قد يظن البعض أن الاكتفاء بكتاب الله وحده سيبتدع دينا جديدا؛ لكن الأمر غير ذلك. إنه الإسلام، دين محمد ودين الأنبياء والرسل الذين من قبله. إنه الله في زمان محمد وزمان من قبله، وزماننا هذا، وزمان من بعدنا. كتاب الله هو من عند الله الحي القيوم. أنزله للإنس والجن على الرسول له ولقومه، وللذين أتوا من بعدهم إلى يومنا هذا، وللذين من بعدنا إلى يوم القيامة. الأمر وما فيه إذن هو أن ما يميز هذا التوجه هو التركيز على الله وحده لا شريك له الحي القيوم. ولذا فإن القراءة والتفاعل مع كتاب الله تتم وكأن محمدا تُوفي البارحة. هذا التفاعل مع كتاب الله يُلتزَم فيه بخمسة ضوابط.
الضابط الأول
الضابط الأول هو الدِقَّة. كما هو الحال بالنسبة للكون، كتاب الله المنظور(المنشور)، فإن التنزيل الحكيم، كتاب الله المسطور، نزل من عند الله العزيز الرحيم بمقدار دقيق لا متناهي، من غير حشْو وبدون زيادة أو نقصان. “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)” (القمر 49:54). “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)” (القدر1:97). فالله العزيز القدير يستعمل الكلمة المناسبة في الآية المناسبة في الترتيب المناسب من السورة المناسبة.
إذن لا ترادف في كتاب الله. علما أن الترادف لا يعني التطابق. نقول مثلا أردف فلانا معه على الفَرَس. فالراكبان على الفرس جد متقاربين، مترادفان، الفارس الأول ومن خلفه رديفه. لكنهما متباينان. معنى الترادف الأساسي يدور حول التبعية والجلوس خلف الشيء. “يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)” (النازعات 6:79-7). راجفة أولى تردفها أخرى غيرها تبعتها لتقوم بنفس المهمة.
نفس المعنى في الآية “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)” (الأنفال 9:8). الملائكة سيساعدون المؤمنين في مهمتهم متتابعين بعضهم إثر بعض. لكن الملائكة والناس مختلفون عن بعضهم. نقرأ كذلك “قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72)” (النمل 72:27). بمعنى اقترب وتبعهم ما يستعجلون من العذاب.
الشِّعر مثلا لا يضره الترادف؛ بل هو من سماته. لكن كتاب الله ليس شعرا. “وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41)” (الحاقة 41:69). الصوم مثلا ليس هو الصيام في كتاب الله والعام لا يعني السَّنَة. فلكل معناه الدقيق وحسب السياق.
الضابط الثاني
الضابط الثاني هو الحرف واللسان العربي الذي أُنزل بهما كتاب الله.
“وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)” (النحل 103:16).
“وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)” (الشعراء 193:26-195).
“وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)” (الأحقاف 12:46).
يجب أن يكون فهْم ما جاء في كتاب الله وِفق ما يسمح به اللسان العربي. كتاب الله أتى أيضا بمصطلحات جديدة لم تكن معروفة لدى العرب، كمصطلح “مِلْك اليمين” و “كلالة”، التي يجب أن يؤخذ معانيها من كتاب الله نفسه. وهناك مصطلحات أخرى كانت معروفة لدى العرب، كمصطلح “الكافر”، الذي أُضيف إليه معنى أو معاني أخرى لم تكن معروفة لديهم. وقد لا نجد مثل هذه المصطلحات أو معانيها في المعاجم. فيجب إذن توخي الحذر.
الضابط الثالث
الضابط الثالث هو عند التفاعل مع المصحف الشريف، يجب أن نضع نصب أعيننا انعدام التناقض في نهجنا وفيما نتوصل إليه. كتاب الله منسجم بعضه مع بعض. “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)” (النساء 82:4). إذ أن خلق الله كله في تناغم، وتناسق، وعدم تناقض. “الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)” (الملك3:67). أرشدنا الحق سبحانه أكثر من مرة إلى عدم التناقض هذا في كتابه العزيز وأمر بالتعقل.
اختلاف الأعمال عن الأقوال مثلا هو نوع صارخ من التناقض. قال الله جل وعلا مخاطبا بني إسرائيل “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)” (البقرة 44:2). وقال عن بعضهم بأنه من باب التناقض أن يؤمن من يُحرِّف كلام الله عن تعقُّل. “أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)” (البقرة 75:2).
من باب التناقض ابتغاء الهدى في اتباع من هو ضال. فاقد الشيء لا يعطيه. “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)” (البقرة 170:2).
الضابط الرابع
الضابط الرابع هو الترتيل والتلاوة. “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)” (الفرقان 32:25). “نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)” (المزمل 3:73-4). ننعت مجموعة من الخيل أو السيارات يتبع بعضها أثَر بعض بالرّتل. الترتيل هو جمع الآيات فيما بينها على حسب الموضوع الذي هو تحت الدرس.
حين نتلو كتاب الله باحثين ومتمعنين فيه، فنحن نُتبِع آية بعد آية.
“وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)” (النمل 92:27).
“وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا …(61)” (يونس 61:10).
“الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(121)” (البقرة 121:2).
وهكذا بالترتيل والتلاوة تنبثق المفاهيم. حين نأتي بالآيات وبسياقاتها ونرتبها، تصبح لدينا وحدة موضوعية. فإذا نحن أردنا مثلا تدبُّر نقل الثروة من المتوَفِّين إلى الأحياء من بعدهم، فالآيات التي تتطرق للوصية والإرث ستكون طبعا محط دراستنا. نرتل بعضها مع بعض ونتلوها.
لا ننسى أيضا أننا خلال ترتيلنا للآيات وتلاوتها لاستنباط معنى ما قد نعثر على أمثلة تطبيقية (1).
“وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا(54) ” (الكهف 54:18).
“وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27)” (الزمر 27:39).
الضابط الخامس
الضابط الخامس عند تفاعلنا مع كتاب الله هو تطابق فهمنا لكتاب الله المسطور مع كتابه المنظور، بما فيه فطرتنا. فنحن لا نشتغل في فراغ أو في عالم مُثُل عليا لا علاقة لها بعالَمنا. “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)” (الروم 30:30).
فهمنا يجب أن يكون منسجما مع أرض الواقع وليس فيه حرج. “وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ … (78)” (الحج 78:22).
فمثلا أكل لحم الخنزير محرم على المؤمنين في كتاب الله (البقرة 173:2، المائدة 3:5، الأنعام 145:7، النحل 115:16). وهكذا نلاحظ أنهم لا يجدون حرجا في تطبيق هذا التحريم، في كل بقاع الأرض، لأن لديهم البديل الحلال من لحم عجول، وطير، وأغنام، ولحم البحر، وغير ذلك من اللحوم.
كانت هذه هي الضوابط الخمسة حين التفاعل مع والتدبر في كتاب الله. غير أن هذا الأخير هو من عند الله الذي ليس كمثله شيء.
“الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” (آل عمران 190:3-191)
الهوامش:
(1) أنظر مقالي “كيف نفهم جزاء السرقة في القرآن؟“، جريدة هسبريس، 8 ماي 2016. جزاء السرقة في المائدة 38:5-39 يوافق تماما ما طبقه يوسف عندما أصبح وزيرا للزراعة في مصر. الله الرحيم بعباده لم يتركنا في حيرة من أمرنا فأعطانا مثالا حيا كي نفهم هذا الجزاء من القرآن.
أستاذ شكر الله لك مجهودك، لقد إستفذت كثيرا..
تحياتي