قضية الوحدة الترابية قبل قضية فلسطين

قضية الوحدة الترابية قبل قضية فلسطين
أرشيف
السبت 19 دجنبر 2020 - 07:35

صيف 2013، تقدمت أحزاب العدالة والتنمية، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والأصالة والمعاصرة، بمشروع قانون يقضي بتجريم التطبيع مع إسرائيل من أجل مناقشته في البرلمان المغربي (قبل أن يتراجع البام عن تبنيه)… إلا أن كثيرا من الأصوات تعالت للمطالبة بسحب هذا المشروع قبل أن يتحول إلى الأرشيف في دهاليز المؤسسة التشريعية، حيث لم تتم مناقشته داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب لأسباب لم يتم إعلانها.

لكن يبدو واضحا أن تجميد هذا المشروع كان قرارا ضروريا وحكيما (أيا كانت الجهة التي تحكمت فيه)، بالنظر إلى حساسية الموضوع وتداعياته على العلاقات المغربية مع القوى الكبرى وعلى القضايا الإستراتيجية لبلادنا، وفي مقدمتها ملف الوحدة الترابية. فالعلاقات الدولية تحكمها لعبة المصالح، لذلك فإن التعاطي مع هذا الملف يجب أن يخضع لحسابات الربح والخسارة من منطلق براغماتي…وذلك ما تحقق فعليا عندما أعلن بلاغ الديوان الملكي الصادر بتاريخ 10 دجنبر 2020 عن قرار تاريخي بخصوص العلاقات مع إسرائيل، يقضي بـ”استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية في أقرب الآجال”.

إسرائيل ليست عدوا مباشرا للمغرب، ولم يثبت تورطها في أي عمل يستهدف استقرار بلدنا أو تهديد أمنه الداخلي. كما أن اليهود المغاربة – بمن فيهم المواطنون الإسرائيليون- تجمعهم علاقات وطيدة ببلدهم الأصلي. أما على المستوى الإقليمي فإن قطار التطبيع انطلق فعلا، سواء بالواضح أو بالمرموز؛ فما معنى أن يظل المغرب خارج السياق الإقليمي، بينما المعنيون المباشرون بالصراع مع إسرائيل “يهرولون” تباعا نحو التطبيع؟.

إن إعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل ليس مفاجئا، بل جاء متأخرا جدا، بالنظر إلى السياق الإقليمي والدولي، وما يرتبط به من تحديات ومخاطر تفرضها الخريطة السياسية الجديدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على دول المنطقة. وبغض النظر عن طبيعة وحجم المكاسب التي سيجنيها المغرب سياسيا واقتصاديا بعد هذا القرار، فإن هذه الخطوة كانت ضرورية لأن العلاقات مع إسرائيل ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى سنة 1994 عندما تم افتتاح مكتبي اتصال بين البلدين قبل إغلاقهما سنة 2002… وبالتالي فإن الخطوة المغربية الجديدة لا يمكن اعتبارها تطبيعا بالمعنى الذي ينطبق على ما قامت به دول أخرى مؤخرا، بل هي عملية استئناف لعلاقات كانت قائمة منذ 26 سنة.

ثم إن الأنظمة “العربية” نفسها باتت مقتنعة بأن إسرائيل أمر واقع وعدم الاعتراف بها لن يحل قضية فلسطين، وبات ما يسمى “الإجماع العربي” مجرد وهم إيديولوجي. ولم تعد هذه الأنظمة تجد حرجا في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل؛ كما فعلت دول الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان، لتنضاف إلى كل من مصر والأردن.

القرار المغربي إذن لا يمكن اعتباره “تطبيعا”، لأن بلدنا ليس في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. أما هذا المفهوم فقد تم استيراده من الشرق، ونجح اليساريون والإسلاميون في التسويق له حتى أصبح مرادفا للخيانة والعمالة والصهيونية، وجعلوا منه بعبعا للتحكم والترهيب والتهديد؛ وذلك في إطار “توطين” القضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، وتحويلها إلى أولوية رسمية وشعبية.

وقد تعودنا في المغرب على النضال والتضامن مع ومن أجل الآخرين، وتعودنا على استدعاء قضايا غيرنا ومنحناها وسام “الوطنية”، وتبنيناها إلى حد التماهي؛ فقد كنا دائما فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، وعراقيين أكثر من العراقيين، وعربا أكثر من العرب… لذلك فإن شعار “تازة قبل غزة” الذي بدأ يردده البعض خلال السنوات الأخيرة له ما يبرره فعلا. ويبدو أن قرار استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل هو تجسيد لهذا الشعار الذي كان نشطاء الحركة الأمازيغية سباقين إلى رفعه وترديده في كثير من المناسبات. وها هي الدبلوماسية المغربية تنتهي إلى أن مصلحة المغرب ينبغي أن تكون أولوية الأولويات وفوق أي اعتبار آخر.

عندما نقرأ بلاغ الديوان الملكي عن عودة العلاقات المغربية الإسرائيلية نجد هاجس “تازة قبل غزة” (أو لنقل: الصحراء قبل فلسطين) حاضرا بوضوح؛ فقد تزامن هذا القرار مع توقيع الرئيس دونالد ترامب مرسوما رئاسيا يقضي باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب الكاملة على كافة الصحراء المغربية… لذلك تحدث الديوان الملكي عن القرارين معا في البلاغ ذاته.
وبالرغم من أن اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء هو في عرف القانون الدولي يعد قرارا سياديا، واستئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل هو قرار سيادي أيضا… فإن الربط بين القرارين لا يحتاج إلى كثير من النباهة والذكاء؛ وتلك هي شروط

الممارسة السياسية كما تفرضها العلاقات الدولية التي تتأسس على صيغة “رابح- رابح”… ومن حق المغرب طبعا أن يبحث عن مصلحته الخاصة، لأن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية الكاملة على الصحراء يعد انتصارا كبيرا للدبلوماسية المغربية، ومنعطفا جديدا في تاريخ ملف وحدتنا الترابية، وذلك نظرا لقيمة وقوة الحضور الأمريكي في صناعة القرار الدولي وتوجيهه.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فلا أحد من أحرار العالم يتفق مع السياسات الصهيونية التي تنتهجها إسرائيل في حق الفلسطينيين، والضمير العالمي مطالب برفض الممارسات الإسرائيلية بشدة، وذلك لأن فلسطين تعتبر قضية إنسانية. أما المغاربة فهم متعاطفون وجدانيا مع الفلسطينيين، وليسوا في حاجة إلى قوانين تمنعهم من التطبيع مع إسرائيل، لأنهم غير معنيين بالموضوع أصلا، لكنهم معنيون بحماية أمنهم الداخلي، والدفاع عن وحدتهم الترابية، وصيانة نسيجهم الاجتماعي والثقافي قبل كل شيء…

‫تعليقات الزوار

6
  • Amaghrabi
    السبت 19 دجنبر 2020 - 10:38

    شكرا الاستاذ محمد على هذا المقال الرائع المنطقي والواقعي ويحث على الاهتمام بمصلحة الوطن اولا واخيرا,والحمد لله جميع كتاب في نافذة كتاب واراء ناقشوا الموضوع بوطنية صادقة وعبئوا شعبنا ليهتم بقضيته اولا تحت شعار”تازة قبل غزة”,فالاسلاميون والقومجيون العروبيون المزورون انتهت اوهامهم وانتهى تزمتهم وجمودهم الفكري العاطفي الذي يستعمل قوالب فكرية مجهزة اكل عليها الدهر وشرب ,

  • من تاريخ أشلحي
    السبت 19 دجنبر 2020 - 14:25

    الى امغربي . ذكر صاحب الارتيكل ، ان فلسطين كانت ضحية اولائك الذين هاجروا من هنا ومن هولاندا كذلك . نعم لتازة والحرية لغزة .

  • Hassan
    السبت 19 دجنبر 2020 - 15:50

    ربط قضية وحدتنا الوطنية و التطبيع حرمنا من فرحة اعتراف دول عديدة و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء .

  • sahraoui
    الإثنين 21 دجنبر 2020 - 10:09

    يقول الكاتب “صيف 2013، تقدمت أحزاب العدالة والتنمية، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والأصالة والمعاصرة، بمشروع قانون يقضي بتجريم التطبيع مع إسرائيل من أجل مناقشته في البرلمان المغربي ……………. لم تتم مناقشته داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب لأسباب لم يتم إعلانها.
    لكن يبدو واضحا أن تجميد هذا المشروع كان قرارا ضروريا وحكيما………..”

    بالله عليكم أجيبوا عن الأسئلة التالية:

    كيف تكونوا مع عدم مناقشة مشروع قانون كان وراءه 90% من ممثلي الشعب؟

    يقول الكاتب “لكن يبدو واضحا أن تجميد هذا المشروع كان قرارا ضروريا وحكيما”
    هل كان للمغرب أن ربح إعتراف أمريكا بالصحراء المغربة لولا مثل هذه الأصوات التي تدعوا إلى مقاطعة الصهاينة؟

  • SIFAO
    الثلاثاء 22 دجنبر 2020 - 09:28

    العلاقة بين الدول علاقة مصالح ، والقرار السياسي تتحكم في الاوضاع الجيوسياسية للدول ، لذلك لا يدهشك تغير موقف دولة من قضية 180 درجة في وقت وجيز قياسا على المصلحة منه ، قول الكاتب ان تعليق او تجميد التصويت على القرار كان قرارا حكيما بالنظر الى الوضع الاقليمي في 2013 الذي اتسم بحراك شعبي ، عنيف احيانا ، في دول شمال افريقيا والشرق الاوسط ، والآن ابح الوضع مناسبا للمراجعة وتغيير الموقف ، لان المصلحة الوطنية تقضي ذلك …

  • الحسين
    الثلاثاء 22 دجنبر 2020 - 23:45

    لا وجود للوطنية في الإسلام ايها الاستاذ.
    الاستعمار الفرنسي والبريطاني هو الذي صنع هذه الحدود التي يقدمها بعض منا يظن أنها من السماء.
    أما قضية فلسطين فهي جزئ من ديننا وعقيدتنا
    كمكة والمدينة فهي أرض للمسلمين جميعا ولا يجوز لأي حاكم مسلم أن يتنازل عنها للصهاينة.
    فان لم نستطيع أن نحررها حاليا بسبب من الاسباب لكن لا يجب أن نهديها للصهاينة .ونبارك لهم ونستقبلهم بالحليب والتمر ….
    وقد حررها المسلمين من الصليبيين ورخصو دماءهم وأموالهم لنصرة فلسطين والقدس ومسجد الأقصى المبارك.

صوت وصورة
بوحسين .. نقاش في السياسة
الأحد 11 أبريل 2021 - 22:07 1

بوحسين .. نقاش في السياسة

صوت وصورة
الصحراء المغربية وفرنسا
الأحد 11 أبريل 2021 - 11:59 18

الصحراء المغربية وفرنسا

صوت وصورة
مشروع "سيتي فوت" بالبيضاء
الأحد 11 أبريل 2021 - 10:19 15

مشروع "سيتي فوت" بالبيضاء

صوت وصورة
وزير الفلاحة في تافراوت
الأحد 11 أبريل 2021 - 09:10 94

وزير الفلاحة في تافراوت

صوت وصورة
جمعية ضحايا الاعتداءات الجنسية
السبت 10 أبريل 2021 - 20:57 5

جمعية ضحايا الاعتداءات الجنسية

صوت وصورة
غرق في شاطئ الجديدة
السبت 10 أبريل 2021 - 19:16 10

غرق في شاطئ الجديدة