فضائح الغرب

فضائح الغرب
الأربعاء 4 فبراير 2026 - 13:53

الغرب والبحر المظلم لفضائحه

قبل سنوات قليلة، اهتزّ العالم على وقع تسريبات وملفات مرتبطة برجل اسمه جيفري إبستين؛ ملياردير كان يتحرك في دوائر النخبة العالمية، ويصافح سياسيين، ويجالس رجال مال، ويظهر في محيط مشاهير، بينما كان – في الجهة الأخرى من الصورة – متورطاً في شبكة استغلال جنسي لقاصرات، واتهامات بالاتجار بالبشر هزّت الضمير الإنساني. لم تكن الصدمة فقط في فداحة الجرائم، بل في السنوات الطويلة التي قضاها هذا الرجل محاطاً بهالة من الحماية غير المرئية، وكأن النفوذ كان ينسج حوله شبكة أمان لا يراها الناس.

وحين بدأت الوثائق تتسرب، والأسماء تُذكر، والعلاقات تُفحص تحت ضوء خافت، لم ينكشف مجرم واحد فقط، بل انكشف مشهد أوسع: عالم من العلاقات المتداخلة، حيث تختلط الصداقة بالمصلحة، والسلطة بالصمت، والإعلام بالانتقاء. فجأة لم يعد السؤال: ماذا فعل إبستين؟ بل: كيف استطاع أن يفعل كل ذلك لسنوات؟ ومن كان يرى… ويفضّل ألا يرى؟

قضية إبستين لم تكن استثناءً شاذاً في نظام نظيف، بل كانت شقاً في جدارٍ مصقول، سمح لنا أن نلمح خلفه ذلك “البحر المظلم” الذي تعيش فيه جرائم لا تطفو بسهولة على السطح، لأن من يسبحون فيه ليسوا عابرين… بل أصحاب نفوذ يعرفون جيداً كيف تُدار العواصف، وكيف يُصنع الصمت.

“من يضع القانون هو أول من يخرقه.” ليست عبارة ساخرة بقدر ما هي خلاصة تاريخ طويل من النفاق المنظّم. فالقانون، حين يُصاغ في القاعات المكيّفة وتحت أضواء المؤتمرات الصحفية، يبدو نظيفاً مثل بدلة دبلوماسي. لكن ما إن نبتعد قليلاً عن منصة الخطابة حتى نكتشف أن هذا القانون نفسه يُستعمل أحياناً كمنديل حريري: يُلوَّح به أمام الكاميرات، ويُخفى به الوجه حين تنكشف الفضائح.

هناك عالمٌ ظاهر نراه جميعاً؛ عالم المؤتمرات الدولية، بيانات حقوق الإنسان، لجان التحقيق، تقارير الشفافية، وصور الزعماء وهم يتبادلون الابتسامات أمام عدسات الصحافة. لكن خلف هذا المشهد المصقول يوجد عالم آخر… بحرٌ مظلم، عميق، بلا شواطئ، تمخر عبابه سفن الجرائم المسكوت عنها، وتسبح فيه أسماك كبيرة لا تُصاد.

هذا البحر ليس خيالاً أدبياً. إنه شبكة من المصالح المتشابكة، حيث المال يشتري الصمت، والنفوذ يشتري النسيان، والإعلام – إلا من رحم ربي – يتعلم كيف ينظر في الاتجاه الآخر.

حين تقع جريمة في دولة ضعيفة، تُستدعى فوراً مفردات القانون الدولي، وتُفتح نشرات الأخبار على مدى أيام، وتُرفع التقارير، وتُفرض العقوبات، ويُستدعى الضمير الإنساني من إجازته. لكن حين يكون المتورطون من قلب العالم القوي، من دوائر المال والسياسة والنخبة اللامعة، يصبح الصوت خافتاً، واللغة حذرة، والذاكرة قصيرة على نحو مريب.

نسمع عن “علاقات اجتماعية”، و”سوء تقدير”، و”أخطاء فردية”، و”عدم كفاية الأدلة”. فجأة يصبح الجميع قانونيين بارعين، يذكّروننا بقرينة البراءة، وبضرورة انتظار القضاء، وبخطر التشهير. وهي مبادئ نبيلة طبعاً… لكنها تظهر غالباً فقط حين يكون المتهم من الطبقة التي تكتب القوانين لا من تلك التي تُحاكم بها.

في هذا البحر المظلم، لا تُخفى الجرائم دائماً بإنكارها، بل بتذويبها. تُغرق في طوفان الأخبار اليومية، في فضائح أصغر، في صراعات جانبية، في قصص جانبية تملأ الشاشات حتى ينسى الناس السؤال الأساسي: من كان يحمي من؟ ومن كان يعلم وسكت؟ ومن كان يستطيع أن يوقف الكارثة ولم يفعل؟

الإعلام، الذي يُفترض أن يكون كشافاً في العتمة، يتحول أحياناً إلى ستارة سميكة. ليس بالضرورة عبر الكذب الصريح، بل عبر الانتقاء: ماذا نبرز؟ ماذا نُهمل؟ من نستضيف؟ أي زاوية نعتمد؟ هكذا تُصنع الحقيقة أحياناً، لا بتزوير الوقائع بل بإعادة ترتيب الضوء حولها.

الغرب الذي يرفع شعار حقوق الإنسان كراية أخلاقية في وجه العالم، يبدو واثقاً جداً من صوابيته… إلى أن تقترب الكاميرا أكثر من اللازم. عندها يصبح الحديث عن “تعقيدات قانونية”، و”ملفات سرية”، و”حساسية أمنية”، و”حماية الخصوصية”. فجأة تتراجع الشفافية خطوة إلى الخلف، ويتقدم النفوذ خطوتين إلى الأمام.

ليست المشكلة أن الجرائم تقع في الغرب؛ الجرائم تقع في كل مكان حيث يوجد بشر وسلطة وشهوة. المشكلة هي في ادعاء الطهارة المطلقة، وفي استعمال الأخلاق كسلاح سياسي لا كالتزام إنساني. حين تتحول حقوق الإنسان إلى أداة ضغط على الآخرين فقط، فإنها تفقد جوهرها وتصبح مجرد شعار دعائي فاخر.

هذا النفاق لا يمر دون أثر. الشعوب التي ترى هذا التناقض تفقد ثقتها في الخطاب العالمي كله. كل بيان إدانة يصبح موضع شك، كل تقرير حقوقي يُقرأ بنظارات الريبة، وكل دعوة للإصلاح تُستقبل بسؤال مرير: ولماذا لا تصلحون بيتكم أولاً؟

النتيجة أن الضحايا الحقيقيين يضيعون مرتين: مرة حين تقع الجريمة، ومرة حين تُدفن تحت ثقل المصالح. لا يجدون عدالة كاملة، ولا حتى اعترافاً كاملاً، لأن قصتهم تزعج أشخاصاً مهمين، أو تهدد شبكات علاقات، أو تفتح أبواباً لا يريد أحد أن يطرقها.

نحن في عالمنا النامي لسنا ملائكة، ولدينا بحارنا المظلمة أيضاً، وفسادنا، وصمتنا، وتواطؤاتنا الصغيرة والكبيرة. لكن الفرق أن من يقدّم نفسه أستاذاً في الأخلاق الدولية يفترض أن يقبل الامتحان قبل أن يوزّع العلامات. العدالة لا تكون عدالة إذا كانت انتقائية، ولا تكون حقوق الإنسان “كونية” إذا توقفت عند حدود النفوذ.

البحر المظلم سيبقى موجوداً ما دام هناك من يعتقد أن السلطة حصانة، وأن الشهرة درع، وأن المال يمحو الآثار. لكن كل موجة تسريب، كل تحقيق مستقل، كل صحفي عنيد، كل ضحية ترفض الصمت، هي حجر صغير يُرمى في هذا البحر. قد لا يجفّ، لكنه على الأقل لن يبقى ساكناً.

وفي النهاية، ربما أخطر ما في الجرائم الكبرى ليس وقوعها، بل اعتيادنا عليها. حين يصبح الصمت هو القاعدة، والصدمة عابرة، والنسيان سريعاً، نكون جميعاً قد ساهمنا – بدرجات مختلفة – في توسيع ذلك البحر.

لهذا، قبل أن نصفق لأي خطاب أخلاقي قادم من أي جهة كانت، ربما يجدر بنا أن نتذكر الجملة الأولى:

من يضع القانون هو أول من يخرقه… ما لم يكن هناك من يراقبه، ويحاسبه، ويرفض أن يترك الحقيقة تغرق في الظلام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 17:04

    وَإِذَا أُصِيبَ الْقَوْمُ فِي أَخْلَاقِهِمْ : فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلًا
    أحمد شوقي
    (1868-1932)

    “America will never be destroyed from the outside. If we falter and lose our freedoms, it will be because we destroyed ourselves”
    “لن تُدمَّر أمريكا من الخارج. إذا تعثَّرنا وفقدنا حرياتنا، فسيكون ذلك لأنَّنا دَمَّرْنا أنفسَنا.”
    A Lincoln
    (1809-1865)

    “Le XXIe siècle sera religieux ou ne sera pas”
    “القرن الحادي والعشرون سيكون دينيًا أو لن يكون”
    (A Malraux)
    (إشارة إلى أزمة الأخلاق العلمانية)

    “العدالة التي تلبس ثوب المصلحة ليست سوى ظلمٍ يرتدي قناع النزاهة”
    أستاذي،
    لقد وضعت يدك على الجرح الغائر في جسد العدالة الدولية، حيث يتحول النفوذ إلى ثقب أسود يبتلع الحقائق ويحمي الجناة تحت غطاء “الديمقراطية المصقولة”. إن مأساة هذا “البحر المظلم” لا تكمن فقط في جرائم الأفراد، بل في مؤسسات تتقن فن تجميل القبح وتصدير الوعظ للآخرين بينما هي غارقة في صمتها المتواطئ. إننا نعيش في عصر لم تعد فيه الحقيقة غائبة، بل أصبحت “مُحاصرة” بضجيج الانتقائية الإعلامية التي تخدم الأقوياء.

    ALHOCEIMA

  • مجرد رااي
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 01:02

    يذكرني هذا بمقال لمحمد جابر الانصاري في الدوحة سنة 1977:عندما خلعت الحضارة ورقت التين حين: اظلمت نيويورك وبرزت حقيقة الانسان المتحضر في ظل تمثال الحرية:السلب والنهب في الظلام
    كاتبنا هذا يورد كلمة لميخائيل نعيمة سنة 1929.الازمة. الازمة.نصح وطنه بعدم تقليد الحضارة التجارية المادية…فاكتشف ان التشبه بقيم نيويورك،ان جاز ان نسميها قيما،هو اقصر طريق نحو الكارثة.
    اذا عجزت هذه”الحضارة” عن انتاج القيمة
    وذهب الامر بحاكمها حد اختطاف حاكم دولة اخرى
    فان فضاعة فضائح شبكة ابشتاين ليست مفاجئة
    نفوذ الانسان الغربي وقوته لا تعني رقي حضارته
    والغلبة والقوة الاقتصادية لا تعني سمو القيم
    وجماجم الجزائريين في مناحف فرنسا دليل اخر
    وبلاد الايادي المقطوعة الكونغو ليس بذالك البعد
    ان المشكل ليس في الغرب ولا ابشتاين ولا ترمب
    المشكل في سذاجتنا وبلاهة منطقنا الذي يومن ويتبنىافكار حضارة غريبة عنا
    ان المشكل اننا لا نعي تاريخنا
    ان المشكل اننا لا نتعظ بما وقع ونعيد تكرار نفس اخطاء من سبقونا
    والتاريخ….. يضحك من جهلنا…. ويبكي

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة