"دفاتر الجديدة".. واجبُ الذاكرة

"دفاتر الجديدة".. واجبُ الذاكرة
الأربعاء 30 يوليوز 2025 - 19:52

في كتابي “دفاتر الجديدة، التاريخ المتقاسم” الصادر سنة 2010، الذي قدّم له الدكتور عبد المجيد نوسي، وكذا في مقال بجريدة لبراسيون المغربية يعود إلى تاريخ 24 ماي 2014، تطرقتُ إلى الحيثيات والدوافع التي جعلتني أهتم بالتاريخ الاجتماعي لمدينة الجديدة، بما هو مجال يحتاج نبشه إلى عدة معارف منها الأدب والأنتربولوجيا والسوسيولوجيا، فضلا عن سبب جوهري يتجلى في كون المجال لم يحظ بالاهتمام الكافي من الباحثين ما دام اعتُبر عملا مُتعبا يستهلك الكثير من الجهد والوقت. لكنْ، في المقابل، ثمة إحساس بأن مثل هذه الأعمال، التي ينجزها أيضا غيري بالنسبة لمناطق مغربية أخرى، تبقى ضرورية لمعرفة جزء من تاريخنا. ذلك أن الكتابات، من هذا النوع، تنطلق من أرضية المحلي لتخلق تعالقات وروابط تمتد نحو الآخر، نحو الوطني والعالمي، بما هي وسيلة تعبير عن المشترك الإنساني العام.

أشتغلُ على “دفاتر الجديدة” منذ أكثر من ثلاثين سنة. بدأت التجربة مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، حينما قدرتُ، لأسباب كثيرة، ذاتية وموضوعية، الانكباب على الذاكرة المحلية. حفّزني وقتها على المغامرة بدخول هذا الحقل البحثي ثلاثة عوامل : أولا الخصاص الملحوظ في الدراسات المحلية، وثانيا لقائي بالراحل عبد الكبير الخطيبي في ورشة “الكتابة والجهة” المنظمة بالجديدة ثم في مناسبات أخرى. وكان هذا الأخير يرى أن ما هو مهمش أو هامشي لا يجد الاهتمام اللازم من الباحثين. كما حفزني، من ناحية ثالثة، تكويني في مجال الإعلام، بوصفه تكوينا منفتحا على جُملة من التخصصات. من ثمة يمكن القول إن موضوع الاشتغال هو الذي فرض طريقة المعالجة. فغير خاف على الملم، أن المراجع والوثائق في هذا المضمار، أي المتعلقة بالذاكرة المحلية وتاريخ الجهات، كانتْ، منذ الحماية وإلى وقت قريب، متوفرة في غالبيتها بالفرنسية. فكان من الوجيه، من باب توفير الجهد، استعمال الرصيد الوثائقي في لغته الأصلية.

لقد دفعني اتصالي بالراحلين عبد الكبير الخطيبي والمؤرخ “البيضاوي” المعروف غي مارتيني، لأتساءل معهما عن كيفية جعل الكتابة وسيلة لإفادة القارئ والمجموعة ككل، وعن كيفية العمل بمنطق الأولويات في اختيار كتابة تحفظ شذرات الذاكرة. وأستحضر هنا موقف الكاتب الفرنسي، إيريك فوتورينو، المدير السابق لجريدة لوموند، (من أب مغربي يهودي)، في حواره مع مجلة “ماريان” الباريسية، حين قال : “هناك كتب يجب علينا كتابتها”.

***

هكذا كان “واجب الذاكرة” من بين الدوافع التي جعلتني أطلق مشروع “دفاتر الجديدة”، سنة 1993، وهو سلسلة كتابات حول التاريخ الاجتماعي لمدينة الجديدة ودكالة. مع التوضيح بأن هذه الكتابات لا تأخذ دائما شكل مؤلفات مطبوعة بل كذلك دراسات ومقالات أنشرها في الصحف والمجلات (مثل شهرية زمان) وبعض المواقع الإلكترونية. فهي تصب كلها في ذات المنحى. كما أنها ليست دائما تاريخا، بالمفهوم الحصري للكلمة، بل قد تكون أدبا (مثلا زيارة أنطوان دو سانت إيكزوبيري لقصبة بولعوان)، أو تحقيقا (البحث عن تذكار طيار الأيروبوستال المفقود بشاطئ الولجة)، أو استطلاعا (المعمار الأوربي في بادية دكالة)، أو توثيقا (شهادات نساء الجديدة في نهاية الحماية)، أو نبشا في الأرشيفات (القنصليات الأجنبية بالجديدة).

ومن حسن حظي أن مشروعي هذا لقي، وما زال، دعما صادقا بالتشجيع والنصح والتأطير من ثلة من المثقفين المرموقين مثل عبد الكبير الخطيبي، وغي مارتيني، ونلسيا دولانوي، وفؤاد العروي، وغريغوري لازاريف، ومحمد الناجي، ومصطفى الكثيري، وفاطمة المرنيسي، وغيثة الخياط، ومحمد جبريل، وبوبكر بوهادي، وآخرين. كما لقي هذا المجهود تنويهات، في مناسبات مختلفة، من باحثين معروفين مثل عبد الله حمودي، وجامع بيضا، ومحمد كنبيب، وعبد الفتاح الزين، ومحمد نور الدين أفاية، ودال إيكلمان، ومن الناشر الراحل عبد القادر الرتناني.

وكان ما شجعني على مواصلة هذا المجهود أن الكتابات التي أصدرتها في إطار “دفاتر الجديدة” ساهمتْ، حسب كثير من الشهادات، في إحداث تراكم معرفي حول المدينة والجهة. كما لقيتْ تجاوبا لدى القراء وذلك لسببين على الأقل : أن هذه الكتابات سدّتْ، من جهة، بعض الفراغ الملموس في الساحة الثقافية، كما أنها، من جهة ثانية، استجابتْ لحاجة القراء المهتمين في معرفة محيطهم القريب على المستويين التاريخي والاجتماعي. وأضرب مثلا، بالنسبة لهذا السبب الأخير، أن مجلة “زمان”، التي أساهم بالكتابة فيها، سبق أن نشرتْ، في ركن البريد، مراسلات قراء يطلبون فيها هذه النوعية من المقالات.

هذا التجاوب الفاعل من قبل القراء، مغاربة وأيضا أجانب (من قدماء المغرب أو الجديدة تحديدا)، مكّن هذا المشروع البحثي من البقاء والاستمرار. بمعنى أوضح هناك فئة من القراء ترى أن مثل هذه الكتابات تُلبي حاجاتها النفسية وفضولها الذاتي. وطبعا فلم تغبْ عن بالي يوما نصيحة الراحل عبد الكبير الخطيبي أن على الكاتب، من خلال مشروع كتابي، أن يخلق جمهوره الخاص.

بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل، يسرني أن أتوصل أحيانا في بريدي الإلكتروني برسائل من قراء، من داخل المغرب وخارجه، يطرحون عليّ فيها تساؤلات بعضها، أحيانا، خارج نطاق تخصصي، وذلك بدعوى أنني “الرجل الذي يعرف كل شيء عن الجديدة”، كما عبر عن ذلك مرة الصحفي الفرنسي بيرونسيل هوغوز، كبير المراسلين السابق بجريدة لوموند، في مقالة له حملتْ ذات العنوان، ونشرتْ بالموقع الإخباري المغربي 360 بتاريخ تاسع شتنبر 2016.

-كاتب وناشر “دفاتر الجديدة”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"

صوت وصورة
أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:17

أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"

صوت وصورة
المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:02 3

المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00 2

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة