لا شك أن التقدم وصناعة الأمم وبناء الحضارات يرتكز أساساً على التعليم، ولا يمكن لأي مجتمع أن ينهض أو ينافس في الساحة العالمية دون نظام تعليمي قوي ومتطور؛ فالتعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة فحسب، بل هو الأداة الإستراتيجية لتشكيل وعي الشعوب وتوجيه طاقاتها ومدها بالمهارات والخبرات اللازمة، نحو البناء والابتكار، ويحول المجتمعات من مستهلكة للتكنولوجيا إلى منتجة لها.
فنجد أن دولاً في آسيا مثلاً (اليابان وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية…) لم تكن تمتلك موارد طبيعية تُذكر، لكنها تحولت في غضون عقود قليلة إلى قوى اقتصادية وتكنولوجية عظمى تقود العالم، لأنها استثمرت في عقول شعوبها عبر تطوير راديكالي لمنظوماتها التعليمية.
يقول الحكيم والفيلسوف الصيني “كونفوشيوس” في شأن التخطيط لصناعة الأمم: “إذا كان مخططك لعام واحد فازرع الأرز، وإذا كنت تخطط لعشرة أعوام فازرع الشجر، أما إذا كنت تخطط لمائة عام فقم بتعليم الأطفال”. فالتخطيط بعيد الأمد يمثل الاستثمار الحقيقي في الإنسان والبناء الفكري، لأن تعليم الأجيال يصنع أمماً تبتكر وتستمر لعقود طويلة. فتحقيق النمو في أي بلد يرتكز أساساً على الرأسمال البشري. فلا يهم أن تسير ببطء، ما دمت لا تتوقف.
لكن.. في زمن الرداءة والقرارات العمومية العشوائية التي تكاد تعصف بالذاكرة التربوية للمغاربة، التي أصبحت مستهدفة من طرف أشباه المثقفين وأذناب الفرانكفونية البئيسة التي تصوب سهامها تجاه التراث المعرفي والقيمي الذي تربى عليه المغاربة، والنسب المخيفة للهدر المدرسي (يغادر كل سنة 350 ألف طفل أقسام الدراسة، حسب تقارير رسمية).
وعندما نعلم أن المغرب يحتل المرتبة 82 من أصل 90 دولة في تصنيف “بيزا” للتعليم (PISA 2025)، وهو برنامج دولي لتقييم مهارات وقدرات التلاميذ بعمر 15 سنة. ونسبة التعثر تقترب من 74% من التلاميذ لم يبلغوا المستوى الأساسي الثاني في المواد الأساسية. ورغم أن وسائل المعرفة أصبحت متوفرة، من هواتف نقالة وكومبيوتر وأدوات تكنولوجية حديثة وإنترنت… إلا أن المغرب يحتل المركز 122 عالمياً (مؤشر الازدهار العالمي 2026 – معهد ليغاتوم -) وهي مرتبة أخيرة في المغرب العربي حيث تقدم على دولة موريتانيا فقط…!؟؟ وتوجه السياسات العمومية نحو خصخصة قطاع التربية والتعليم.. حيث أصبحت المدارس الخاصة تنبث كالفطر، همها الوحيد ابتزاز التلاميذ وأوليائهم (النفخ في النفط والزيادات المتتالية…) والتربية والتعليم في المقام الأخير في ظل غياب المراقبة والتتبع… عندها ندرك أن هناك تراجعاً كبيراً في قطاع التعليم وتنمية المهارات..!؟
في ظل هذه الأجواء والمعطيات الصادمة يزداد الحنين والشعور لاستدعاء ذكريات الأجيال السابقة، فأصبحنا نَحِنُّ إلى أيام زمان، أيام المدرسة الابتدائية العمومية بوسائلها المتواضعة؛ زمن عندما كان يكلفك المعلم بتوصيل طبشورة أو مذكرة أو جذاذة للأستاذ بالفصل المقابل، تدخل مزهواً كالطاووس أمام زملائك وكأنك مبعوث الأمم المتحدة، وخصوصاً إذا بدأ المعلم في مدحك والثناء عليك أمامهم. هل تدرون من هو هذا الجيل..؟ نحن الجيل الذي مشى سيراً على الأقدام ذهاباً وإياباً بدون حافلة ولا طاكسي… في عز الحر وتحت زخات المطر وعبر برك الماء التي تخلفها أمطار الخير.. مرددين يا إخوتي جاء المطر… اشتا تا تا تا ألوليدات الحراثة…، وتحمل كل المشاق طوال التسعة أشهر للموسم الدراسي، نحن الجيل الذهبي للمدرسة العمومية، جيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي، نحن من تشرفت به المدرسة. نحن جيل اختبار المقرر والمنهج الدراسي كاملاً من الألف إلى الياء من دون دروس خصوصية ولا دروس الدعم… ولا اختيارات في الامتحان. كان معلمنا القسم الثاني ابتدائي يخصص 30 دقيقة الأخيرة من الحصة لدعم بعض التلاميذ في كتابة الحروف والكلمات للحاق بزملائهم، مبادرة شخصية لأطفال المستقبل.
نحن جيل “قم للسبورة وأشكل القطعة أو النص وحل المسألة أمام زملائك ودون أخطاء مخافة السخرية من طرفهم… أو اكتب القطعة 10 مرات”. نحن الجيل الذي يحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب في السنوات الأولى للأقسام الابتدائية ويكتفي بأدوات ولوازم مدرسية بسيطة؛ بسبورة حجرية وريشة ومطالعة “اقرأ” للراحل بوكماخ التي تزرع فيه قيم الوفاء والفضيلة والكرم ورفعة الأخلاق، مثل دروس “أيام الجد والنشاط، كرم حاتم الطائي، الله يرانا سعاد في المكتبة، أحمد والعفريت وزوزو يصطاد السمك…” ويعتمد البساطة حتى في لعبه: “هيا هيا نجري جرياً غط البصر وخذ الحذر أنا في الصف أنا في الخلف…” ويصنع ألعابه بمهارة يدوية بما توفر لديه من أشياء وأدوات من حوله… (علبة نيستلي، أسلاك، مطاط أو كواتشو……) نحن جيل المجلات الحائطية والنشاط المسرحي والألعاب الرياضية المدرسية، المشتل الذي صنع الأبطال العالميين… والمسابقات الثقافية… نحن جيل لم ينهار نفسياً من عصا المعلم رغم قسوة بعضهم علينا سامحهم الله، لعلمنا أن ضربهم كان برحمة أكثر منه عقاباً.. ويحرصون على خدمة التربية قبل التعليم، علموا أجيالاً في ظروف قاسية، زرعوا فيهم روحاً وطنية عالية وحباً للعلم وقيماً نبيلة هي التي تروي جفاف هذا الزمان..
وجيل لم يتأثر عاطفياً بظروف العائلة وبشظف العيش، ولم تتعلق قلوبنا بغير أمهاتنا، ونفخر بتقبيل أيدي الوالدين صباح مساء، وكذلك المعلم الذي يعتبر الأب الروحي وقدوتنا في كل شيء، الجيل الذي كان يجسد حقيقة شعار “قم للمعلم وفه التبجيل.. كاد المعلم أن يكون رسولا..”. ونحن الجيل الذي يحفظ ويردد النشيد الوطني (منبت الأحرار…) كل صباح في ساحة المدرسة، ويشاهد كل يوم كتابات ورسوماً حائطية على جدران المدرسة وفصول الدراسة كلها ترمز إلى الخير والفضيلة… “العلم نور والجهل عار….” نحن من يخلد ذكرى المدرسة العمومية بأثر الجلبة (لقاح) على ذراعه طوال حياته، ويتلقى الوقاية من أمراض العيون بالبومادا (المرهم) على يد معلميه… نحن الجيل الذي تستقبله الأمهات بالزغاريد عند خروجه من امتحان الشهادة الابتدائية، وما أدراك ما الشهادة…!؟ ولم يخيب رجاء الوالدين وآمالهم. نحن جيل المدرسة العمومية التي صنعت مجد المغرب وخرجت أطراً وكوادر تشرفت بها الإدارات المغربية وفي تدبير شؤون الدواوين والوزارات… تجد حاصلاً على شهادة الدروس الثانوية (بروفي أو CES) بل وحتى شهادة الابتدائي يستطيع تسيير شؤون إدارة بأكملها، جيل كرس كل جهوده وكفاحه من أجل مغرب واعد على كافة المستويات، وحيث كانت النتائج تفوق التوقعات.
نحن جيل لم ندخل إلى مدرستنا بهواتفنا النقالة، ولم نشكُ من كثافة المقررات الدراسية ولا من حجم الحقائب ولا كثرة الواجبات المدرسية. نحن جيل لم يستذكر لنا أولياء أمورنا دروسنا ولم ينجزوا لنا واجباتنا المنزلية، بل كنا نتنافس على تحقيق أحسن النتائج.
نحن جيل لم يرقص على أغاني وموسيقى السخف والتفاهة، بل كان يعشق الأغاني الخالدة لكوكب الشرق أم كلثوم وللمجموعات الشعبية كناس الغيوان ولمشاهب.. و.. حضور الحلقات بالساحات العمومية غالباً تنظم من طرف رجل يمارس الحكي من خلال كتاب أصفر قديم يحمله وبأسلوب فيه كثير من الإثارة والتشويق لانتظار الحلقات القادمة (كسيف ذو يزن و…) وننتظر بشغف كبير فرق السيرك، وكنا نحرص ونستمتع بمشاهدة نصب الخيمة الكبيرة التي تحتضن الألعاب البهلوانية وملاعبة وترويض الحيوانات المفترسة… وكنا نحب الفن الذي يحترم أذواق ومشاعر الجماهير. جيل يترقب بلهف شديد حلقات المسلسلات التلفزية الهادفة مرة في الأسبوع كمسلسل فارس بني عياد وعازف الليل… وأفلام ومسلسلات رعاة البقر (كيت كرسون..) وغيرها كثير. وحتى برامج الأطفال من الرسوم.. و… كان فيها الخير والشر واضحين… وكنا من فرط حيائنا وحبنا نقبل المصحف الشريف عند فتحه وغلقه كما تلقينا ذلك من فقهائنا بالكتاتيب القرآنية في صغرنا، ولم نرهق كاهل آبائنا بالطلبات ولم نكلفهم كثيراً في تربيتنا، وكنا نرتدي الملابس المتواضعة ونتناوب على الكتب والمقررات وحتى الملابس من كبيرنا إلى صغيرنا. نحن جيل كنا نلاحق بعضنا في الطرقات القديمة بأمان، ولم نخش مفاجآت الطريق، ولم يعترض سبيلنا لص ولا قاطع طريق ولا مجرم ولا خائن وطن..
نحن جيل كنا ننام عند انطفاء الكهرباء في فناء المنازل ونتحدث كثيراً ونضحك كثيراً ونتسامر كثيراً وننظر إلى السماء ونعد النجوم بفرح، كما كنا نحيي الشرطي بهيبة واحترام.. نحن جيل تربى على المحبة والتسامح والصفح ونتجاوز عن زلات بعضنا البعض.. نحن جيل كان يكن حباً واحتراماً للوالدين وتقديراً للمعلم وتوقيراً لسابع جار.. ونتقاسم مع الصديق المصروف والأسرار واللقمة، جيل يحمل وصلة خبز الدار والجيران إلى فران الحومة، جيل يلحس طابع البريد لإلصاقه بظهر الظرف ويعيش متعة الجلوس أمام الطاولة والورقة البيضاء لخط رسالة بعبارات مختارة بعناية مع البطاقات البريدية (carte postale) وانتظار ساعي البريد ليحمل إليك رسالة. جيل الذي كان يستعمل (ستيلو بيك) في إحدى دائرتي الكاسيت ليعيد الشريط إلى الخلف، ويشحن بطاريات جهاز التسجيل بغليها في الماء على النار لشحنها، ويلبس سروال جينز ذو قدم الفيل (باط اليفون).
نحن الجيل الذي رغم التضييق والقمع خلال “سنوات الرصاص” وقلة المنابر ازدهرت في عهده الآداب والفنون، ورغم محدودية الإمكانيات تفجرت الطاقات والمواهب.
جيل الذي يحيي حفل آخر السنة الدراسية يتحلق حول طاولة فيها قطع بسكويت وزجاجة “مونادا” من الحجم الصغير، ويأخذ صورة تذكارية لتلاميذ الفصل وسط الساحة مع المعلم بلوحة أو سبورة تشير إلى سنة الموسم الدراسي، والذي معظمنا يحتفظ بها في بيته. ونحن الجيل الذي عايش الأمجاد الكروية والذي عاصر أول مشاركة عربية وإفريقية لأبطال وأسود الأطلس في كأس العالم بالمكسيك 1970، هذا الرعيل الذي شرف المغرب في المنتديات القارية والعالمية وجعل رايته ترفرف عالياً أمثال فرس وباموس وعلال وبيتشو واللائحة طويلة….
نحن أبناء المدرسة العمومية التي تجعلك تخطو وتتسلق أولى درجات الترقي في السلم الاجتماعي وتكسب هيبة واحتراماً بين الناس.
إنها ذكريات وإهداء للزمن الجميل.
“There is only one good, knowledge, and one evil, ignorance”
“ليس هناك سوى خير واحد وهو المعرفة، وشَر واحد وهو الجهل.”
Socrates
(يلخص سقراط الفلسفة الأخلاقية للتعليم بكونه الخيار الوحيد لتجنب الانحدار الفكري)
أستاذي،
شكراً لك على هذا المقال الفريد الذي لامس شغاف القلوب وأوضح بعمق سبب حب واعتزاز جيل الستينيات والسبعينيات بتلك الحقبة النبيلة، غير أنه يضعنا أمام مفارقة عجيبة: كيف للمدارس اليوم، رغم وفرة التكنولوجيا والوسائل الحديثة، أن تنتج نتاجات شحيحة مقارنة بذاك الزمان؟ يبدو أن السر يكمن في البصمة التربوية الأصيلة، حيث كانت سلسلة “اقرأ” لأحمد بوكماخ درساً في الحياة والحكمة أعمق من مجرد مقررات دراسية، وهو ما يتعذر تكراره في زمن السلعية والسرعة. أرى أن مشكلتنا اليوم لا تكمن في قلة الموارد بقدر ما تعود إلى غياب “الروح التربوية” التي كانت تحول البساطة إلى تميز والكتاتيب إلى مصانع للرجال.
«ليست العبرة بما نضعه في حقيبة الطفل من أدوات، وإنما تتجلى في ما نغرسه في قلبه من قيم وكرامة تبقى معه العمر كله»
كل التحية والتقدير لك ولجيلٍ ذهبي رسم بجهده ووفائه معالم المغرب الصامد.
ALHOCEIMA