عبد الله بها كما أعرفه

عبد الله بها كما أعرفه
الخميس 11 دجنبر 2014 - 16:48

رحم الله عبد الله بها الذي اختطفه الموت، مساء الأحد الماضي، في حادث مأساوي ملغز عندما صدمه قطار سريع فوق قنطرة وادي الشراط ببوزنيقة، أي في نفس المكان الذي مات فيه غرقا زعيم سياسي آخر هو الاتحادي أحمد الزايدي تغمده الله بواسع مغفرته.

شخصيا لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي التقيت فيها السي عبد الله بها سواء وأنا طالب في الجامعة أو وأنا صحافي في مهنة “المتاعب والمصائب”، لكن أتذكر أني آخر مرة التقيته وأنا أستعد لإطلاق يومية “صحيفة الناس”، أي قبل سنة وزيادة، في لقاء عرضي على هامش جلسة شهرية لرفيق دربه عبد الإله بنكيران بمجلس المستشارين.

وكم فوجئت عندما علمت أن الراحل كان على علم باستعداداتنا لإصدار هذه الجريدة حتى قبل أن نعلن نحن عن هذا الخبر، لكني لم أكن أتوقع أن يبادرني بهذا السؤال: “من هي الجهة الممولة لجريدتك القادمة؟”.

ضحكت ولم أجب عن سؤال السي بها قبل أن أستدرك لأقول له مازحا “لكن أنا متهم بأن البيجيدي هو الذي سيمولني في هذه التجربة الإعلامية الجديدة”.

وأتذكر أني استطعت ان أنتزع من السي عبد الله بها ابتسامة عريضة بهذا الجواب، لكن الراحل لم يكن أصلا يبحث عن جواب لسؤاله، بل أراد أن ينبهني، من موقع الخبير والمجرب، إلى أن سلطة المال هي “المبتدأ والخبر” في هذه المهنة التي تحمل لقب “صاحبة الجلالة”.

وربما أراد أن يلمح أيضا إلى أن الصحافي، ولو بهوية مدير نشر ورصيد أخلاقي ومؤهلات مهنية عالية، فهو مجرد “رهينة” في يد “مول الشكارة” صاحب المقعد الوثير في صالات التحرير، وإلى جانبه يجلس المعلنون وممثل عن السلطة بلافتة كتب عليها بالنبط العريض: “المغرب يمكن أن يعيش بدون صحافة لكنه لا يمكن أن يعيش بدون أمن”. وهذه قصة أخرى.

المهم أنه طيلة اشتغالي في هذه المهنة لم أحرص يوما ما على أن أسجل في مذكرتي أو في مفكرة هاتفي أرقام هواتف السي عبد الله بها، ولا أتذكر أني حاولت الاتصال به في أي قضية أو جدل أو محطة سياسية تهم حزبه أو حركته أو حكومة صديقه. لماذا؟ لأن السي بها لا يعطيك معلومة واحدة ولو في جلسة مطولة معه من عشر ساعات، لكنه يعطي عشرات النصائح في أشياء أخرى لها صلة بالآخرة وتجديد النية والدنيا الفانية ومصير الإنسان بعد أن يصبح نسيا منسيا.

وهذا ليس لأن السي بها يتعمد ذلك ولكن لأنه رجل بقي على الفطرة ومات عليها، وتلك هويته التي عجز منصب الدولة ودسائس “السياسة والدعوة” عن تغييرها.

أسجل للسي عبد الله بها أنه ظل يعاملني بلطف وبمنتهى الطيبوبة وظل يسلم علي بحرارة كلما التقيته في أي مناسبة، رغم أنه كان يعرف أن علاقتي بصديق عمره عبد الإله بنكيران لم تكن يوما ما سمنا على عسل، بل كانت دائما متوترة ووصلت إلى حد القطيعة بعد أن نشر كاتب هذه السطور خبرا في جريدة “المساء” كاد أن يخلق أزمة بين القصر والبيجدي في القضية المعروفة بـ”حساب الملك حول غزة”.

ولا أنسى أني عندما التقيت السي بها قلت له: “مال صاحبك مقاطعني، ياك لاباس؟”. ولأن “الحكيم”، بحسه الاستشرافي، كان يعرف أن الوقت هو غير الوقت وأن تلك الساعة ليست ساعة صلح وينبغي أن تبدل بأخرى، فقد دافع عن صديقه في تلطف وهو يجيبني بابتسامته المعهودة: “لكن ينبغي أن تبحث عماذا فعلت له أنت؟”.

لا أريد أن أواصل سرد بقية تفاصيل هذه القصة، لكن يهمني أن أعود إلى ما هو أهم، أي إلى هذا الجدل الذي خلقته بعض الكتابات التي كادت أن تجعل من الراحل عبد الله بها تلك الشخصية النورانية والمحورية والعمود الفقري الذي يدور حوله الجميع أو ذاك الرجل الذي كان دائما يحظى بالإجماع سواء داخل العدالة والتنمية أو داخل التوحيد والإصلاح.

ولأني أزعم أني واحد من الذين يعرفون “الكيفية” التي تشتغل بها “الماكينة” بشقيها السياسي والدعوي داخل هذين التنظيمين، فأستطيع أن أقول إن السي بها ليس بهذه الصورة التي رسمها له البعض، بل ثمة مبالغة أملتها ربما صدمة الفاجعة وغرابة الحادث.

نعم السي عبد الله بها كان له فعلا وضع اعتباري خاص وكان له إسهام فكري في محاربة مظاهر الغلو والتطرف في الأداء الدعوي للحركة الإسلامية بالمغرب وكان له نفوذ أخلاقي وروحي وسط أبناء الحزب والحركة معا، لكن ليس بهذه الهالة التي اتخذت منحنى أسطوريا لدى البعض حتى أن هناك من رآه في منامه يقدم رواية أخرى مخالفة للرواية الرسمية في حادث وفاته، وما على النيابة العامة، التي يرأسها وزير العدل مصطفى الرميد، إلا أن تفتح تحقيقا مع صاحب هذه “الرؤيا” للوصول إلى هوية الجاني..؟؟؟

وأجزم أن عبد الله بها لو كان ما زال على قيد الحياة لاستنكر هذه الكتابات التي تحاول استصنامه وتأليهه وتنزع عنه بساطته التي هي مصدر قوته لتنسب له فتوحات وانتصارات ومعارك لم تقترفها يداه.

والحقيقة أن الراحل لم يكن دائما مقنعا بأفكاره ولم يكن المنتج الإيديولوجي الوحيد للحزب والحركة ولم يكن محط إجماع في كثير من المناسبات، ولعل أقواها واقعة اعتراض مناضلي الحزب على تزكيته في انتخابات 2002.

نعم، برحيل عبد الله بها، سيعيش صديقه عبد الإله بنكيران يتما نفسيا حقيقيا لن يرممه إلا عنصر الزمن، لكن هذا لا يعني أن بنكيران سيدخل في عطالة مفتوحة ولن يكون قادرا على الاشتغال أو أداء التزاماته أو إنتاج الأفكار أو اتخاذ القرارات. أبدا.

بنكيران، لمن لا يعرفه، “غول سياسي” يلتهم كل شيء أمامه، وآلة تمتلك كل المحددات لطحن ما لا يمكن أن يطحن، وعبد لله بها لم يكن بالنسبة إليه “عقلا سياسيا”، كما كتب زميلي توفيق بوعشرين، أو ملهم أفكار، بل السي بها كان فقط ذلك المساعد الأمين على ترتيب أفكار وقرارات بنكيران وتوظيب وتهذيب الموجود منها.

بصيغة أخرى، بنكيران، بطموحاته السياسية التي لها سقف واحد لا ثاني وهو خدمة الملكية القائمة على المرجعية الإسلامية وخدمة الملك باعتباره أميرا للمؤمنين لأن الملكية والإسلام، في نظره، كيان واحد لا مستقبل للمغرب بدونهما، كان في حاجة إلى مثل أعلى يقيس به رجع الصدى لقراراته الجاهزة و”الجريئة” التي لا تتقبلها أحيانا قواعد الحزب والحركة إلا بعد مرور سنوات.

ولأن الأمر كذلك فقد وجد بنكيران في صديقه عبد الله بها، بصفائه الروحي الموروث من الجلسات التربوية لجماعة الدعوة والتبليغ، هذا المثل الأعلى الذي لا يضاهيه فيه أحد إلا قيادي آخر في التوحيد والإصلاح هو الداعية عز الدين توفيق الذي ألقى الكلمة التأبينية في مراسيم تشييع جنازة الفقيد بمقبرة الشهداء بالرباط بحضور الأمير مولاي رشيد وكل رموز الدولة.

ولأن وفاة عبد الله بها كانت أغرب من الخيال، لماذا لا نتساءل هذا السؤال الغريب بعض الشيء: ماذا لو مات عبد الله بها نفس الميتة لكن في سياق سياسي آخر يوجد فيه العدالة والتنمية خارج الحكومة؟

أترك لكم الجواب، أما أنا فلم أصدق ما رأته عيني في عشاء تأبين عبد الله بها بمنزل عبد الإله بنكيران. نعم لم أصدق عيني وأنا أرى الدولة كلها، بجيشها ومخابراتها ورموزها ومؤسساتها وأجهزتها، تدور حول بنكيران وتبكي معه رحيل صديقه عبد الله بها، وهو نفس بنكيران الذي كان يتمنى، ذات زمن ولى، أن يشارك فقط ولو بحقيبة وزارية شكلية في أي حكومة من “حكومات صاحب الجلالة”.

بقي فقط أن أقول مرة أخرى رحم الله عبد الله بها ورزق أهله وعائلته الصبر والسلوان وأقول أيضا لبنكيران: عزاؤنا واحد ولا تحزن إن الله معك وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • FOUAD
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 18:25

    صحيح ان المبالغة في الاشياء كلها مذمومة لكن ازعم ان بها رحمه الله له تاثير قوي في فكر الحركة الاسلامية المغربية و ان انتاجه الفكري يكاد يكون منعدما لكن يبدو لي ان ايمانه بالعمل في اطار الشرعية و ايمانه القوي بذلك و تواضعه و دعوته القوية للتعاون مع كل الفرقاء و بكلمة "عارو بعيد" جعله محبوبا و اما الاخ الفن فان كتاباته يغلب عليها التحامل!
    و اما ما لاحظته في بيت بنكيران فهو ثمار سياسة pjd و رئيسه و نائبه مفاده ان pjd ليس غولا و ليس عدوا لابناء شعبهم!
    Mon salam

  • الزوين
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 18:51

    ذكرت عزالدين توفيق في مقالك وهو رجل ذو وزن كبيرتربينا على يديه بعيد عن السياسة ولكنه ترك بصمات كبيرة على المستوى التربوي لجيل بأكمله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ننساهم ولا نعرف قيمتهم الا حين نفقدهم

  • karim belgique
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 19:13

    كلم تدعون معرفته!!! اتركوا الرجل فقد افضى الى ما قدم من عمل ،رحمه الله،، ليس مهم الأن ذكر مناقب الرجل أو مناقصه ،ذلك لا يجدي في شيئ

  • salim
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 19:58

    تحليل جيد لصحفي جيد بالتوفيق السيد مصطفى

  • كاره الضلام
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 20:30

    مع الاحترام الواجب لمن رحل و التقدير الصادق لمشاعر اهله و اقربائه،الا اننا لا نفهم هدا الاسهال من التخريف الدي تلى وفاته كما لم نره من قبل،جماعة الكهف التي طالما اعتبرت الراحل بيدقا مخزنيا سارعت الى اعتباره معارضا شرسا ارسل له النظام قطارا دكيا ليصفيه،و ادا كان التخريف و الكدب طبيعيا لدى الجماعة،فاننا نستغرب قول احدى البيجيديات ان باها زارها في المنام و اخبرها بطريقة موته،و بعد دلك خرج مشعود فضائيات ليقول انه تنبا بموت سياسيين مغاربة مند مطلع السنة، لم يقل شيئا بعد وفاة الزايدي الى ان مات باها فتدكر نبوئته،و بعد دلك تناسلت الاقاويل العجائبية يبز بعضها بعضا وفي الوقت الدي ينتظر فيه اصغر عاقل ان يضحك الناس مما يقال تلقى تلك الهلوسات رواجا كبيرا،يروج لها الاعلام الاصفر و المتزن و الكبير و الصغير و المثقفون و الاميون و النخبة و العوام،الكل منخرط في يم الجهالة و الجهل و العته ،نخبة تفسر الواقع بالرؤى و عوام ينتظرون حدوث اي شيئ من فرط الفراغ و الروتين،ارواح تتكلم و قناطر ملعونة و اموات من القرن الماضي كبن بركة اشتحضروهم كشهود فغرق المنطق في بحر الخرافة و انتحر الصواب في لجج العته

  • يوسف
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 22:53

    سؤالك الغريب الذي طرحته في نهاية المقال " ماذا لو مات عبد الله بها نفس الميتة لكن في سياق سياسي آخر يوجد فيه العدالة والتنمية خارج الحكومة؟ " هو سؤال لا معنى له ولم يضف أي جديد لأنك إن طرحت هذا السؤال على أي مغربي كيفما كان مستواه سيقول لك من الطبيعي أن تحضر الدولة في جنازة الفقيد عبد الله بها ليس لأنه شخصية أسطورية بل لأنه وزير في دولة محترمة فلا بد أن يحضر المسؤولون جميعا ناهيك عن طبيعة الحادث المأساوي الذي هز المغاربة جميعا….

  • أبو سعد
    الجمعة 12 دجنبر 2014 - 08:40

    أعتقد أن الحالة الإساثنائية التي خلفها رحيل المرحوم في كل الأوساط الرسمية والشعبية قد بينت أن للمغاربة معيار موحد un seul critère يكيلون به حقائق القائمين على شؤونهم وأنهم وفقا لذلك لا يجتمعون على ضلالة وأعتقد أنه أصبح واضحا لكل "هواة الإزدواجية" – حتى ولو كان صاحب قلم مغمور – أن إخراج المغاربة عن أجماعهم عملية مستحيلة لأن لديهم "مكيال واحد" يسمونه في لهجتهم الدارجة "المعقول,,ويقولون عنه "راه ماينفع غير المعقول"

  • عادل الفن
    الجمعة 12 دجنبر 2014 - 09:55

    أجزم بانك سي مصطفى أحسن من اعطى التعريف بمكانة سي باها رحمة الله عليه ، أرفع لك القبعة على هذا التحليل لشخصية لازمت الظل من الولادة إلى المماة، أما المطبلين من أمثال بعض الزملاء الذين ذكرت فهم إما لا يعلمون ما يقولون أو يملى عليهم ، تحياتي

  • Ali Icheh
    السبت 13 دجنبر 2014 - 11:14

    شكرا على هذه المساهمة المتزنة
    صحيح أنه من الواجب علينا أن نذكر أمواتنا بخير. إلا أنه أستغرب هذا الاجماع، جميع الأحزاب حكومة، معارضة، استخبارات ، مجتمع مدني ، جماعة ، في سرد مناقب المرحوم "بها" و خصاله و إنجازاته . و قد يتساءل المرء عن جدية هذا الاجماع الذي لم نستشعر يوما ولو جزءا يسيرا منه خلال حياته. ترى هل هذا اعتراف متأخر أم مجاملة أم نفاق سياسي مما يحيل على التسآل: ترى كيف كانت ستكون ردود فعل هؤلاء المهللين مع نفس الفاجعة لو لم يكن "بها" وزيرا ؟ سؤال منطقي سيظل معلقا و لكن مفيد و لو من باب الاستئناس و التمعن في مجريات الأحداث و تقلب الأحوال و نتذكر أن "دوام الحال من المحال" .

  • كاتب صحفي
    السبت 13 دجنبر 2014 - 14:06

    مقال في المستوى لمصطفى الفن اوافقك جملة و تفصيلا قالمرحوم لم يكن بتلك الهالة و الصورة التي قدمت و عمل المدغدغون للعواطف على تضخيمها

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول

صوت وصورة
أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:12 2

أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي