي لهذه العملية، فإن شمل التقييم المستوى المرتبط بمرجعيات وخصوصيات الدول، سنكون لا محالة أمام محاولة لاستيراد نموذج ديمقراطي معيَن، بمرجعيات معينة، وخصوصيات معينة، وهو ما يعني إلغاء مرجعيات وخصوصيات الدولة محط التقييم.
وعليه، فإن ما يمكن أن يعطل عملية الانتقال الديمقراطي بالمغرب، سيكون مرتبطا بالأساس بالمستوى الإجرائي لإعمال الديمقراطية فيه، أي بالتمارين الديمقراطية التي يعرفها، كيفية تنظيمها، ثم مخرجاتها التي يجب أن تصب في اتجاه احترام الديمقراطية في بعديها، أي في احترام مبدأي التنافس وحكم الأغلبية.
وهو ما انتفى عن الانتخابات التشريعية الأخيرة، إذ وعلى الرغم من نزاهتها المتمثلة في احترام جميع معايير الانتخابات النزيهة المعمول بها دوليا، إلا أن مخرجاتها لم تؤد إلى احترام أحد أهم بعدي الديمقراطية أي حكم الأغلبية، والذي لا يعني ما يفهم منه لغويا، وما ينتج عنه من ديكتاتورية أغلبية، ومن هدر لحقوق الأقلية باسم الفوز في الانتخابات، بل على العكس فإن هذا المبدأ لا يعني غير تكليف اتجاه سياسي بإدارة شؤون الدولة والمجتمع، على أرضية توافق سابق وعقد اجتماعي متفق عليه من طرف كل مكونات المجتمع، حيث تكون حقوق ومصالح كل المواطنين مكفولة، سواء المحسوبين على الأغلبية العددية التي شكلت هذا الاتجاه المتفوق، أو الأقليات التي تشكل معارضة له.
فالممارسة توضح أن الاتجاه الذي توفق في تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة، لا يفهم هذا المبدأ إلا فهما لغويا، سطحيا، حيث إنه يجتهد وبكل الوسائل المتاحة أمامه، من أجل تقويض حقوق الاتجاه المعارض له، إذ يكفي تتبع العمل البرلماني على مستوى غرفتي البرلمان، للوقوف على مستوى التضييق الذي تتعرض له أحزاب المعارضة من طرف الحكومة، والذي بلغ مستواه مصادرة حقها في إبداء الرأي بخصوص مجموعة من المشاريع التي تعتبر مشاريع مهيكلة، من المفروض فيها احترام المقاربة التشاركية، باعتبارها منهج عمل طبع وميَز مسار المغرب تاريخيا، وهو ما أكد عليه جلالة الملك في الرسالة التي توجه بها بمناسبة تخليد وطننا للذكرى 60 لقيام أول برلمان منتخب في المملكة المغربية، حيث تجنح الحكومة مستغلة أغلبيتها العددية إلى حسم جميع النقاشات التي يعرفها البرلمان على الرغم من أهميتها، مستندة على العدد وفقط، في صورة تجعل الديمقراطية مجرد “ميكانيك”.
إن هذا الفهم السطحي للديمقراطية، ولأحد أهم مبادئها، هو ما يمكن أن يعطل مسار الانتقال الديمقراطي الذي يعرفه المغرب، فالديمقراطية نقيض موضوعي لكل أشكال التغول، حتى إن كان هذا التغول مؤسسا على نتائج الانتخابات، فتغييب حقوق المعارضة هو ضرب مباشر لمبدأ التعددية الذي يعتبر عصب الأنظمة الديمقراطية، خصوصا إذا كان هذا التغييب يؤدي إلى خلل على مستوى توازن المؤسسات، فأساس الأنظمة الديمقراطية هو توزان المؤسسات فيها، بصورة تنفي تغول مؤسسة على أخرى، وهو ما يتطلب من جميع الديمقراطيين التنبيه إلى خطورته، وما يحتم عليهم الانخراط في جميع المبادرات التي تروم مواجهته.
هذا بالضبط ما سار عليه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتباره القوة السياسية المعارضة الأولى في البلاد، حيث يسجل التاريخ أنه أول من نبَه لخطورة التغول السياسي الذي نتج عن مخرجات الانتخابات الأخيرة التي عرفها المغرب، وأنه دعا في مناسبات عديدة إلى تصويب الأوضاع حماية للنموذج الديمقراطي المغربي، حتى لا يصبح هذا الفهم السطحي و”الميكانيكي” للديمقراطية فهما شائعا، وهو ما سيشكل مأزقا حقيقيا أمام عملية الانتقال الديمقراطي التي يسير عليها المغرب، وفي إطار مسؤوليته في مواجهة هذا الفهم المغلوط للديمقراطية، فقد دعا أخيرا الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى بناء جبهة وطنية من أجل حماية التوازن المؤسساتي وصيانة الخيار الديمقراطي بالبلد، كما أعلن عزم حزبه تقديم ملتمس رقابة بمجلس النواب. وإذا كان من الصعب إجرائيا إدراك الغاية من هذا القرار، خصوصا أن الأمر يتعلق بحكومة تتمتع بأغلبية عددية مريحة جدا، إلا أن من شأنه أن يدفعها إلى تبرير ممارساتها، أو أن يدفع على الأقل في اتجاه فتح نقاش عمومي بخصوص خطر المنطق الذي يحكم ممارساتها على الديمقراطية بالمغرب.
هناك شعار كان يرفع من طرف حزب اعتقد انه الاتحاد الاشتراكي في عهد الحسن الثاني رحمه الله”لا ديموقراطية بدون تنمية ولا تنمية بدون ديموقراطية”فبالتالي فهي معادلة بزنطية كما يقولون او تحصيل حاصل ,لانه في مغربنا تنمية ضعيفة بحيث ما زال المواطن المغربي يعيش فقرا وخصاصا في ابسط الاشياء الضرورية وبالتالي كيف ندعو الى الديموقراطية والتنمية في الحضيض.فاعتقد ان اصحاب هذا الشعار ما زالوا يخترعون المعرقلات كلما ابعدوا عن كراسي الحكم .صراحة الشعوب اليوم لا تهمها الديموقراطية او الدكتاتورية تهمها مناصب العمل وعيشها الكريم اما الديموقراطية ورفع شعارها فاعتقد يجب على الذين يستعملنوها في حصد اصوات الناخبين ان يضعوها في جيوبهم
أنا في نظري أنه من الجيد أن يكون هناك توازن و عدم إقبار الأحزاب المعارضة تاريخيا كالاتحاد الاشتراكي و دوره في تاطير المواطنين و امتصاص غضب الشارع و ان على اليسار في المغرب ان يلعب دورا اجتماعيا بالدفاع عن مصالح الطبقات و الجهات الفقيرة و الهشة و عدم تغول الاحزاب التي تدافع عن مصالح المقاولات الكبرى, لأنها تعتمد عليها لخلق فرص شغل, رغم ان هذا أيضا مهم و لكن يجب ان يكون هناك تناوب بين الطرفين, ليكون هناك توازن مجتمعي مرتبط بالتنمية و بالتالي التنمية مرتبطة بالدموقراطية