قراءة في كتاب "نحن والتراث" لمحمد عابد الجابري

قراءة في كتاب "نحن والتراث" لمحمد عابد الجابري
السبت 12 ماي 2018 - 15:32

لقد بدأ موقف العرب المعاصرين من التراث بمرحلة تأكيد الذات، ونحن الآن ندشن مرحلة إعادة بناء الذات، لقد كان التحدي الحضاري الغربي الذي واجه العرب في القرن التاسع عشر من القوة والعنف إلى الدرجة التي جعلت لزاما عليهم أن يتشبثوا بمرحلة من مراحل ماضيهم التي تمنحهم القوة والحصانة للدفاع عن الذات وتأكيدها وبعث الثقة فيها، ولذلك اتجهوا إلى تمجيد التراث والتنويه الذاتي لمواجهة هذا التحدي.

هذه المرحلة الآن بصدد الانتهاء وقد طالت أكثر من اللازم، ويمكن القول بكيفية عامة إننا بدأنا ندخل في مرحلة ثانية: مرحلة إعادة بناء الذات، وهي تتطلب موقفا جديدا من التراث يتجاوز التمجيد إلى الحوار النقدي. من هنا يمكننا أن ننظر إلى الموقف الصحيح مرحليا من التراث؛ ففي نظري إنه من الضروري أن ندخل في حوار مع أسلافنا من أجل فهمهم فهما أعمق وربطهم بنا بشكل من الأشكال، كلما كان ذلك ممكنا.

وبعبارة أخرى كما يقول محمد عابد الجابري: “إنني أعتقد أنه علينا، في المرحلة الراهنة، أن نجعل مقرؤنا التراثي معاصرا لنفسه، بمعنى أن لا نحمله ما لا يستطيع أن نفهمه في ضوء محيطه التاريخي ومجاله المعرفي وحقله الإيديولوجي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، علينا أيضاً أن نجعل مقرؤنا التراثي هذا معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، وهذا لا يتأتى إلا بالدخول معه في حوار نقدي يطلعنا على جوانب الخصوبة وجوانب الضحالة في موروثنا الفكري. أما الدعوة التي تنادي بقبول التراث جملة وتفصيلا، فهي دعوة لا تاريخية غير منتجة، وكل ما يمكن أن تفعل هو أن تجعل ماضينا منافسا لحاضرنا باستمرار، الشيء الذي قد يصنع منا كائنات تراثية لا كائنات لها تراث”.

إن الذين يقفون من التراث موقف الرفض الكامل بالنسبة لمحمد الجابري: “هم مستلبون، لأنهم عندما يرفضون تراثهم العربي الإسلامي يقبلون قبولا غير واع تراثا آخر يتخذون منه منظومتهم المرجعية”، فمحمد عابد الجابري لا يعترض على الارتباط بالتراث الإنساني عامة بل بالعكس، لكنه لا يفهم كيف يمكن أن يكون الإنسان “عالميا” في عالم يهيمن عليه الصراع الإيديولوجي، الصراع من أجل المصالح، والصراع للدفاع عن الخصوصية – فيجب أن نمتلك شخصيتنا كاملة وأن نصحح ونثبت أبعادها التاريخية لكي نجد لنا في عالم اليوم مكانا مناسبا يقول محمد عابد الجابري، فهذه القضية نوع من علاقة الخاص بالعام، فالارتباط بالعام لا ينفي الارتباط بالخاص، بل يستدعيه، والعكس صحيح أيضاً.

فمثلاً إذا طلبنا من الفرنسيين أن يتخلوا عن ديكارت ويرتبطوا بالتجريبية الإنجليزية فماذا سيكون موقفهم؟ إن تراث شعب من الشعوب مقوم أساسي في هويته ومن لا هوية له مثله مثل من يمتلك هوية ناقصة، كلاهما ناقص الوجود.

كيف ينظر محمد عابد الجابري للتراث؟ قراءة الماضي عند محمد عابد الجابري تضيء شيئاً لهؤلاء الذين تحول الماضي عندهم إلى عصاب قهري مسيطر بشكل باثولوجي على “حاضرهم” و”مستقبلهم”، فالحصول على الماضي لا يتم إلا بالاختلاف الإبداعي معه، وليس التهرب المرضي منه، فالتراث أو الماضي عند محمد عابد الجابري ليس منافسا للحاضر بل يحل محله، لأن البداية النهضوية لم تبدأ نقدية، فالصواب عند ابن خلدون هو ما كان، وهنا تطرح مشكلة البداية بالنسبة للفكر العربي في الظروف الراهنة، لقد قامت النهضة العربية الحديثة أو ما يسمى بهذا الاسم على أساس توفيقي، بعث الماضي أو ما يعتبر فيه مشرقا، والأخذ من الحضارة الحديثة ما ينسجم مع هذا التوجه المشرق من تراثنا، الانطلاقة إذن انتقائية توفيقية، فكأننا أردنا أن نؤسس الاستمرارية بواسطة شيء خارج هذه الاستمرارية، أي ما يقتبس من الغرب.

هذه النظرة بطبيعة الحال نظرة لا نقدية لا تاريخية، فالنهضة العربية لم تعش نقد العقل؛ ذلك أن المفروض في كل بداية جديدة حقيقية هو الانطلاق من نقد القديم. وعندما نقول نقد القديم، فإن هذا يعني أساسا نقد العقل، لأن الموروث القديم ليس هو ذاك الذي تضمه المخطوطات والكتب، بل الموروث الثقافي هو دائما ما يبقي في فكر الإنسان بعد أن ينسى كل شيء، البداية الجديدة التي تستحق هذا الاسم يجب أن تكون بداية نقدية، النهضة الأوربية الحديثة بدأت بداية نقدية جديدة مع غاليلو وديكارت، واستمر النقد ونقد النقد ملازمين لتلك النهضة، يغذيها وينميها ويحملها على مراجعة نفسها باستمرار، أما النهضة العربية الحديثة فلم تعش، وما زالت لا تعيش، لحظة النقد، نقد العقل العربي.

فمن خصائص العربي المعاصر أنه مندمج في الماضي، منخرط في صراعاته، يعيشه لا كشيء مضى بل كواقع حاضر. بعبارة أخرى، إن العربي المعاصر يعيش في وعيه زمنه الثقافي ممتدا كامتداد الصحراء، فلا تتابع، لا سابق ولا لاحق، وإنما حضور على البساط نفسه، فليس الماضي منافسا للحاضر وحسب عند العربي، بل هو يحل محله، وأكثر من هذا فصورة المستقبل الآتي تشيد على غرار “المستقبل” الماضي.

بطبيعة الحال هناك عدة عوامل يمكن أن تفسر هذه الوضعية؛ فالعربي يرفض الحاضر لأنه يرى فيه وضعا لا يسمح له بممارسة حريته ولا بتحقيق ذاته ولا بالارتكاز عليه من أجل مستقبل أفضل. لذلك، فعندما يفكر العربي في المستقبل فهو لا يجد مرتكزه في هذا الحاضر المرفوض بل يبحث عنه في مرتكز آخر، في الماضي الممجد الذي تسقط عليه كل أمال المستقبل، أو يبحث له عن مرتكز آخر خارج الدائرة العربية، وفي الغالب داخل الدائرة الأوروبية ماضيها وحاضرها.

وهذا ما حدا بمحمد عابد الجابري إلى الاهتمام بالإبستمولوجيا بسبب سؤال أحد طلبته عن التراث، كان سؤال الطالب هكذا: كيف يجب أن نتعامل مع التراث، سواء كان تراثنا نحن أو كان تراثا عالميا؟ هذا السؤال يحمل ضمنيا موقفا جديدا من التراث، موقف يفصل التراث عن الذات ويريد أن يتخذ منه موضوعا له! بعبارة أخرى هو موقف يطمح إلى تحرير الذات من التراث قصد السيطرة عليه. المسألة المطروحة إذن هي مسألة المنهج، كيف نفكر فيما فكر فيه غيرنا، سواء كان هذا الغير ينتمي إلينا أم إلى حضارة أخرى؟

إذن كان تأليف محمد عابد الجابري لكتاب “مدخل إلى فلسفة العلوم” جوابا عن هذا السؤال، لقد أراد محمد عابد الجابري من خلال هذا الكتاب أن يجعل طلبته والقراء عموما يمارسون المنهج النقدي في ميدان المعرفة، ميدان العلم.

إن تجديد العقل العربي أو تحديث الفكر العربي لا يمكن أن يتم بمجرد الدعوة، بل لا بد من ممارسة جديدة للمعرفة، فالفكر العربي المعاصر إيديولوجيته منقولة إما من ماضيه أو من ماضي وحاضر غيره، ليست هناك إذن مطابقة بين الفكر والواقع في العالم العربي، وهذا ما يجعل الفرد العربي يعيش نوعا من الانفصام، فذاته هي دوما خارج ذاته، البعض منا يجد ذاته متحققة في التراث العربي الإسلامي فيتخذه إيديولوجيا للحاضر والمستقبل، والبعض الآخر يجد ذاته متحققة في فكر الغير فيتخذ منه إيديولوجيا لحاضره ومستقبله.

يعتبر محمد عابد الجابري في كتابه “نحن والتراث” أن مقدمة بن خلدون تجربة الحضارة العربية الإسلامية على مختلف الأصعدة، السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فمقدمة بن خلدون إذن هي الحضارة العربية الإسلامية، تقدم نفسها في صورة مكثفة.

صحيح أن بن خلدون كان هو نفسه جزءا من هذه الحضارة، ولكنه يتميز عن غيره من المفكرين السابقين له بكونه عاش في فترة قلق جعلته يعي أن العالم بصدد تحول جذري، فهذا الوعي الذي حصل له مكنه من فصل ذاته عن الحضارة العربية الإسلامية والنظر إليها كموضوع، من هنا جاءت تحليلاته علمية، بمعنى أنها تطمح إلى أن تقدم الأشياء بدون الاندماج فيها عاطفيا أو إيديولوجيا.

ولذلك، فنحن ملزمون بالرجوع إلى ابن خلدون سواء انصرف اهتمامنا إلى الحضارة العربية الإسلامية كدول ومجتمعات واقتصاد، أو كان شاغلنا الحضارة العربية كفكر وثقافة، فابن خلدون لا يقدم لنا المادة وحسب، بل يقترح نوعا من القراءة لهذه المادة، قراءة واعية بأسسها ومنهجها، ليس المهم أن يكون ابن خلدون قد أصاب في هذه النقطة أو أخطأ في تلك، المهم أنه حاول أن يضع فهمه للحضارة العربية الإسلامية خارج منطقة الصواب والخطأ، أي خارج النظرة المعيارية.

فالصواب عنده هو ما كان، والصواب عنده هو أن نفهم ما كان على الشكل الذي به كان، فقد أتى محمد عابد الجابري ب”القطيعة الإبستمولوجية” مع التراث، فهو يقترح قراءة جديدة للتراث، لأن الفهم العربي المعاصر للتراث هو إما يقع داخل التراث نفسه، فهو فهم تراثي للتراث، وما يقع خارج التراث مرتبط بإطار مرجعي بعيد عن هذا التراث، وبالتالي فهو ينظر إليه نظرة إثنوغرافية، كما يفعل الباحث الأنثروبولوجي في حياة الشعوب البدائية، فما يريده محمد عابد الجابري هو اقتراح قراءة جديدة للتراث تجعل هذا التراث معاصرا لنفسه ومعاصرا لنا في ذات الوقت.

*باحث بمركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Simo
    السبت 12 ماي 2018 - 16:31

    نقد الثراث في الظرف الحالي للامة اصبح واجب وليس فقط دعوة

  • عبد الرحيم فتح الخير
    السبت 12 ماي 2018 - 18:16

    أنا مع القطيعة المطلقة مع الماضي فإذا كنا نلبس ثياب الغرب ونأكل طعام الغرب وتداوى بعقاقير الغرب فلنعش كما يعيش الغرب فليس من المعقول أن نشتري شاحنة ألمانية ونكتب في مؤخرتها هذا من فضل من ليس له فيها فضل .

  • kamal
    السبت 12 ماي 2018 - 18:51

    يا أخي العزيز هاته ليست بقراءة في كتاب نحن والتراث بل هي مقاطع من كتب الراحل الجبري قمت بعملية كولاج لها ودون حتى أن يكون هناك خيط منطقي ناظم لها.

  • Ait talibi
    السبت 12 ماي 2018 - 22:40

    Je pense que l'une des idées importantes dans le projet d'Aljabri est celle d'appeler les chercheurs à parler de la spécificité de l'expérience philosophique du maghreb et de l'andalousie. En tant que marocain, je pense que la culture arabe est une des sources de notre culture mais non la source unique. Reconnaitre le soi qui constitue l'identité marocaine est l'une des tâches premières qui nous aidera à s'affirmer dans notre monde et permettra aux marocains de réveiller en eux l'esprit de la créativité.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط