ضعف الدافعيّة لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية: حين تكون القدرة حاضرة والرغبة غائبة
ليس كلّ متعثّر يتعثّر دراسيا يفتقر إلى القدرات أو الاستعدادات اللازمة للنجاح، فقد يمتلك الطفل رصيدا لغويا ومعرفيّا متميّزا، ويظهر ذكاء واضحا في التفاعل والمشاركة داخل الفصل، لكنّه يجد صعوبة في الإقبال على المراجعة والاستعداد للامتحانات. وهنا تبرز إحدى الإشكالات التّربوّية الّتي تستحقّ التّأمّل: ماذا يحدث حين تكون القدرة على التّعلّم حاضرة، بينما تغيب الرّغبة في بذل الجهد؟
من خلال تجربتي في التّعليم الابتدائي، استوقفتني حالة تلميذة تدرس في المستوى الخامس ابتدائي، تتميّز بمشاركة فعّالة داخل الفصل، وتمتلك رصيدا لغويا ومعرفيا جيّدا جدّا، وتظهر خلال النقاشات الصّفّية مؤشّرات واضحة على قدرتها على الفهم والاستيعاب. غير أنّ هذه المؤهّلات لا تنعكس دائما على نتائجها الدّراسيّة، بسبب ضعف رغبتها في العودة إلى الدروس ومراجعتها والاستعداد للمراقبة المستمرّة. فقد تحصل على نقطة ضعيفة، رغم أنّ مستوى مشاركتها يجعلني أعتقد أنّ نتائجها يمكن أن تتحسّن بشكل ملحوظ لو وجدت الدّافع المناسب للمراجعة المنتظمة.
تطرح هذه الحالة سؤالا جوهريا: هل يكفي أن يمتلك المتعلّم القدرة على النّجاح حتّى ينجح فعلا؟ أم أنّ النّجاح يحتاج إلى جانب القدرات دافعية تساعد على تحويل الإمكانات إلى إنجازات؟
إنّ ضعف الدّافعيّة لا ينبغي أن يفسّر مباشرة بالكسل أو الإهمال، فقد تكون وراءه أسباب متعدّدة، منها عدم إدراك فائدة المراجعة، أو الاعتياد على التّعلّم داخل الفصل دون امتلاك عادات دراسيّة مستقلة، أو الخوف من الفشل، أو صعوبة تنظيم الوقت، أو عوامل أخرى لا يمكن تحديدها إلاّ من خلال الحوار مع المتعلّم وفهم ظروفه.
ومن هنا يصبح دور المدرس أكبر من مجرّد مطالبة التّلميذ بالمراجعة والاجتهاد, فهو مطالب بمحاولة فهم ما يمنعه من المبادرة، ومساعدته على اكتشاف العلاقة بين جهده ونتائجه، ووضع أهداف صغيرة قابلة للتحقيق, ويمكن أن ذلك يبدأ بحوار هادئ يطرح فيه المدرّس أسئلة مثل: ما الّذي يجعلك لا ترغبين في مراجعة دروسك؟ ما المادّة الّتي تجدين مراجعتها سهلة؟ وكيف يمكن أن نجعل المراجعة أكثر ملائمة لك؟
وفي هذا السّياق، يمكن للكوتشينغ المدرسي أن يقدّم مدخلا مساعدا، من خلال الانصات الفعّال، وتحديد الأهداف، وتعزيز الثقة بالنّفس، ومساعدة المتعلّم على بناء عادات تعلّم تدريجيّة. فبدل الاكتفاء بتذكيره بما ينبغي عليه فعله، يمكن إشراكه في اختيار خطوات عمليّة، مثل مراجعة درس واحد يوميا، أو تخصيص مدّة قصيرة للمذاكرة، ثثمّ تتبّع التقدّم والاحتفاء بالإنجازات الصّغيرة.
كما تظل الأسرة شريكا أساسيا في هذه العمليّة، من خلال توفير بيئة مناسبة للمراجعة، وتشجيع الاستقلاليّة، وتجنّب الضّغط المفرط أو المقارنة بالآخرين.
إنّ الدّرس الّذي نستخلصه من هذه الحالة هو أنّ التّفاوت بين قدرات المتعلّم ونتائجه قد يدعونا إلى البحث عن العوامل الّتي تعيق استثمار تلك القدرات، بدل الاكتفاء بالحكم على النّتائج. فالدّافعيّة ليست صفة ثابتة يولد بها الطّفل أو يحرم منها، بل ينكن أن تتأثر بالبيئة التربويّة، والتجارب السّابقة، والشّعور بالكفاءة، وطبيعة الأهداف الّتي يسعى المتعلّم إلى تحقيقها.
إنّ مهمّتنا التربويّة لا تقتصر على تعليم الطّفل كيف يفهم الدّرس، بل تشمل أيضا مساعدته على اكتساب الرّغبة والعادات التي تمكّنه من مواصلة التعلّم خارج الفصل. فالقدرة تفتح باب النّجاح، لكن تنميّة الدّافعيّة والمثابرة تساعدان المتعلّم على السّير في طريقه.
ولعلّ السّؤال الّذي يستحقّ أن نطرحه باستمرار هو: كيف نساعد المتعلّم الّذي يستطيع أن ينجح، لكنّه لم يجد بعد ما يدفعه إلى بذل الجهد اللازم لتحقيق ذلك.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.