سياسة صناعية

سياسة صناعية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:16

السينما بين البرنامج الحكومي ومالية 2027: من انتظار الدعم إلى المطالبة بسياسة صناعية

يحق للمهنيين، مع انطلاق الولاية الحكومية 2026–2031 ومناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، أن يطرحوا سؤالا مباشرا: ما نصيب السينما من الالتزامات المتعلقة بالاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية؟ فهذه الاختيارات تهم القطاع في صميم نشاطه؛ داخل شركة الإنتاج، وفي موقع التصوير، وعند موزع الفيلم، وفي القاعة التي تستقبل الجمهور.

والمطلوب مهنيا هو ترجمة هذه الالتزامات إلى حقوق وفرص وأدوات تمويل. فالمقاولة السينمائية تحتاج إلى شروط للاستمرار، والعامل يحتاج إلى ضمان حقوقه بين مشروع وآخر، والفيلم المغربي يحتاج إلى مسالك للوصول إلى جمهوره. ومن هذه الزاوية، ينبغي أن تناقش مكانة السينما في المشروع الحكومي وفي ميزانية الدولة.

1. الاعتراف بالسينما صناعة يقتضي تمكينها من أدوات الاستثمار

حين ندافع عن السينما باعتبارها صناعة، فإننا نطالب بأن تستفيد مقاولاتها من أدوات السياسة الاقتصادية: التمويل والضمان والتحفيز والتكوين ومواكبة التصدير. فلا يستقيم أن يطلب من المنتج أن يبني مقاولة مستقرة، ويطور المشاريع، ويشغل الكفاءات، ويتحمل المخاطر، بينما تظل قدرته على التخطيط مرتبطة بنتيجة طلب دعم أو بمداخيل فيلم واحد.

ومن هنا، يصبح فتح التمويل البنكي أمام المشاريع السينمائية، بضمانات ملائمة لطبيعتها، مطلبا يستحق التفاوض. كما يستحق تمويل مرحلة تطوير المشاريع، وتمويل الخزينة المرتبط بعقود مؤكدة، وتشجيع الاستثمار الخاص في الإنتاج والتوزيع والعرض، أن يجد مكانه ضمن أدوات دعم المقاولة.

ويتطلب ذلك إطارا جبائيا واضحا يراعي خصوصية دورات الإنتاج والاستثمار، ويتيح للمهني أن يعرف مسبقا كلفة مشروعه والتزاماته. فالوضوح المالي شرط لاتخاذ قرار الاستثمار، بقدر ما هو شرط للامتثال.

2. إصلاح الدعم يبدأ من حاجات الفيلم واستقلالية الاختيار الفني

الدفاع عن تعزيز الدعم العمومي للسينما يظل مطلبا مشروعا، لكنه يكتسب قوته حين يقترن بتحديد ما ينبغي أن يموله وكيف يصل إلى مستحقيه. فالفيلم يحتاج إلى وقت للكتابة والتطوير، وإلى تمويل للإنتاج، وإلى موارد للترويج والتوزيع. وأي اختلال بين هذه المراحل يضعف فرص العمل بأكمله.

ولهذا، ينبغي أن تتجه المطالب المهنية نحو برمجة مالية تسمح بالتخطيط، وآجال معلنة لدراسة الطلبات وصرف المستحقات، ومعايير واضحة تراعي اختلاف الأفلام ومسارات أصحابها. كما ينبغي توفير فرص فعلية للأعمال الأولى، وللأفلام الوثائقية والقصيرة والتجريبية، وللتعبيرات التي تجدد اللغة السينمائية وتعكس التنوع الثقافي واللغوي للمغرب.

ولا يجوز اختزال تقييم الدعم في عدد التذاكر المبيعة. فنجاعة الإنفاق العمومي تشمل أيضا اكتشاف المواهب، وتطوير المهارات، وتوسيع تداول الأعمال، وحفظ التعدد الفني. والمطلوب هو تقييم يناسب أهداف كل آلية تمويل، ويصون حرية الإبداع.

3. البنية التحتية يجب أن تخدم الإنتاج الوطني والمقاولة المحلية

يبرز مشروع المدينة الدولية للسينما بورزازات ضمن الاستثمارات المعلنة، بكلفة إجمالية تبلغ 240 مليون درهم، تتضمن مساهمة لقطاع التواصل قدرها 60 مليون درهم خلال الفترة 2027–2029. وهذه المساهمة متعددة السنوات لا تمثل الميزانية السنوية للسينما.

ومن الموقع المهني، فإن السؤال الأساسي يتعلق بشروط الاستفادة من هذا الاستثمار: كيف سيصل المنتج المغربي إلى تجهيزاته؟ وبأي كلفة؟ وما الفرص التي سيوفرها لمقاولات الخدمات والتقنيين والمتدربين؟ وكيف سيسهم في تطوير خبرة تبقى داخل القطاع؟

إن الدفاع عن هذه المشاريع يقتضي المطالبة بنموذج اقتصادي يضمن تشغيلها، وسياسة تسعير تتيح الولوج إليها، وروابط فعلية مع التكوين والإنتاج الوطني. وبالمثل، ينبغي أن تقاس جاذبية المغرب للإنتاجات الأجنبية بما تتركه من إنفاق محلي، وتشغيل مؤهل، وتعاقد مع المقاولات المغربية، ونقل للخبرة. فتطوير الإنتاج الوطني واستقطاب التصوير الأجنبي يمكن أن يعزز أحدهما الآخر، متى وضعت الآليات التي تحقق هذا التكامل.

4. الفيلم يحتاج إلى سوق، والجمهور يحتاج إلى قاعات

من حق المهنيين المطالبة بأن يحظى التوزيع والعرض بمكانة واضحة داخل السياسة السينمائية. فإنتاج الأفلام دون توسيع فرص تداولها يحد من مداخيل القطاع، ويضعف قدرة المنتجين على إعادة الاستثمار، ويحرم الجمهور من تنوع الأعمال.

ويقتضي ذلك تمويل الترويج والإصدار، وتشجيع التوزيع داخل المغرب وخارجه، وتحسين شفافية المعطيات المتعلقة بالمداخيل والمشاهدة، وضمان وضوح العلاقات التعاقدية بين المنتج والموزع والمستغل. كما يستدعي فتح تفاوض مهني حول شروط استغلال الأعمال عبر القنوات والمنصات، بما يضمن مقابلا منصفا وحقوقا محددة.

أما توسيع شبكة القاعات، فيحتاج إلى معالجة كلفة الاستثمار والتشغيل معا. فإحداث القاعة يجب أن يواكبه تصور لاستمرارها، وتنمية جمهورها، وإدماجها في محيطها. ومن هذا المنظور، يصبح دعم العرض في المدن التي تفتقر إلى فضاءات سينمائية استثمارا في السوق الوطنية وفي الحق في الثقافة في الوقت نفسه.

5. الحماية الاجتماعية حق مهني وكلفة يجب احتسابها

لا يمكن بناء صناعة مستقرة على هشاشة العاملين فيها. ومن ثم، ينبغي أن تتصدر المفاوضة الجماعية والعقود والأجور والسلامة والتغطية الاجتماعية والتقاعد جدول الحوار المهني، وأن تصبح جزءا من حساب الكلفة الحقيقية للإنتاج.

والمطلب هنا هو التفاوض على إطار جماعي يوضح شروط العمل والأداء، وساعات الاشتغال والراحة، والتعويضات، والوقاية من المخاطر، والتأمين عن حوادث الشغل. كما ينبغي تطوير أدلة مهنية لتشغيل الأطفال والأجانب، وترجمة قواعد العمل اللائق إلى التزامات مفهومة داخل مواقع التصوير.

وتظل طبيعة العمل المتقطع مدخلا أساسيا لمعالجة التغطية الاجتماعية والتقاعد. فالمهني الذي يتنقل بين مشاريع متعددة يحتاج إلى مسار يتيح تجميع حقوقه واستمرار حمايته، وفق صيغ تناسب وضعه المهني. كما يجب أن تسمح ميزانيات الأعمال المستفيدة من التمويل العمومي بتحمل كلفة احترام هذه الحقوق، مع إخضاع تنفيذ الالتزامات للمراقبة.

6. التكوين يستحق تمويلا ومسارا نحو العمل

الحديث عن المهن الجديدة يفرض الاستثمار في المؤثرات البصرية، والإنتاج الافتراضي، والمعالجة الرقمية، والصوت، وإدارة البيانات والحقوق. لكن قيمة التكوين تقاس أيضا بقدرة المستفيد على دخول المهنة والتقدم فيها.

ولهذا، ينبغي المطالبة بمسارات تجمع التعلم والتدريب المؤدى عنه والمواكبة المهنية، وبإتاحة التكوين المستمر للعاملين الموجودين داخل القطاع. كما تستدعي تقنيات الذكاء الاصطناعي تفاوضا واضحا بشأن استخدام الأعمال والأصوات والصور، والموافقة على استغلالها، والمقابل المستحق عنها. فالتحديث التقني يجب أن يوسع قدرة المهني على العمل ويحمي قيمة مساهمته.

7. التشاور يجب أن يؤثر في القرار والميزانية

تحتاج هذه المطالب إلى حوار يفضي إلى نتائج يمكن للمهنيين تتبعها: ما التدبير الذي سيعتمد؟ وما تمويله؟ ومتى يبدأ تنفيذه؟ وما الجهة التي تتحمل مسؤوليته؟

ويمكن أن تشكل مشاورة عمومية ومهنية حول مستقبل السينما مدخلا لبناء تعاقد يمتد إلى سنة 2031، يحدد التزامات الدولة والمهنيين، ويقرن توسيع التمويل باحترام الحقوق والشفافية، ويمنح المنظمات المهنية دورا فعليا في الاقتراح والتفاوض والتقييم.

إن مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة للدفاع عن اختيارات ملموسة: مقاولات قادرة على الاستثمار، وأفلام تجد طريقها إلى الجمهور، وعاملون يتمتعون بحقوقهم، وشباب يدخلون المهنة بشروط منصفة. وعلى هذا الأساس ينبغي أن يقاس موقع السينما في البرنامج الحكومي: بما يصبح ممكنا إنجازه وممارسته والعيش منه داخل القطاع.

-رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟