قصص الكنوز المطمورة تضع "هواة الأساطير" أمام المساءلة القانونية

قصص الكنوز المطمورة تضع "هواة الأساطير" أمام المساءلة القانونية
الإثنين 5 ماي 2025 - 05:00

تعد ظاهرة البحث عن الكنوز من الظواهر الاجتماعية التي تقاوم العقل، لكنها تحجز لنفسها حيزا في قلوب الطماعين، كما تفرض نفسها في أركان المخيال الشعبي الذي يتشابك فيه السحر بالدين والخرافة بالواقع، والفقر بالأمل والحقيقة بالوهم.

قبل 3 أيام أوقفت السلطة المحلية بجماعة بوقرة ضواحي مدينة وزان، بناء على إخبارية ويقظة عون سلطة، أربعة أشخاص ينحدرون من مدينة سلا كانوا بصدد التنقيب والحفر بحثا عن كنز مزعوم وسط مدشر ودوار نائي في إقليم وزان. ووفق المعطيات التي جرى تداولها فإن الموقوفين حلوا بالتجمع السكاني على متن سيارة تحمل ترقيما يحيل على أن المركبة في ملكية الدولة M –rouge في خطة تروم التمويه ورفع الشبهات.

تحت أشعة الشمس، وفي وضح النهار، شرع الأفراد الأربعة في الحفر بالاستعانة بمعاول بحثا عن “كنز” قد لا يكون له أثر سوى في مخيلتهم، غير أن فطنة عون السلطة المحلية أجهضت هذه المغامرة الغارقة في الطقوس الأسطورية، ليتم اقتيادهم إلى مخفر الدرك والتحقيق معهم والاستماع إليهم في محاضر رسمية تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

من الجنوب الشرقي إلى شمال المملكة تنتشر قصص “الكنوز المدفونة”، حيث تروي شهادات شفهية غير موثقة أن بعض هذه الكنوز تعود إلى عهد ملوك الرومان القدامى، في حين تنسبها روايات أخرى إلى عالم الجن و”فقيه” يفك طلاسم لفتح أبواب رزق مغلقة.

ظاهرة متشابكة

محمد بن عيسى، دكتور باحث في علم الاجتماع، قال إن “ظاهرة البحث عن الكنوز تعد من الظواهر الاجتماعية الراسخة في عمق المخيال الشعبي المغربي، وقد حظيت باهتمام عدد من المؤرخين والأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين، من أمثال ابن خلدون، والحسن بن محمد الوزان (ليون الإفريقي)، وبول باسكون، وغيرهم”.

وأضاف بن عيسى، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذه الظاهرة لا تنفصل عن البنية الذهنية والرمزية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الواقع والأسطورة، الدين والسحر، الطموح والفقر”.

وأورد الباحث في علم الاجتماع أن “الاعتقاد بوجود كنوز مدفونة – غالبا ما يقال إنها تعود إلى الجن أو إلى عهود غابرة من الرومان أو البرتغاليين أو حتى ملوك محليين – يشكل تمثلا جماعيا تتداخل فيه الثنائيات المتناقضة: المقدّس والمدنّس، الواقعي والمتخيّل، الرمزي والعجائبي”.

وشدد المتحدث ذاته على أن “الكنز ليس مجرد معدن ثمين مطمور في باطن الأرض، بل هو أيضا تمثيل حلم بالغنى الفجائي، والارتقاء الطبقي السريع، والخلاص من الفقر والحرمان”، مبرزا أن “هذه الظاهرة تحديدا تنتعش في الأوساط الهشة التي يتعاظم فيها حضور الخرافة والأسطورة”.

نصب واحتيال

قال بن عيسى: “لا يُمكن فصل ظاهرة البحث عن الكنوز عن أشكال النصب والاحتيال التي تجد في هذه الأرضية المخيالية والمجتمعية تربة خصبة للنمو؛ فوسط الإيمان بقدرة بعض ‘العرافين’ أو ‘الشوافات’ أو ‘الفقها’ على استحضار الأرواح أو التواصل مع ‘خدام الكنوز’ يصبح من السهل التلاعب بعقول البسطاء وسرقة أموالهم تحت ذريعة ‘فتح الرزق’ أو فك الطلاسم”.

وتابع الباحث ذاته بأن “البحث عن الكنز ليس مجرّد ممارسة هامشية أو طيش أفراد، بل هو مرآة تعكس هشاشة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، واختلالات في التوازن بين العلم والخرافة، وبين الحلم والواقع”، خاتما بأن “دراسة هذه الظاهرة تتجاوز الطرافة السطحية لتلامس عمق الأزمة الرمزية والاجتماعية في بنية المجتمع المغربي”.

القانون الجنائي

تبت المحاكم الابتدائية على الصعيد الوطني في عشرات الملفات المتعلقة بقضايا البحث عن الكنوز، إذ تجرم مجموعة القانون الجنائي المغربي التنقيب عن الكنوز، حيث يتحدث الفصل 528 عن أنه “كل من عثر على كنز، ولو في ملك له، ولم يخطر به السلطة العامة، في ظرف خمسة عشر يوما من يوم اكتشافه، يعاقب بغرامة من مائتين إلى مائتين وخمسين درهما”.

أما “من عثر على كنز وتملكه، كله أو بعضه، دون أن يصدر له إذن بذلك من الجهة القضائية المختصة، حتى ولو كان قد أخطر به السلطة العامة، فإنه يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من مائتين إلى مائتين وخمسين درهما”، تورد الفقرة الثانية من الفصل 528 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

ويحاط نقاش ظاهرة البحث عن الكنوز بستار كثيف من الكتمان والتخفي لا يختزل في حفرة على عمق أمتار ولا تعويذة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات تلامس الفقر والتهميش وهشاشة الوعي، كما يمتد الأمر إلى الكشف عن توتر بين العلم وسحر الأسطورة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • سملالي
    الإثنين 5 ماي 2025 - 05:12

    الكنوز سواءا كانت معادن نفيسة او غيرها تبقى ملكا للدولة او للشركات التي تنال رخص تنقيب من وزارة المعادن وتشغل يد عاملة وفق قوانين منضمة.

    لا ننسى ان هاته الشركات المنجمية تستثمر أموال طائلة من دراسات وابحاث علمية جيولوجية وتقنية.

    نمتلك شركات ناجحة كمناجم واحيانا هناك شركاء مغاربة مع كنديين / بريطانيا/ استراليا سواءا عن طريق الأموال او الأسهم وهذا تطور مهم في هذا المجال…

  • مغربي
    الإثنين 5 ماي 2025 - 05:49

    الكنوز هي اللتي يحاول تبون استخراجها حاليا من سلطنة عمان

  • أبو الخير
    الإثنين 5 ماي 2025 - 05:57

    إذا كانت قضية الكنوز مجرد خرافة وأساطير لماذا إذن يتم إعتقال هؤلاء الأشخاص كلما تم ضبطهم أثناء عملية الحفر لتتم محاكمتهم طبقا للفصل 528 من القانون الجنائي المغربي ؟ ما دام أن هناك نص قانوني يعاقب المتورطين فلا يمكن باي حال من الأحوال إنكار وجود الكنوز في باطن الأرض.

  • مواطن
    الإثنين 5 ماي 2025 - 06:32

    الدول المتقدمة هادشي عندهم عادي جدا..خذ الجهاز و قلب حتى تشبع غي بعد من المآثر التاريخية و الاضرحة ..ولي لقا شي حاجة بصحتو..المخزن عندنا مريض خليو الناس يبحثو في ارض الله الواسعه..الدولة خصها تحارب الجرائم لي ممكن تكون فهاد المجال بحال استغلال الاطفال اما الهواية فكل واحد حر

  • ايت
    الإثنين 5 ماي 2025 - 08:07

    الكنوز والبخروااارض والسماء والهواء هي لفئة محظوظة ولا يجوز لغيرها تملكها هده الفئة هي فوق القانون وتنهب كل شيء جهارا نهارا …

  • sameer
    الإثنين 5 ماي 2025 - 08:27

    الكنوز موجودة في باطن الارض او مخبأة ففي القران تكلم الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف في قصة موسى والخذر في الصور ألذى أراد ان يقيمه نحن كل شيئ ملك للدولة

  • MUSTAPHA MEKRAMI
    الإثنين 5 ماي 2025 - 08:34

    القانون المغربي يعترف بوجود الكنوز في الأرض ويعاقب من تحصل عليها أو لم يبلغ بها.وأنتم تقولون خرافة ونصب واحتيال ؟؟؟؟؟؟؟

  • حدو
    الإثنين 5 ماي 2025 - 08:41

    إذا كانت هذه الكنوز مجرد خرافة ، علاش القانون يعاقب من وجد الكنز ولم يصرح به للدولة؟ إذن المسألة هي استحواذ على المعادن النفيسة التي أصلا لا يستفيد منها أحد سوى الشركات الأجنبية وخزينة الدولة.

  • مغربي
    الإثنين 5 ماي 2025 - 08:48

    لنفترض جدلا ان هناك كنوز تحت الارض و حراسها من الجن و هؤلاء المنقبين على ما اظن لن يغامروا بانفسهم من اجل الحفر دون نتيجة .
    لمادا لا تقوم الدولة بتاطيرهم و منحهم كافة الرخص للتنقيب كما يحدت مع شركاتت الغاز و النفط و المناجم مع ادراج حصة من المستخرج لهم .

  • corleonne05
    الإثنين 5 ماي 2025 - 11:08

    الكنوز موجودة لمن سخرها الله له وهناك كتير من الأشخاص استفادوا من هده الكنوز. من جهة تانية هناك تعرف من طرف الامن على المنقبين على الكنوز اللهم في الاضرحة والمقابر هنا يجب تدخل الامن ومعاقبة الجناة وأما في الخلاء او في ملكك فلا يجب على الامن التدخل في هدا الأمر ويجب أن يكون هدا الأمر حق مشروع. كفى من الحكرة والغولة. واتركوا الناس تسترزق الله . انها هواية كالصيد او تسلق الجبال او اي رياضة أخرى. وانتهى الكلام

  • "طلامس" الجن والانس
    الإثنين 5 ماي 2025 - 11:36

    ظاهرة الكنوز معقدة (ليس فقط ف المغرب: مصر نموذجا)، تتداخل فيها عدة عوامل: تاريخ وتراث، اغتناء دون عناء، احتيال وجرائم اخرى ممكنة. لدى فعالمها مبهم وغامض مضلم لا يلجه الا من كان له استعداد لذلك. وفعلا تتردد قصص من اغتنى منها مثل من ساعفه حظ اللوطو. هذا التعقيد يجعل الجميع في حيرة منه: الدولة والافراد والمجتمع، يحلمون بالاستفادة منه ويتهمون من استفاد. وطالما لم يوجد توازن في التمييز بين مصلحة الكنوز ومفسدتها فان الامور ستبقى متروكة للاعتباطية والانتهازية والغموض ازاء ممتلكات وطنية رمزية او ملموسة معرضة للضياع.

  • البجعدي
    الإثنين 5 ماي 2025 - 13:22

    الكنز الحقيقي الذي لا يفنى هو العقل المستنير والفطنة الوقادة، بهما وحدهما يستطيع الإنسان أن يقتنص كنوز الدنيا. تأملوا قصة مارك زوكربيرغ، الذي انطلق من فكرة بسيطة خطرت بباله في غرفة جامعية متواضعة، ليُنشئ منصة فيسبوك التي غيرت وجه التواصل الإنساني، ويصبح اليوم مالكًا لعشرات المليارات من الدولارات. لم يكن زوكربيرغ يحمل خريطة لكنز مدفون، بل كان يحمل عقلًا مبدعًا وفطنة استثنائية.
    وإليكم مثالًا آخر يجسد قوة العقل المبدع: إيلون ماسك، الذي لم يبحث عن الذهب في باطن الأرض، بل باع فكرته الأولى ‘باي بال’ مقابل 33 مليار دولار. بهذا المال والرؤية المستقبلية، أسس ماسك شركات رائدة في مجالات مختلفة، من السيارات الكهربائية إلى استكشاف الفضاء، لتتجاوز قيمة هذه الشركات اليوم مئات المليارات من الدولارات.
    في المقابل، نرى الفاشلين الذين يقضون أعمارهم في البحث عن كنوز وهمية، يصولون ويجولون البلاد بحثًا عن ثروات جاهزة لا تتطلب منهم سوى ساعات من الحفر والعناء الجسدي. يتجاهلون حقيقة أن الكنز الحقيقي يكمن في تطوير الذات، وصقل المهارات، وإطلاق العنان للعقل المبتكر. فالعقل هو المنجم الذي لا ينضب.

  • إستخراج الكنوز
    الإثنين 5 ماي 2025 - 14:25

    الكنوز المستخرجة من باطن الأرض إذا إستعمل فيها الشعوذة والأطفال الزوهريين وغيرها من الجرائم التى يعاقب عليها القانون فهى ممنوعة أما إذا إستعمل فيها بعض الآلات اليدوية مخصصة لذلك فهى حلال على صاحبها لقد سمعت أن بعض الأشخاص ممن يستخرجون الكنوز إذا ضبطوا فإنهم يتعرضون لحجز آلاتهم ويسجنوا …

  • محمد المغربي
    الإثنين 5 ماي 2025 - 20:53

    في كل بلدان العالم يكون الكنز في مِلك من عثر عليه او يكون له فيه نصيب كبير إلا في المغرب بلد الغرائب و العجائب

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة