رمضان في بني ملال .. احتفالية دينية وطقوس للخصوصيّة المحليّة

رمضان في بني ملال .. احتفالية دينية وطقوس للخصوصيّة المحليّة
الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 01:20

يشكل شهر رمضان الأبرك عند العديد من الأسر المغربية مناسبة دينية سنوية تكتسي دلالات تقتدي بالسنة النبوية الشريفة للتقرب إلى الله، وفرصة للاحتفال بطقوس وعادات تعكس الخصوصية الثقافية المحلية التي توارثها الآباء عن الأجداد.

وتحيي ساكنة مدينة بني ملال، وعلى غرار باقي المدن المغربية، هذا الشهر الكريم بعادات وتقاليد مستوحاة من الذاكرة التراثية للمغرب المعروف بتنوعه الثقافي حيث تحرص الساكنة، على الرغم من مظاهر التمدن التي تطبع بعض مناحي الحياة والتحولات الاجتماعية التي أصبحت تشهدها المدينة وضواحيها، على التشبث بالأصالة والهوية المغربية احتفاء بالشهر الفضيل من خلال ممارسة طقوس وعادات مترسخة في الذاكرة المحلية.

ولاستقبال الشهر الكريم في أجواء روحانية يعمل شباب ونساء المدينة على تنظيف وتزيين المساجد وتهيئتها، وترتيب كل مستلزماتها وتطييبها بروائح زكية من أجل توفير الظروف الملائمة للمصلين الذين يحرصون طيلة هذا الشهر على أداء صلواتهم بالمساجد وخاصة صلاة التراويح التي تبقى السمة البارزة في هذا الشهر.

وتشهد مختلف مساجد المدينة في هذه المناسبة إقبالا مكثفا للمصلين لأداء شعائرهم الدينية في أجواء روحانية طلبا للأجر والمغفرة والثواب، إلى جانب حضورهم دروس الوعظ والإرشاد والمحاضرات والندوات الدينية التي تلقى ما بين العشائين وقبل صلاة الظهر والعصر بمختلف المساجد والتواصل مع الوعاظ حول الفضائل الدينية والصحية لشهر رمضان.

ومن الطقوس المتوارثة التي تحرص ساكنة المنطقة، احتفاء بالضيف فوق العادة، على ممارستها تلك المتمثلة في تخصيص إفطار خاص ومتميز للأطفال الذين يصومون رمضان لأول مرة حيث تقبل الأسر على تنظيم احتفالات تنهل من الذاكرة الشعبية والتاريخية من قبيل تخضيب يدي الطفل الصائم بالحناء وإلباسه الزي المغربي التقليدي، وكذا تخصيص وجبة فطور جماعي تجمع الأطفال الصائمين من ساكنة الحي في خطوة تشجع الناشئة على الصيام والتشبث بتعاليم الدين الإسلامي السمح.

وإلى جانب التعبد والتقرب إلى الله وفعل الخير، تحرص الساكنة الملالية في هذه المناسبة الغالية على ممارسة تقاليد وعادات توارثها الأجيال على الرغم من بروز مظاهر التمدن والموضة خاصة تلك المرتبطة بالأكل واللباس والإكثار من زيارات الأهل والأحباب، وكذا إحياء ليالي رمضان بطقوس تنبع من الموروث الشعبي والذاكرة المحلية.

ويشكل هذا الشهر الفضيل مناسبة لاستحضار غنى المائدة المغربية ومن خلالها الأكلات الملالية التي توليها ساكنة المنطقة اهتماما كبيرا، خاصة تلك التي تؤثث مائدة الإفطار والتي تضم أطباقا تتميز بتنوعها من قبيل الفطير المشهور محليا (بالشيار) الممزوج بالعسل والزبدة، والفطائر بمختلف أصنافها مثل “البغرير” و”المسمن”، وأصناف الحلويات (الشباكية والمخرقة) والتين ومختلف أنواع التمور التي تقدم إلى جانب شربة (الحريرة) الطبق الرئيسي ضمن مكونات مائدة الإفطار في شهر رمضان.

كما تؤثث مائدة الإفطار طبق (سلو) الذي يعد من الأطباق الرئيسية في رمضان، والأسماك والعصائر والبقوليات والبيض والأجبان والحليب المادة الأساسية عند وجبة الفطور والبيض المسلوق ومثلثات اللوز، إلى جانب الشاي وبعض الحلويات التي تقدم بعض صلاة التراويح.

ومن أبرز الطقوس الغذائية التي دأبت الأسر على إحيائها بالمنطقة لعلها المرتبطة باحتفالات ليلة القدر أو ما يعرف ب “ليلة 27” حيث تحرص الأسر الملالية، على غرار باقي المناطق المغربية، على إعداد طبق الكسكس كوجبة رئيسية تقدم للمصلين المرابطين في المساجد لإحياء الليلة والاستمرار في أداء الشعائر الدينية إلى حلول موعد أذان الصبح.

كما يحرص الملاليون، في هذه المناسبة، على تكريس عادات وتقاليد مرتبطة بالذاكرة الشعبية المحلية حيث يتشبث أهالي المنطقة بالزي التقليدي الذي يكثر عليه الإقبال خلال هذا الشهر، حيث يحرص الرجال على ارتداء اللباس التقليدي من بلغة وجلباب وجبادور ودراعية، في حين تقبل النساء على ارتداء القفطان المغربي والجلابيب التي تبرز مهارة أنامل الصانع المغربي التقليدي الأصيل.

وتجسيدا لعادات تجعل من هذا الشهر فترة استثنائية على مدار السنة، تحرص الساكنة المحلية على زيارات الأهل والأحباب وإحياء صلة الرحم، وكذا توافدهم بعد أداء صلاة التراويح على المنطقة السياحية بالمدينة (عين أسردون) وباحات الاستراحة والحدائق والساحات العمومية من أجل الاستجمام وقضاء فترات راحة خاصة وأن رمضان لهذه السنة تزامن مع ارتفاع كبير في درجة الحرارة فاقت 40 درجة. ولا تكاد تخلو بعض العادات خلال هذا الشهر الأبرك من سلوكات وظواهر سلبية كإقبال البعض على السهر في المقاهي ولعب الورق ومتابعة البرامج التلفزيونية.

وتبقى هذه التقاليد، على الرغم من التطور الهائل الذي يعرفه نمط عيش المناطق بالإضافة إلى التكنولوجيا الحديثة التي عملت على التخلي عنها أو نسيانها، جزء من تاريخ الشعب المغربي الضارب في عمق الحضارة العربية والإسلامية، والتي تستدعي مزيدا من الاهتمام من قبل الباحثين والمهتمين بالثقافة المغربية الأصيلة من أجل توثيق التراث المحلي كواجب ثقافي وطني وإنساني، وتشجيع البحث السوسيولوجي والفني والأدبي والتاريخي والأنتروبولوجي المحلي.

*و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • يوسف
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 01:31

    شكرا هسبريس على هاد المقال .. بني ملال رغم قساوة الطقس إلا أن الأجواء جد حميمية و عائلية .. و الله يدخل هاد الشهر المبارك على بلادنا المغرب بالخير و النمو

  • بنت بني ملال
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 01:36

    الله يدومها على مغربنا بالسلام و المحبة و الهناء ملكا و شعبا، وشكرا على الاهتمام بتقاليد مدينة بني ملال التي كانت الى الامس القريب غير معروفة

  • Ali
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 02:10

    تشكراتي لهسبريس على هذا المقال الجميل واتمنى ان يعيد الله هذا الشهر الفضيل عاى جميع المغاربة قاطبة ولى جميع المسلمين كافة بالصحة والسلام.

  • ZEMMOURI
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 04:23

    Salut chaleureux aux gens de BENI MELLAL cette belle ville ou je passais 10 ans de ma vie en qualité de prof. d état et je suis fièr d avoir enseigné mes chers élèves de Béni Mellal…. des gens vraiment généreux que DIEU les garde et protège cette belle ville MERCI HESPRESS MERCI Béni Mellal

  • marouane razzak
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 08:04

    merci bcp hespress pour l article.

  • Edaoudi Mohamed
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 09:56

    شكرا هس بربس على هدا المقال عن مدينتي الحبيبة …هدا ثاني رمضان أقضيه بعيدا عنها …رغم قساوة الطقس الا أن رمضان هناك مع العائلة له طعم خاص

  • JF - LILLE
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 10:07

    Ce fut un grand plaisir de lire cet article sur ma ville ntale que j'admire et j'admirai tout au long de ma vie malgré les oubliettes des archives de l'Etat.. Merci Hespress et je souhaite bien qu'on nous fasse de temps en temps des artciles comme celui ci sur d'autres villes Marocaines ( Sorte de vendre des séjours et de faire connaître notre beau pays) …

  • السعدية
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 10:15

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اهل الله عليكم شهررمضان المبارك باليمن والايمان والسلامة والاسلام وتقبل منكم صيامه وقيامه وأفاض عليكم فيه رحمته ونعمه الظاهرة والباطنة وختمه لكم بالعتق من النار.

    شكرا جزيلا لكاتب المقال و شكرا هسبرس لنشره. و إن كانت بني ملال لا تختلف كثيرا على مناطق متعددة في المغرب بخصوص تقاليد و طقوس الشهر الفضيل، إلا أن تناول بني ملال في المقال لوحده أثلج صدري. فالمرجو أن تحضى مناطق أخرى من بلدنا العزيز بنفس الاهتمام.

    أشكر، كذلك من سبقوني بتعليقهم على هذا المقال و أعتز أيما اعتزاز بشهادة الأستاد المحترم (التعليق 4).

    موفقين ياأبناء بلدي العزيز، المغرب الحبيب.
    سلام

  • temoin
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 12:08

    merci bien hespress d'avoir publié ce joli article sur ma belle vile qui est ben mellal.nous les mellalis nous sommes fiers d'y appartenir à ce coin pittoresque du Maroc .une région riche par sa splendeur et son savoir de vivre et surtout par la bonté de tes habitants, sans oublier que cette richesse est due à l’indulgence de la nature comme dit dans le coran "ouaja3alna mina al mae kolla chayen hay "sadaka alahou al 3adim

  • hicham
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 12:27

    grand merci a hespress pour cet article sur ma chere ville et ramadan moubarak a tout les marocains

  • ملالي
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 13:02

    السلام عليكم
    في بني ملال أيضا وفي مثل هذه الأيام الرمضانية من كل سنة يثير انتباهي قبيل دخول وقت الصلاة ( صلاة العشاء خاصة) شباب من نوع خاص : بمعنى شباب لا تلهيهم ما يقدم من برامج في التلفاز و لا يكترثون بما يقع في شوارع المدينة ليلا و لا تجلبهم عادة الجلوس بالمقاهي أو متابعة كأس أمم أوروبا بفرنسا او منافسات كرة القدم بامريكا اللاتينية……
    همهم الوحيد و الأوحد في هذا الشهر هو الانخراط في عمل تطوعي حر يقومون به بكامل رغباتهم …يبذلون جهدا أو وقتا في خدمة المصلين دون انتظار عائد مادي: فمنهم من ينظف أفرشة المسجد ومنهم من ينظف مرافقه ومنهم من يقوم بإرشاد التائهين ومنهم من يساعد المسنين على الجلوس ومنهم من يقدم أكوابا من الماء البارد لضيوف بيوت الله…وعندما تحدث أحدا منهم يجيبك أن خدمة المصلين شرف عظيم ومهمة نبيلة…..و أن خدمة المصلين و رعاية المسجد أعز إليه من تنظيف منزله.
    أي شباب هذا ؟ إنه شباب من صنف خاص.

    تحياتي

  • من بني ملال
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 16:14

    السلام عليكم
    وفي بني ملال وفي مثل هذه الأيام الرمضانية من كل سنة يثير انتباهي قبيل دخول وقت الصلاة ( صلاة العشاء خاصة) شباب من نوع خاص : بمعنى شباب لا تلهيهم ما يقدم من برامج في التلفاز و لا يكترثون بما يقع في شوارع المدينة ليلا و لا تجلبهم عادة الجلوس بالمقاهي أو متابعة كأس أمم أوروبا بفرنسا او منافسات كرة القدم بامريكا اللاتينية……
    همهم الوحيد و الأوحد في هذا الشهر هو الانخراط في عمل تطوعي حر يقومون به بكامل رغباتهم …يبذلون جهدا أو وقتا في خدمة المصلين دون انتظار عائد مادي: فمنهم من ينظف أفرشة المسجد ومنهم من ينظف مرافقه ومنهم من يقوم بإرشاد التائهين ومنهم من يساعد المسنين على الجلوس ومنهم من يقدم أكوابا من الماء البارد لضيوف بيوت الله…وعندما تحدث أحدا منهم يجيبك أن خدمة المصلين شرف عظيم ومهمة نبيلة…..و أن خدمة المصلين و رعاية المسجد أعز إليه من تنظيف منزله.
    أي شباب هذا ؟ إنه شباب من صنف خاص.
    اللهم أكثر من هؤلاء لتعج المدينة بهم عوض مصادفة المتسكعين الذين لاتخلو البلدة منهم.
    تحياتي

  • الصديق
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 16:47

    انا ملالي لكن الظروف العملية ابعدتني عن هذه المنطقة الغالية صراحة شكرا لهسبريس على هذا المقال الجميل بني منطقة غنية بتنوعها الثقافي بخيرانها الخير موجود ناسها كرماء خصوصا في العوشر كذلك الاعياد انا صراحة كنرتاح في بني ملال لي بغيتي موجود ومن هذا المنبر تحية خالصة لجميع ساكنة مدينة بني ملال والفقيه بن صالح وجميع تلك المناطق والمناطق المغربية من طنجة الى الكويرة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10 3

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة