فيلم وثائقي عن وشوم النساء الأمازيغيات ينفض "الرماد المحفور في الأجساد"

فيلم وثائقي عن وشوم النساء الأمازيغيات ينفض "الرماد المحفور في الأجساد"
صورة: أرشيف
الإثنين 24 يوليوز 2023 - 00:00

ذاكرةُ دم ورماد تحضر في وثيقة بصرية حول الوشم الأمازيغي، وتغير الذهنيات والمعيش المغربيّين، وجمال آيِلٍ للاندثار يخلّده الفيلم الوثائقي “ذاكرة جسد” لمخرجه محمد زاغو ومنتجه الحسين حنين.

يخلّد هذا العمل ذكرى آخر جيل من المغربيات تزيّنّ بأوشام شملت معظم الجسد، بما في ذلك الوجه، كما يوثّق تغيّرا مسّ في القرن العشرين معايير الجمال، واستيعاب الفضيلة، والانتماء.

وبين الوشم معيارا للفخر والزينة والانتماء، والنظر إليه باستصغار اليوم، حتى من طرف حاملاته، ينقل هذا الوثائقي شهادات نساء عجائز ممن وُشمن واستوشَمن صغيرات وعبّرن عن رغبتهن في محوه، لو استطعن، لحرمته، فيما تشبثت أخريات به رمزا للانتماء و”وصية للجدات”.

هذه الأوشام، كما نقلت ذلك شاهدات الفيلم، اللائي رحلن عن دنيا الناس بعد تصويره، كان “يُفاخر بها”، و”تُرى للناس”، ويُعرف بها الانتماء القبليّ؛ لأن أشكال الأوشام تتغير من قبيلة إلى أخرى، وكانت معيارا للجمال، ولا يمكن الزواج بدونِها: “لا تكونين مقبولة من دونه”، “قبيحة من لا تضعه”، و”هو سبيل الغواية (…) فلا تعجِبُ الرجلَ غير الموشومة، ولا تتزوج”.

هكذا تحمل هؤلاء النسوة ذكرى الطفولة التي أنهاها ألم إبرة الوشم؛ علامة الاستعداد للزواج. لذا تحكي كل منهن جَبْرها على الوشم من طرف الجدة أو الأم أو الأب، فيما تذكر أخريات أسباب أخرى للاستيشامِ، من بينها دفع “العَين” و”السحر” وجلب الخصوبة وحفظ المواليد.

“لكن انقلبت الأمور”، كما تقول إحدى الشاهدات، وصار على لسان جل المتحدثات: “لم نكن نعي أنه حرام” بصيغ متعددة، وحضرت شهادات قالت إن المال ووضْعَ جلد الجسد سببُ الخوف من إزالة الأوشام، بل هناك من نُصحت بنزع هذه الرموز بـ”الما القاطع”، الحمضِ الذي يستطيع إذابة الحديد والحجر!

وبين الشاهدات وُجدت متمسّكات بأوشامهن دون عقدة نقص، “حتى القبر” لأن هذهِ طريقةُ العيش في المنطقة، و”العار يلاحق من يخرج عن وصية الأجداد”.

ومن بين ما يشهد عليه فيلم “ذاكرة جسد” سرديات توفيقية، اعتقدت بها نساءٌ: الوشم إرث نبوي، أو الوشم يحمي من الشر، أو “الاستغفار عن الوقوع في محرّم” بمسح الأوشام بثوب أبيض، ومنحه لمن هم ذاهبون للحجّ براءةً.

ويطبع هذا الفيلم مرحٌ، وشهادات باسمة عمّا ولّى بمُسعده ومُحزِنه. مرحٌ مرحَ شاهداته الباسمات في وجه الزمن، والشارحات للصِّلات بين الطبيعة ورموز الأوشام ورموز الزرابي التي تنسجها بعضهنّ، والشاهدات على أعمال انقرضت في صيغتها الأصلية مثل الواشمة المتخصصة في أوشام قبيلة من القبائل، الواعية برموزها الخاصة واستعمالاتها، التي يُنتقل إليها أو تطوف بالمنازل سائلة هل من بنت حقَّ عليها الوشم أو امرأة تبتغي زيادة أوشام على أوشامها.

ما يوثّقه هذا الفيلم، الغنيّ بصريا ومضمونا، ليس مجرّد تخلّ عن الرماد المحفور في الأجساد، وعفوٍ عن الدم المراق في سبيل القبيلة، بل تغيُّرٌ جوهري مسّ الذهنيات ومعيار الجمال، ولم يقتصر على رؤية نسوةٍ أنفسَهن، وما يريده الرجل، وما ينبغي تحقيق استمراره من تقاليد القبيلة وعلاماتها، بل مسّ الفضاء العام أيضا، والإنسان نفسه؛ فكما قالت إحدى شاهداتِ الشريط الوثائقي: “كانت الأوشام في كل مكان، لكن تغير الزمن اليوم. لا، بل الزمن هو نفسه. لقد تغير الناس”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • يوغرطة
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 00:08

    هناك من باع الوطن للشرق وباسم الشرق تم قتل كل ما هو مميز في بلدنا

  • أمازيغي
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 01:08

    يجب على مغاربة الأمزيغ وأمازيغ العالم ان يعودو لأصلهم وثقافتهم وعادتهم، الهوية والأصل هو أهم شيء في الوجود.
    بدون هوية فأنت لاشيء

  • حيمود
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 08:04

    الوشم موجود مند خلق الإنسان. الوشم فيه الكثير من المعاني و الرموز و الترقيم و الرسائل المشفرة و هو موجود مع الإنسان مند ملايين السنين في جميع بقاع الأرض يحمله الإنسان معه فوق جسده اغلبه مرءي و نوع آخر في أماكن من الجسد حساس و مخفي و هو ما أصبح شاءع اليوم و موضة عند نوع من الشريحة البشرية في أنحاء العالم بطرق مختلفة همجية و شيطانية تفنن فيها الوشام حسب طلب الراغبين. أما بالنسبة للمغرب فقد عاينت في الستينات و انا طفل صغير شاهدت نساء سواء في حينا أو حتى قريبات من العائلة لهم نوع من و شم خفيف بين العينين و لم ادري لماذا لأن والدتي رحمه الله لا تحمل أي وشم. كما رأيت نساء من مناطق الاطلس لهم اوشمة واضحة في الوجه و الأيدي و هن من الامزيغ خاصة مناطق قبائل زيان و جتى مناطق الاطلس الصغير. فكانت مناطق دكالة و عبدة توشم النساء عندهم سواء للزينة كما هو الحال اليوم أو لمعرفة الانتماء القبلي.كما عند قبائل تادلة و بني ملال و زيان و غيرهم من الامزيغ حتى الرجال منهم من الذين كانوا مجندين عند الجيش الفرنسي فرايت أحدهم وشم بين منخريه

  • جار العمالة
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 08:47

    في منطقتنا نسميها تيزايت، و كل جداتنا اللهم ارحمهن لهن ذالك الوشم تحت الفم أو في الجبهة ، الان لم يعد ذالك موجوذا. ذهبن و ذهب معهن كل خير.

  • KHALID
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 08:56

    مجهودات شخصية لمواطنين من العوام اما وزارة الثقافة فقد اصبحت وباء على المغاربه تساهم في طمس هوية المغاربة بدل توثيقها والمساهمه في الحفاظ عليها

  • لا حول ولا قوة إلا بالله
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 13:15

    الوشم محرم وهو من الكبائر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلته ومن يفعل بها، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. رواه البخاري.

  • Peu importe
    الإثنين 24 يوليوز 2023 - 16:00

    إلى المعلق 6 “لا حول ولا قوة إلا بالله” :
    من أين أتيت بهذا العلم ؟!!!!!!! لماذا تستصغرون التحريم و توزعون المحرمات يمينا و شمالا.
    (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب, إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون, متاع قليل ولهم عذاب أليم).

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 4

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 2

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة