هل لازال بالإمكان الحديث عن الانتخابات كمحطة مفصلية في إعادة بناء المشهد السياسي بالمغرب؟ في مواجهة ذبول النثر السياسي، يمكن أن نصوغ السؤال بطريقة شاعرية، على لسان أبي الطيب المتنبي: عيد بأية حال عدت يا عيد * بما مضى أم بأمر فيك تجديد
هل عادت الانتخابات لكي تعيد النظر في التدبير السياسي الحكومي من 2021 إلى 2026؟ إن وظيفة العيد، هو أن يرسم للزمن مساراً غير المسار الذي كان يسير عليه، مع العيد يتغير معنى المعيش اليومي. فهل ستعيد الانتخابات اجترار ما مضى من تدابير سياسية، أبانت عن فشلها وعجزها في تحقيق الأفضل، وهي بذلك ستفقد معنى العيد؟ أم أنها ستتحول إلى استحقاق يجسد معنى العيد، يضفي معنى آخر على الزمن، ويحدث رجة داخل الرتابة السياسية؟
لقد فقدنا زمان الانتخابات، وتحول إلى مجرد زمن للانتخابات لا تداعيات له. سابقاً لم يكن زمان الانتخابات مثل الزمن الحالي، كانت الانتخابات فرصة حقيقية أمام المعارضة، للتعبير عن مبادئها وأفكارها وأحلامها. كانت (مثلما كان الشأن في عيد الشغل) فرصة متاحة على مضض، لانتزاع من النظام السياسي القائم، الحق في الاعتراض، والحق في الجدال العمومي، والحق في الشارع والعلاقة المباشرة مع الجماهير. رغم القمع والقبضة الحديدية، كانت الانتخابات تخلق الحدث، ولها تداعيات على ما بعد الانتخابات، سواء لدى الجماهير، أو حتى لدى السلطات…
كانت المعارضة حاملة لوعد سياسي مغاير، كانت معارضة صريحة للنظام السياسي، وللحكومات المتعاقبة. ورغم ما كانت تتعرض له الانتخابات من تلاعبات ومن تدخلات من أجل فرض الخريطة السياسية وهندستها على المقاس، فقد كانت المعارضة تجسد نسبياً صوت الشعب، تخرج منهزمة في الأرقام، ومنتصرة في القلوب وفي العقول، وفي التطلعات والآمال والمنتظرات، وتخرج مصرة على الاستمرار في درب النضال. هكذا كان الزمان السياسي، يتكون من زمان انتظار التغيير، واعتبار زمن الانتخابات هو زمان البحث عن التغيير المرتقب، حيث ترفع شعارات العدالة والحرية والكرامة. أما زمن انتخابات اليوم هو زمن ضيق، وليس زماناً سياسياً ممتداً، إنه زمن يخيم فيه البؤس والإحباط واللاجدوى والعبث.
كان زمان الانتخابات هو زمان الصراع الإيديولوجي، بين اليمين واليسار، هو أيضاً زمان الصراع بين الأحزاب التاريخية الحاملة لإرث الحركة الوطنية، وبين الأحزاب التي كانت تسمى إدارية، والتي يتم طبخ تشكلها متى دعت الضرورة اللاديمقراطية إلى ذلك. كان زمان الانتخابات هو صراع بين رموز سياسية لهم جذور في الحزب وفي التاريخ النضالي، كان الصراع بين أشخاص ينتمون لأحزاب مقتنعون بمرجعياتها وبمشاريعها. أما الآن فقد اختلط الحابل بالنابل، وتقلصت الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار، ولم تعد الإيديولوجيا خطاً فاصلاً في بناء التحالفات، فكل الطرق تؤدي إلى السلطة. فمع إضعاف المعارضة وكسر شوكتها، ومع خفوت جذوة الأحزاب التاريخية، أصبحت أغلب الأحزاب إدارية. كما أن الصراع السياسي اليوم ليس صراعاً إيديولوجياً، بل صراع مواقع والاقتراب أكثر من هرم السلطة. إنه صراع بين أشخاص لا تعارض بينهم فكرياً أو سياسياً، بقدر ما تتضارب مصالحهم. إنه صراع بين أحزاب يملأون فراغهم الحزبي بالمشروم من الفطريات، وبالتالي بأي شخص يمكن أن يلعب دور المظلي السياسي، المستعد للدفاع عن أي شيء وعن لاشيء.
إن زمن الانتخابات اليوم، هو زمن أزمة الديمقراطية. فإضعاف المعارضة علامة صارخة على هشاشة الديمقراطية. ذلك أن الديمقراطية لا تختزل في إجراء الانتخابات، بل هي واجهة ضيقة من أوجه الديمقراطية. فلا ديمقراطية ولا قيمة للانتخابات بدون معارضة قوية، وبدون جدال عمومي رفيع، وبدون حرية التعبير والرأي، وبدون إمكانية التغيير، وبدون أخذ بعين الاعتبار سيادة الشعب. يبدو وكأن المؤسسات أصبحت مستعصية على التغيير، وكأن ممارسو السلطة لا يستمعون لنبض الشارع والمجتمع، وكأن ممثلي الشعب لا يمثلونه. فالمهمة تنتهي في أن يصوتوا، ومهمته أن يخدم السلطة لا أن ينوب عن الناس في محاورة السلطة.
وهذا ما يبرر اتساع رقعة العزوف السياسي، وتراجع الدور الفعلي المنوط بالأحزاب السياسية. إننا نعود إلى أزمة الديمقراطية في أصولها، في كتاب العقد الاجتماعي لجون جاك روسو، وجه نقداً لاذعاً للديمقراطية التمثيلية معتبراً أن السيادة الشعبية هي الإرادة العامة، التي يكاد يستحيل تفويضها إلى ممثلين، لأن ذلك سيؤدي إلى تعويض إرادة الشعب بإرادة النواب. لقد كان روسو يعتبر أن التمثيلية تحمل مخاطر تدمير الديمقراطية وغصب السلطة. لذا اقترح تعويض النواب التمثيليين بالوكلاء التفويضيين، الذين لا يقررون مكان الشعب.
علاوة على ذلك فالانتخابات الحالية، تعتمد على نظام اللائحة المغلقة، التي تفرض بالتصويت لصالح قائمة حزبية وفق الترتيب الذي يريده الحزب، ويفرضه على المنخرطين والمتعاطفين والمصوتين. وهذا ما يجعل من يوجد على رأس اللائحة، يحظى بترشيح جزافي، يمنحه مسبقاً سلطة المصادقة. وهي صيغة درجة ديمقراطيتها أقل من اعتماد اللائحة المفتوحة في صيغتيها: اللائحة المفتوحة المعتمدة على التصويت التفضيلي، الذي يمكن للناخب من تعديل نظام الترتيب في القائمة التي سيصوت عليها، وهذا تتبناه العديد من الدول مثل فنلندا والسويد. واللائحة المفتوحة القائمة على التصويت المختلط، إذ بإمكان الناخب تشكيل قائمة الاقتراع التي يقترحها عن طريق اختيار مرشحين من لوائح مختلفة، مثلما هو عليه الأمر في سويسرا ولوكسمبورغ.
إن التحدي الأساسي الذي تواجهه الديمقراطية والانتخابات الحالية، هو الفجوة الحاصلة بين تطلعات المواطنين واستحالة الاستجابة لها. وبالتالي الفجوة الحاصلة بين سيادة الشعب وسلطة القادة. كما أن انفصال السياسة عن السلطة يزيد من حدة إضعاف الديمقراطية، فالحكومات في زمن الانتخابات الحالية تفتقد للسلطة، خاصة في هذا السياق الزمني المعولم. فالطموح السياسي الحالي هو الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، أي ممارسة السياسة بدون سلطة، وبدون قوة مجتمعية. فهل لازال بالإمكان الحديث عن ممثلي الشعب؟ هل لازال بالإمكان ترقب التغيير أم أن الاستمرار على نفس النهج السياسي هو واقع لا يرتفع؟ ألم نضيع الفرص المتاحة (حراك 20 فبراير وحركة جيل زيد) في إحياء الجسر الرابط بين الشارع والمجتمع، وبين السلطة والشعب، وبين الشباب والسياسة؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.