دور العقوبات البديلة في أنسنة السجون

دور العقوبات البديلة في أنسنة السجون
الجمعة 4 يوليوز 2025 - 09:16

تعد العقوبات البديلة أحد أعمدة بناء دولة الحق والقانون، حيث أفضى الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، إلى ترسيخ القناعة بتبني إصلاح جذري عميق يستشرف مستقبلا يواكب التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية وهو ما أكده جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطابه السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2009، حيث حدد جلالته المجالات ذات الأسبقية والتي من بينها تحديث المنظومة القانونية، لا سيما ما يتعلق بضمان شروط المحاكمة العادلة وبدائل العقوبات والطرق القضائية البديلة، الأمر الذي حدا بالتشريع الجنائي المغربي إلى تبني بدائل العقوبات السالبة للحرية يندرج في إطار مجموعة من الإصلاحات التشريعية التي تهدف إلى إعادة النظر في فلسفة العقاب.

وتماشيا مع التوجه الجديد للسياسة الجنائية الوطنية تم منح مجموعة من الصلاحيات للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في ما يخص تتبع تنفيذ العقوبات البديلة، وهذه العناية المولوية السامية تنعكس بجلاء من خلال الحرص الموصول لجلالة الملك على دعم مشاريع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، وهي المشاريع التي تأتي امتدادا وتكملة للبرامج المعدة من طرف المندوبية العامة في مجال التأهيل وتعزيز فرص إدماجهم داخل النسيج المجتمعي بعد الإفراج عنهم.

فمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء تعمل على النهوض بالبرامج الإدماجية لساكنة الفضاءات السجنية مع السعي إلى أنسنتها باعتبارها محطة ثانية، وفرصة جديدة لتأهيل وإصلاح النزلاء ثم مواكبتهم بعد الإفراج قصد إدماج مثمر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، إنشادا لدرء العود إلى الجريمة.

لكن مع أزمة اكتظاظ السجون بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الاعتقال الاحتياطي، وفي خضم ما سبق ذكره يعد قانون العقوبات البديلة من أهم الأوراش التشريعية ومحركا أساسيا لمنظومة العدالة الجنائية، لارتباطه الوثيق بمجال حماية الحقوق وصيانة الحريات ومكافحة الجريمة، ومواكبة التطور الحاصل على مستوى الأنظمة الجنائية المعاصرة.

بعدما شكلت العقوبات السالبة للحرية عجزا لا سيما في الجرائم البسيطة قصيرة المدة، باعتبارها وسيلة عقابية باهظة التكاليف لا سيما في ظل الارتفاع المتزايد للساكنة السجنية، ناهيك أن الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية خاصة القصيرة المدة، التي لا تكفي زمنيا لتحقيق برنامج تأهيلي فعال ومتكامل، زيادة على كونها تسمح باختلاط من هم قليلو الخطورة مع السجناء ذوي الخطورة الإجرامية.

فوعيا من المشرع المغربي بأهمية هاته البدائل، فقد أحاطها بترسانة قانونية حيث نجد تعريف للعقوبات البديلة في الفصل 1-35 على أنها العقوبات التي يحكم بها بديلا للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسا نافذا واستثناء لهته القاعدة فلا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة معاودة ارتكاب المجرم لنفس الفعل، “لا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة العود”، كما لا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة ارتكاب الجاني لإحدى الأفعال المنصوص عليها في الفصل 3-35، والمتمثلة في الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والإرهاب، الاختلاس أو الغدر أو الرشوة، غسل الأموال، الجرائم العسكرية، الاتجار الدولي في المخدرات، الاتجار في المؤثرات العقلية، الاتجار في الأعضاء البشرية، الاستغلال الجنسي للقاصرين أو الأشخاص في وضعية إعاقة.

مما يفيد بأن القانون رقم 43.22 أعطى للعقوبات البديلة تأسيسا تشريعيا خاصا تضمن حيزا كبيرا لدور مختلف الأجهزة المتدخلة في عملية تنفيذ العقوبات البديلة، من خلال تعزيز دور النيابة العامة في تفعيل العقوبات البديلة ومراقبة تنفيذها، ومنح سلطة واسعة للقاضي الزجري في الحكم بالعقوبات البديلة في إطار السلطة التقديرية، مع إسناد مهمة التنفيذ القضائي للعقوبات البديلة إلى قاضي تطبيق العقوبات.

كما أسند هذا القانون للنيابة العامة، إلى جانب المحكوم عليه أو دفاعه أو الممثل الشرعي للحدث، صلاحيات متعددة تمارسها بمناسبة تطبيق أحكامه كأن تلتمس من المحكمة استبدال العقوبة الحبسية المحكوم بها بعقوبة بديلة.

كما عهد إليها بإحالة المقرر القاضي بعقوبة بديلة بعد اكتسابه لقوة الشيء المقضي به، إلى قاضي تطبيق العقوبات الذي يتولى السهر على تنفيذ إجراءات هذه العقوبة.

بالإضافة إلى صياغتها لمستنتجات تقدم إلى قاضي تطبيق العقوبات قبل الفصل في جميع المنازعات المتعلقة بتنفيذ العقوبات البديلة أو وضع حد لتنفيذها، كما ستعمل رئاسة النيابة العامة من جهتها على تتبع ومراقبة مدى إعمال هذه البدائل لبلوغ الغايات السامية التي شُرعت من أجلها.

كما صنف العقوبات البديلة إلى العمل لأجل المنفعة العامة ويقصد بها العقوبة التي تصدرها جهة قضائية مختصة تتمثل في قيام الجاني بعمل يعود بالفائدة على المجتمع دون أن يتقاضى أجرا على ذلك العمل وينجز لمدة تتراوح بين 40 إلى 3600 ساعة.

كما أن من بين العقوبات البديلة التي تساهم في أنسنة السجون نجد تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية حيث تكمن الغاية من بديل هاته العقوبة، اختبار المحكوم عليه للتأكد من استعداده لتقويم سلوكه واستجابته لإعادة الإدماج داخل المجتمع.

هناك الغرامة اليومية حيث عرف لنا المشرع المغربي الغرامة اليومية، بأنها بديل للعقوبة الحبسية، وتتمثل في مبلغ مالي تحدده المحكمة عن كل يوم من المدة الحبسية المحكوم بها، وبالرجوع لمقتضيات الفصل 15-35 من القانون نفسه، نجد أن مبلغ الغرامة اليومية محدد بين 100 و2000 درهم عن كل يوم من العقوبة الحبسية المحكوم بها، وتراعي المحكمة في ذلك الإمكانيات المادية للمحكوم عليه وتحملاته المالية وخطورة الجريمة المرتكبة والضرر المترتب عنها.

كما أن من بين بدائل العقوبات السالبة للحرية نجد المراقبة الإلكترونية، فهذه الآلية تضمن للمتهم حرية التنقل، من جهة، وتقلل من نفقات الدولة على السجين، سواء المتعلقة بالمبيت أو الأكل المخصص للسجناء، فضلا عن عدد الحراس.

ويترتب على هذا النظام تثبيت سوار إلكتروني في معصم أو أسفل قدم المتهم، من أجل رصد تحركاته شريطة عدم تجاوز الحدود الترابية للإقليم.

فهذا النظام يساهم في إصلاح الجاني عن طريق إبعاده عن الوسط الجرمي من جهة، كما أنه يشكل ضمانا من ضمانات حقوق الإنسان من جهة أخرى رغم أنه يثير الآن مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بكيفية تطبيق هذا الإجراء، مدى وجود الإمكانيات اللازمة لتنفيذه، سواء على المستوى المادي أو طريقة المراقبة والتتبع.

فتنزيل القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي سيدخل حيز التنفيذ خلال شهر غشت المقبل يندرج في سياق استكمال تنزيل ‏ورش إصلاح منظومة العدالة، وسيتم عرضه في أقرب الآجال من أجل المصادقة عليه، وتدارس الإمكانيات التقنية والبشرية والمالية والبرنامج العملي لإنجاح إخراج مقتضيات هذا القانون إلى حيز الوجود.

فصفوة القول نجد أن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، يشكل حدثا تشريعيا وحقوقيا فرغم أهمية هذه المستجدات، يقتضي بالضرورة مراجعة فلسفة التجريم والعقاب وإعادة النظر في استحضار باقي البدائل الواردة في القانون الجنائي والتي لم تعرف طريقها إلى التطبيق مع ضرورة تكثيف العمل الجماعي لمختلف المتدخلين في المجال القضائي والحقوقي والقانوني لترشيد الاعتقال وتفعيل التدابير البديلة، والتعجيل بتعديل قانون المسطرة الجنائية عبر اعتماد تدابير جديدة بديلة للاعتقال الاحتياطي وتوسيع وعاء الجرائم التي يمكن أن يطبق فيها، مما يُسهم في نهاية الـمطاف في أنسنة الفضاءات السجنية ببلادنا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • MC
    السبت 5 يوليوز 2025 - 09:33

    “في المجتمعات الراقية، لا يُسجن الإنسان ليُنسى، بل ليُمنح فرصة ليتذكر: من هو، وماذا يمكن أن يكون.”

    أستاذة نهاد أفقير المحترمة،
    قراءتي لمقالك حول دور العقوبات البديلة في أنسنة السجون أضاءت لي الكثير من الجوانب الإنسانية والقانونية التي يحملها هذا الورش التشريعي الواعد. لقد أحسنتِ في إبراز الحاجة الملحة لإعادة النظر في فلسفة العقاب، والانتقال من منطق الزجر وحده إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج، خاصة في ظل واقع الاكتظاظ السجني وتحديات العدالة الحديثة.

    إن العقوبات البديلة ليست مجرد حلول تقنية أو إجراءات ظرفية، بل هي تعبير عن وعي مجتمعي متجدد بقيمة الإنسان وحقه في فرصة ثانية. فحين نمنح الجاني إمكانية التعويض عن خطئه من خلال خدمة المجتمع أو الخضوع للمراقبة الإلكترونية أو حتى أداء غرامة تتناسب مع إمكانياته، فإننا نرسخ ثقافة المسؤولية ونفتح أمامه أبواب الإصلاح، ونحمي في الوقت نفسه المجتمع من مخاطر العود والانحراف.

    وفي ختام تعليقي أود أن أقول:

    “حين يُدان الجسد، لا ينبغي أن تُسجن الروح معه… أنسنة السجون تعني الحفاظ على نور الأمل من خلال تطبيق العقوبات البديلة.”

    ALHOCEIMA

  • مراد
    الإثنين 7 يوليوز 2025 - 09:43

    اختي نهاد من فضلك اعيدي قراءة القانون جيدا وكدا المرسوم التطبيقي محل المصادقة وايضا الدلائل الارشادية المصاحبة للقانون ، لقد ورد في الفقرة السابعة من مقالك … من خلال تعزيز دور النيابة العامة في تفعيل العقوبة البديلة ومراقبة تنفيدها … والاصح ان فلسفة المشرع من وراء هدا القانون كانت مخالفة تماما لقولك هدا بحيث قام بترحيل معظم الصلاحيات سواء من خلال الاقتراح او التفعيل او التطبيق او الانهاء او الاستبدال الى السيد قاضي تطبيق العقوبات وبدرجة اقل الى جهات اخرى من بينها النيابة العامة ، والدليل في دلك هو ان دور النيابة العامة قصير جدا بحيث لما تتلقى الحكم بالعقوبة الاصلية والعقوبة البديلة المقابلة لها من قضاء الموضوع يكون امامها خيارين فقط اما الطعن في الحكم او التنازل عنه لاغير وتحيل الملف على قاضي تطبيق العقوبات …

  • مراد
    الإثنين 7 يوليوز 2025 - 10:04

    هناك عقوبتين وهما : الغرامة اليومية وايضا تقييد بعض الحقوق او التدابير العلاجية او التاهيلية ليست فيهما اي مقتضيات او صلاحيات تتعلق بدور النيابة في التفعيل او مراقبة التنفيد مقابل اتساع صلاحيات السادة قضاة تطبيق العقوبات وايضا الادارة المكلفة بالسجون ، اما العقوبتين الاخريتين وهما : العمل لاجل المنفعة العامة والسوار الالكتروني فاقصى الصلاحيات التي منحها المشرع للنيابة العامة هي تلقي تقارير من لدن قاضي تطبيق العقوبة وكدا مديري المؤسسات السجنية في شان سير تطبيق هاتين العقوبتين و ماقد يطرأ عليهما سواء من حيث الانهاء والصعوبات والاستبدال .. لكن ليست لقضاة النيابة العامة اي صلاحيات تقريرية مترتبة عن هده التقارير .

  • مراد
    الإثنين 7 يوليوز 2025 - 10:30

    لم يسبق لاي قانون ان قزم وكبل وصفد ووضع الاغلال على يد ورقبة النيابة العامة مثل هدا القانون وقدف بها الى الهامش مقابل اضطلاع السادة قضاة تطبيق العقوبات الشرفاء دوي العلم والمروءة بالاشراف على تنفيد قانون العقوبات البديلة من البداية الى النهاية وحسنا فعل المشرع لان الوجه المضيئ للسادة قضاة تطبيق العقوبات يتناسب مع نبل الهدف المتوخى من هدا القانون الجديد ، عكس الوجه … الدي وسم عمل النيابة العامة على مدار عقود من الزمن لا يمكن ان يكون له حظ في تطبيق قانون العقوبات البديلة ادن فلتبقى النيابة العامة في سباتها وغطرستها وتخلفها وتقليدانيتها مع العقوبات الاصلية مثل الاعدام والسجن المؤبد … ومرحبا بالسادة قضاة تطبيق العقوبات رمز النور والامل .

صوت وصورة
وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 14:29 5

وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين

صوت وصورة
وهبي: ماضي أمرابط محترم
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:45 1

وهبي: ماضي أمرابط محترم

صوت وصورة
"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:14 4

"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين

صوت وصورة
أخنوش والتنمية في تافراوت
الخميس 17 شتنبر 2026 - 12:13 3

أخنوش والتنمية في تافراوت

صوت وصورة
ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:33

ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب

صوت وصورة
وهبي يكشف قائمة المنتخب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:12 1

وهبي يكشف قائمة المنتخب