في ذِكراه..

في ذِكراه..
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

.. دخلت يومًا مكتب محامية في الدّيار الفرنسية، قصد طلب مُؤازرتها لي، في ملف ضدّ “صندوق المِنَح العائلية”، الذي كنت أراه؛ كأجنبي مُقيم؛ قد تعسّف في قراره.. وبعد المذاكرة العفْوية التي جمعتْني بالأستاذة، وجوابي على كلّ استفساراتها.. أبدت استعدادها لمؤازرتي، فمضت تقيّد وتنْسخ الوثائق الضّرورية لإرْفاقها في الملف.. كانت تسألني مدة من الزّمن، طال عليّ وأنا أتصبّب عرقًا: “هل يوجد صنْدوق للمِنَح العائلية في المغرب؟”..

حينها اضطررت، وكان لِزامًا عليَّ، ألّا أُداريها ما دُمتُ في دارِها، وألّا أُرْضِها ما دُمت في أرْضها، فأخْبرتها بالتالي عن سبب غيابي، الذي تجاوز المدّة القانونية المسموح بها خارج فرنسا، وأنّ ذلك يمثّل قوّةً قاهرة، إذ تسجّلت كمحامٍ متمرّن، بهيئة المحامين في المغرب..

توقّفت الأستاذة المحترمة، وتوقّف معها الوقت الذي طال، فاحمرّت وجْنتاها وابتلعت رُزْمة أسئلتها، التي كنتُ أقرأ في نبْرتها أفكارًا دفينة.. لعلّها كانت تقول: كيف لمُقيم في بلادنا أن يُقاضي مؤسّساتنا، و”صندوق المِنَح العائلية” لا يوجد أصلًا في بلاده الأمّ!؟

كان الإشْكال غريبًا، لكنّه غير واقعي، لاعتبار مبادئ الجمهورية الفرنسية، التي تقْضي بمساواة الجميع في الحقوق والواجبات، بقدْر ما يحقّ التّقاضي للمواطنين والمقيمين الأجانب بلا استثناء..

تذكّرت حينها المثل الفرنسي الذي يقول: “اللّباس لا يصْنع رجل الدّين”، لكن لو كان الأمر كذلك؛ ما كان للأستاذة أن تتغيّر، بمجرّد ما علمت بصفتي الحقيقية، وأنّني زميل لها في المهنة الحرّة.. ومهما يكن من حال، النّاس سواء.. ولم يكن قصْدي أبدًا إحْراجها أو مُواراتي..

انتهى اللّقاء مع الأستاذة، بدون أمَل في لقاء آخر، على ما كان يبدو، فانصرفتُ بعد ذلك لإحْضار وثيقة كانت تنقصني في الملف، لكن لمّا هاتفتُها مرّة وعدّة مرات، لم تكن لتُجيبني.. لا أدري ما السّبب! ربّما للحرَج الذي وقعت فيه، عندما تفاجئت وعلمت أنّها كانت تكلّم زميلًا لها في المهنة..

لم يكن بُدّ بعد الذي حصل، إلاّ أن قلتُ ملْء صدري، مخاطبًا نفْسي بنفسي: ربّما كان “صندوق المِنَح العائلية” أن يكون في مغربنا، منذ فجْر الاستقلال، على غِرار “صندوق الضّمان الاجتماعي”، لو لم يُرافق المهدي رجال الاستخبارات الفرنسية، ويخْتفِ له كلّ أثر فوق التّراب الوطني الفرنسي، فبِتْنا لا نعرف له صندوقًا ولا قبْرًا..

مِن مدينة وجدة، التي دخلتْ منها فرنسا أوّل ما دخلت إلى المغرب سنة 1907، خرج المهدي بن بركة، هاربًا إلى الجزائر، بعد أحداث 23 مارس 1965، ومنذ ذاك الحين، لا يزال الغموض يكْتنف ملفّ اختطافه، كما لا تزال الذّاكرة الحيّة تطرح ألف سؤال في الموضوع..

كيف وقَع المهدي في مَكيدة استدْراجه إلى باريس، من طرف المخابرات الفرنسية، وهو الذي وقَّع وعمْره أربع وعشرون سنة، على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب في 1944؟

هل كان لتوتّر علاقته داخليًّا علاقة بالحادث؟ أم أنّ الأمر مرتبط بالخارج، خصوصًا بعد تعْيينه منسّقًا عامًّا لـ”مؤْتمر القارّات الثلاث” في هافانا بكوبا؟

كان المهدي بن بركة محْورًا (دينامُو) في العمل السياسي، إذ كان من بين المطالبين بعوْدة الملك محمد الخامس من المنْفى، وخروج المحتلّ الفرنسي، ما جعله يحْضى بعد الاستقلال عام 1956 بمكانة داخل هرَم السّلطة، لكي يُعيّن بذلك رئيسًا للمجلس الاستشاري، وبعد موافقة الملك محمد الخامس على اقْتراحه، تمّ اختيار عبد الله إبراهيم، من حزبه الجديد “الاتّحاد الوطني للقوّات الشّعبية”، رئيسًا للحكومة.

الحكومة التي حقّقت عدّة إنجازات في مدة سنة ونصف من عمرها، إذ استطاعت فصْل الفرنك المغربي عن الفرنك الفرنسي، وأنشأت “بنك المغرب”، ثمّ أسّست نظام “الضّمان الاجتماعي” سنة 1959..

وعليه، ربّما تكون حكومة الرئيس عبد الله إبراهيم، بتجْربتها النّموذجية خلال فجْر الاستقلال، قد شكّلت بتوجّهاتها اليسارية خطورة على خصومها في الداخل والخارج، ما دفع للتو إلى محاصرتها وإسقاطها.. وفي ظلّ هذه الأجواء، كان المهدي لمدة ثلاث سنوات من الزّمن، يُعِدّ رُفقة أبرز القيادات الثّورية اليسارية في العالم، لإنْجاح مؤتمر كان مزْمعًا انعقاده بهافانا عام 1966..

بهذا الطُّعْم نفسه؛ كما تروي الروايات الرائجة؛ تمّ استدراج المهدي إلى باريس، إذ كان على موْعد مع مُخرج، صباح 29 أكتوبر 1965، من أجل إنجاز فيلم وثائقي عن حركات التّحرر العالمية، تحت عنوان “باسْطا” أي كفى.. بينما وهو يخرج من مقهى “ليب”، طلب منه شرطيان فرنسيان مرافقتهما إلى السيارة، التي نقلتهم بعد ذلك إلى فيلا بضواحي العاصمة باريس، بدعوى لقاء مسؤول فرنسي كبير، بعيدًا عن وسائل الإعلام..

فتعرّض بذلك المهدي للتّعذيب، كما تشير أغلب الرّوايات، على يد ضبّاط الاستخبارات الفرنسية، قبل أن يتسلَّمه رجال المخابرات المغربية جثّة هامدة..

لا أحد من المهتمّين والمتابعين للشّأن المغربي يُنْكر كهْربة الأجْواء السياسية آنذاك داخليًا في المغرب، لكن في الآن نفسه، والأكيد أيضًا، أنّ الملك الحسن الثاني، كرأس للهرم السياسي المغربي، طلب من المهدي العوْدة إلى أرض الوطن، فأُنيطت مَهمّة محاورة أخيه عبد القادر بن بركة بالسّفير مولاي علي العلوي..

عموما قد يقع فعل ما، مدْفوع بدافع سياسي، ضد مصلحة سياسية عامّة للدولة أو حقوقها الدستورية، وهذا الفِعل إن لم يكن بذاته “جريمة سياسية”، فهو قتْل للعقل وإجْهاض لإرادة البِناء.. بحيث لو كان المهدي بن بركة حيًّا يُرزق، لقال بلسان حاله: الخُطوة للأمام تستوجب التّطلّع للأمام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟