دخول مدرسي جديد

دخول مدرسي جديد
الإثنين 16 شتنبر 2024 - 08:40

بعد عام دراسي عسير وشاق، بسبب حالة الاحتقان التي أحدثها ما وصف بنظام المآسي، يشهد الدخول المدرسي الجديد حالة من السلم والهدنة والاستقرار، بعد أن تداركت الوزارة الوصية على القطاع، ومن خلالها الحكومة، ما شاب النظام الأساسي في صيغته الأولى من مظاهر الظلم والحيف والتحكم والإهانة والمس بالكرامة. وسارعت تحت الضغط إلى تنزيل نظام أساسي معدل، أفرز زيادات غير مسبوقة في الأجور وفك شفرات بعض الملفات العالقة التي ظلت طيلة عقود محركاً لليأس والتوتر والغضب في أوساط الشغيلة التعليمية، ومغذياً لبؤر الاحتقان في الساحة التعليمية العمومية.

وبقدر ما نثمن المكاسب التي خرجت من رحم المعاناة وتحققت على أرض الواقع بسبب ضغط الشارع النضالي، بقدر ما نرى، حسب تقديرنا، أن حالة السلم التي تعيشها المدرسة العمومية خلال الدخول المدرسي الجاري لن تحجب شمس واقع البيت التعليمي. فهي ليست مؤشراً دالاً على رحيل زوبعة الاحتقان بدون رجعة، لاعتبارات ثلاثة:

– أولها: أن السلطة المكلفة بالتربية الوطنية لم تفِ بما ورد في النظام الأساسي الجديد من التزامات وتعهدات، ومنها عدم التحرك في اتجاه “التقليص من ساعات العمل”. وما يرتبط بهذا المطلب المشروع من تجديد وملاءمة للمناهج والبرامج التربوية، على الرغم من تنصيب “اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج التربوية”، التي لم تعلن حتى الآن عن أي خلاصات أو مخرجات، فضلاً عن تأخر الإفراج عن قرار رفع التعويضات الخاصة بتصحيح أوراق الامتحانات الإشهادية وعدم الكشف حتى اليوم عن أي آلية استثنائية لصرف المستحقات المتعلقة بتصحيح امتحانات 2024.

– ثانيها: عدم الحسم في عدد من الملفات المطلبية التي لا تزال تشكل منابع حقيقية للتوتر واليأس وانسداد الأفق.

– ثالثها: يرتبط بحالة “النمطية” التي لا تزال تعتري بدرجات متفاوتة معظم المؤسسات التعليمية العمومية، خاصة فيما يتعلق بتواضع الجاذبية، ومحدودية الوسائل، والاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، وتفشي معضلة الغش المدرسي، وضعف مؤشرات الجاهزية والتحفيز لدى الشغيلة التعليمية.

هذه الاعتبارات، وغيرها، لا تعطي الانطباع بأن هناك نظاماً أساسياً جديداً قيد التنزيل، ولا تعزز الإحساس بأن المنظومة التربوية العمومية تعيش زمن خارطة طريق جديدة تحمل للشغيلة التعليمية بشارة الإصلاح، باستثناء تجربة “مدارس الريادة” التي لم تسلم من الجدل. ويخشى البعض أن تتحول إلى مجرد وسيلة لإخفاء ما تعانيه المنظومة من أعطاب متعددة الزوايا، تحتاج إلى ثورة إصلاحية حقيقية.

وحتى لا نبخس الناس حقوقهم، لابد من الاعتراف بأن مجهودات إصلاحية متعددة الأبعاد قد بذلت، وإمكانيات مادية ضخمة تم رصدها في سبيل تحقيق مدرسة عمومية ذات جودة للجميع. لكن البيت الداخلي للمدارس العمومية لا يزال على حاله، مما يعني أن هناك هوة، قد تضيق وقد تتسع، بين “خطاب الإصلاح” و”واقع الممارسة”.

المطلوب اليوم هو أن تتحرك الوزارة الوصية على القطاع في اتجاه الوفاء بكافة التزاماتها وتعهداتها الواردة في النظام الأساسي الجديد، بما يساعد على بناء مناخ من الثقة والمصداقية بينها وبين الشغيلة التعليمية. وفي طليعة هذه الالتزامات يأتي تحقيق مطلب “التقليص من ساعات العمل” واستعجال “تجديد وملاءمة المناهج والبرامج التربوية”، استحضاراً للثورة الهائلة التي تشهدها منظومات التربية والتعليم حول العالم، واعتباراً لما يعرفه المغرب من دينامية إصلاحية وتنموية.

ولابد من التذكير بأن المناهج والبرامج مهما بلغت من الجودة والجاذبية، لن تكون مجدية ما لم يتم الارتقاء ببنيات استقبال المؤسسات التعليمية العمومية التي تعاني من مشاهد البؤس والرتابة، وكذلك النهوض بالأوضاع المادية والاجتماعية لنساء ورجال التعليم، عبر إرساء نظام مرن للترقي والتحفيز، لأنهم عصب الإصلاح ومحركه وصمام أمانه.

على أمل أن نصحو يوماً على مدارس عمومية رائدة، بمناهجها وبرامجها وبنياتها التحتية وجاذبية حياتها المدرسية، قادرة على التحفيز وصناعة الأمل والحياة، وترسيخ القيم الوطنية والدينية والإنسانية. مدارس لا تقبل أن يتحول فيها المدرس/ة إلى ما يشبه “المتسول”، متنقلاً بين المدارس الخاصة، مطأطأ الرأس، طلباً لفرصة عمل، بما يجسده ذلك من إساءة للمدرسة العمومية وتحقير للمدرس العمومي.

وفي الختام، عودة ميمونة نتمناها لجميع نساء ورجال التعليم الذين يؤدون رسالتهم النبيلة بعزة وكرامة، إسهاماً في إشعاع هذا الوطن العزيز وصوناً للقيم والأخلاق، ونشراً لثقافة الأمل والإبداع والحياة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • محمد
    الأربعاء 18 شتنبر 2024 - 07:49

    مقال في المستوى ..وواقع لا يرتفع
    بوركت اخي ..
    نتمنى من الله ان يبارك في هذا البلد ويهدي مسؤوليه لما فيه مصلحة المواطن

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام