كولر الصحراء

كولر الصحراء
الثلاثاء 28 ماي 2019 - 23:17

“حتى أعظم حتان البحر ليس لديها أي قوة في الصحراء” كونفوشيوس

أعلن كولر استقالته من تدبير مفاوضات ملف الصحراء المغربية، كما سبق لغيره من الوسطاء أن استقالوا، فالصحراء ملف معقد وعنيد، تختلط فيه تموجات التاريخ وصمود الجغرافيا، وحتى المصالح تتقاطع بشكل لا يمكن معه إيجاد حل دون المرور على شفرة حادة.

لماذا إذن كولر أعلن استقالته؟ هل حقا الوضع الصحي هو السبب؟ وإذا كان ذلك، لماذا تأخر هذا القرار حتى يومه؟ أم أن كولر صاحب التربية الدينية، الحامل لمشاعر تجربة اللجوء وشهادة آلام الحرب، وعبأ المعاناة الحقيقية قبل الوصول إلى موقع رئيس دولة، قد فضل الاستقالة من ملف الصحراء بدل إعلان الفشل؟

إن رؤساء الدول لا يقبلون الفشل إلا بتطويع من خلال المرض أو أشياء أخرى، وكولر شخصية ذات مراس صعب، عانى من عدم وجود رؤية جريئة للأمم المتحدة في ملف الصحراء الذي ظل في دهاليزها يراوح مكانه، أو على الأقل رؤية واضحة للأمور، ثم عانى بسبب اختلاف مصالح وحسابات ومواقع الأطراف، وعانى كذلك بسبب تباين الرؤى بين السياسي المغرب والعسكري الجزائر.

فالجزائر مثلا لم تكن دولة إلا بعد الاستقلال، وحين حصلت على استقلالها، انتقلت السلطة بها إلى يد الجيش، وأصبح الجهاز الإداري كله وسيلة في يد نظام عسكري، في حين النظام السياسي في المغرب فهو مختلف، بني على ملكية منفتحة، حيث كان الحسن الثاني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي يصنع في المغرب دولة حديثة بمؤسساتها وأجهزتها، بدءا بالعهد الملكي، إلى دستور 1962 ودستور 1970، وصولا إلى خلق الأجهزة وبناء المؤسسات الدستورية، السياسية والمدنية والثقافية كما العسكرية، قد تكون على مقاسه ولكن في آخر الأمر هي مؤسسات دولة، قبل بالصراع في مجال السياسة، حين رحب بالمعارضة كقوة سياسية، تارة يقمعها وتارة يغض الطرف عنها، بينما كان الجيش في الجزائر يقبض بقوة النار على كل مفاصل السلطة، وإلى يومنا هذا مازال الخلاف مع الجيش، لذلك من الصعب أن ينجح الحوار بين دولة مدنية سياسية في المغرب لها جيشها، وبين جهاز عسكري في الجزائر له دولته.

ويبدو أن كولر أصبح مدركا لهذه الصعوبات، بل فهم جيدا أن لموريتانيا وجبهة البوليساريو دور محدود في هذا الحوار الغير المتكافئ، لذلك كان عليه أن يخرج المفاوضات من المجال الرباعي “المغرب، الجزائر، موريتانيا والبوليساريو” إلى المجال الثنائي المباشر “المغرب والجزائر” وليبحث آنذاك على لغة الحوار بين المدنيين في المغرب والعسكريين في الجزائر.

لنكون صريحين وواضحين، ونقول أن الجزائر التي تختفي وراء جبهة البوليساريو، هي الطرف الحقيقي في مواجهة المغرب، فهي تتعامل مع قضية الصحراء بعقلية عسكرية لخدمة أهداف جيواستراتيجية مرتبطة بتصفية حسابات تاريخية أو امتدادات جغرافية للمحيط الأطلسي، وأما موريتانيا فقد ظلت تسبح بين المواقف والمواقع والمفاوضات التي لا تعنيها.

أما المغرب فظل يتعامل مع قضية الصحراء كموضوع وطني، وقضية إجماع وامتداد طبيعي في التاريخ والجغرافيا والإنسانية، ويتعامل معها كمدخل رئيسي لبناء المغرب العربي اقتصاديا وأمنيا ومؤسساتيا، بينما الجزائر تجد في ملف الصحراء وسيلة لتلبية رغبة الهيمنة، وللحد من قوة المغرب جغرافيا، وتطويقه شرقا وجنوبا على شاكلة البرتغال، والحد من دوره في المغرب العربي، بل تحجيمه دوليا ودبلوماسيا بقوة البترول والدولار.

لذلك، وجد كولر نفسه أمام هذا الخليط الذي لا يمكن معالجته باتفاق فريد، لكون الدبلوماسي والسياسي عموما يرى في الاتفاقات والتنازلات عملية سياسية طبيعية، بينما العسكري فيرى في التوافقات انهزامات عسكرية حتى ولو تمت بشكل سلمي، لاشتغاله بمنطق إما الاستسلام أو الانتصار، عكس منطق المغرب “عطاء وأخذ”، وهذين المنطقين مختلفين، لذلك وضع كولر أمام سؤال حارق، إذ كيف له وهو السياسي المعتز بألمانيته، الذي تربى في أحضان الكنيسة، المنتمي لدولة تمنحها قوتها الاقتصادية نوعا من الثقافة السياسية المستقلة، أن يتعامل مع كل هذا الخليط؟

في الحقيقة، لقد اشتبكت أمامه الخيوط، تارة تجد منطلقاتها في أمريكا، قبل أن تنتهي في فرنسا، وتارة أخرى تتحول من جنوب إفريقيا لتجد نهايتها في العالم العربي وأخيرا في الخليج، وكل ذلك جعل كولر يشعر بأنه يضيع الكثير من الوقت والجهد، وفي آخر المطاف سيجد أن كل ما فعله هو المزيد من تعقيد هذا الملف.

لذلك تجد أن كل الوسطاء الأمميين ضيعوا الكثير من الوقت فقط ليستوعبوا الخلاف، وحينما يكتشفون أنه خلاف وهمي، يستقيلون، لذلك مهما استهلكت قضية الصحراء من وقت، ومن وسطاء سابقين، وآخرين لا حقين، فستظل قضية وهمية، عصية الفهم على الآخر، أما بالنسبة للمغرب، فهو على الأرض، يملك التاريخ ويسير فوق الجغرافيا بخطى ثابتة، على عكس من يقطن في تفاصيل خطط سياسية لكن بعقلية عسكرية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • محمد
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 09:46

    الذي يخاف من استفتاء حر ونزيه لا يملك حق ولا حقوق تارخية الوهمية التي فندتهم المحكمة الدولية. فلا يمكن سرقت ارض الغير بسم البيعة المصطنعة ومسرحية خاطري ولد سعيد الجماني وتلتها مسرحية مسيرة الامية رافعة ريات امريكا والقران مرفوع بيد النفاق لهضم حق الشعب مسلم و جار

    اما الجزائر فموقفها واضح يتماشى مع قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي. وتاخر حل قضية الصحراء الغربية تقف من ورائها فرنسا حامية العائلة العلوية ليبقى المغرب الحديقة الخلفية للمصالح الفرنسية ضامنة عرش الوراثة للعائلة على رقاب الشعب المغربي

    اما قول ان الجزائر لم تكن فيها دولة فهذا يدل على نفاقكم والكذب على التاريخ
    تاريخ الدولة الجزائرية في عهد نوميديا تحتى حكم الملك ماسينيسا الجزائري يعدو الى سنة 202 قبل الميلاد وتلتها من بعد عدة دول من بينهم الدولة الجزائرية في عهد الفنقيين والدولة الجزائرية الرستمية ….

    .

  • وناغ
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 18:05

    الى المعلق رقم 1
    1 انك تطالب بالمستحيل
    2 تطالب بالاسفتاء في ارض ليست لك
    3 المغاربة ليسوا بلداء
    مادا تعني بالاستفتاء
    تعني انك داءما انت الرابح
    ادا كان الاستفتاء لصالح المغرب
    فانك ستبقى دائما هناك
    وادا كان الاستتاء لصالحك
    فستبقى هناك ويخرج المغرب
    ادن
    انت الرابح في كلتا الحالتين
    هل هدا ما تسميه الا ستفتاء
    المغرب مستعد لاجراء استفتاء
    في مالي او تشاذ او النيجر او بوركينا فالسو
    ان هم ارادو الانضمام الى المغرب
    اما ما تطالب به انت
    فانك تحلم

  • zaki
    الخميس 30 ماي 2019 - 09:03

    السلام عليكم
    ردي على صاحب التعليق محمد في بلاد المغرب العربي تاريخيا لم تكن هنالك دويلة اسمها " الجمهورية الصحراوية الوهمية" وتاريخيا موريتانيا مغربية إذن الصحراء مغربية لكن المحتل الإسباني هو الذي أبادكل روابط إنتماء الصحراء للمغرب وحرف كل شيء . المغرب تعرض للإحتلال الفرنسي والإسباني وقتها تقسم المغرب وعليه مواجهة محتلين. كما أن المغرب ارتكب أخطاءا تاريخيا لاتغتفركان عليه أن يطالب بتحرير كل أطراف المغرب مرة واحدة وليس منطقة بمنطقة . يا أخي أليست تيندوف مغربية ؟ فرنسا ضمت مناطق من المغرب وتونس إلى الجزائر لأنها كانت تؤمن بالجزائر الفرنسية .
    فالجزائرلها أطماع في الصحراء المغربية ,سأعطيك دليلا قاطعا لماذا طالبت الجزائروالبوليساريوبتقسسم أقاليم الصحراء . خائن من يقبل بتقسيم بلده المغرب. الإستفتاء يستحيل تطبيقه ويجب ترسيم الحدود وإعادة المنطقة إلى جغرافيتها الأولى وهذا مستحيل .
    من يعرقل إيجاد تسوية للمشكل أليست الجزائر.أما البوليساريو فهي كالدمية ولا تملك قرارا و لارأيا . الجزائرتسعى جاهدا أن يبقى الوضع كما هو عليه لأنها تدرك أن تكوين دويلة مستحيل .

  • ب.مصطفى
    الخميس 30 ماي 2019 - 12:56

    ورد في النص تحليل لموقف البعتاث الامم الى الصحراء يقول صاحب النص :"لذلك تجد أن كل الوسطاء الأمميين ضيعوا الكثير من الوقت فقط ليستوعبوا الخلاف" الامم المتحدة ليست غبية ان تحل مشكل في سنة او عشر او عشرين وانما تركت الامر على حاله ومع التقادم سيصبح لجبة بولزاريو مجتمع محترم القضية في عدد سكان في تندوف عليه ان يتطور سياسيا وديموغرافيا وان اقتضى الحال ارضيا في احتلال بعض الجيوب هذا هو سبب تأخر حل مشكل الصحراء الجزائر تعلم ان تاخير حل الصحراء دواء لنظامها ولبقائها على السلطة كان عليها ان تدافع عن هذا اللقيط باي ثمن ماهي الحلول؟ لنكن عقلاء الجزائر خسرت ملايير الدولارات وهي لاتريد ان تخرج "بخفي حنين" وكذلك على المغرب ان يقدم شيئا للجزائر مثلا تعويض مادي على مدة زمنية او السماح له ان يبيع نفظه في المحيط الاطلسي لمدة زمنية يتفق عليها البلدين عندي ملاحظة على المغرب ان لا يضيع الفرص الان حان المغرب ان يضغط على الجزائر لتسوية المشكلة نهائيا اما الصحراء او مساندة المعارضة وتقويتها اعلاميا وماديا كما قال المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني "كبرها تصغار"

  • عبدالله
    الخميس 30 ماي 2019 - 13:24

    إلى 1 – محمد
    أنت رائع يا محمد
    الإخوة في المغرب بعد أربعين سنة يبدو أنهم لا يفقهون شيئأ في العقلية الجزائرية
    و قصتهم ما عساكر الجزائر كقصة الحجاج ابن يوسف مع قومه
    الحجاج كان يعرف أن قومه لا يحبونه كثيرا
    الحجاج ترك وصية إلى ابته تبين الطريق الذي يريد الحجاج أن تسلكه جنازته.
    لما توفي الحجاج أخرج الابن الوصية فوجد أن الطريق الموصى به يمر على بعض البيوت فبدأ بهدمها عندها قال القوم
    الله يرحمك يا الحجاج
    ما لم تفعله انت فعله ابنك

  • محمد
    الجمعة 31 ماي 2019 - 05:00

    ارفعو الحواجز عن مخيمات تندوف :
    -المغرب حرر صحراءه من الاستعمار الإسباني عن طريق المسيرة الخضراء الرائعة ، مسيرة القرن
    -مؤشرات التنمية في الأقاليم الصحراوية ، تفوق وبكثير مؤشرات التنمية في الجزائر نفسها ، والكثير من الحواضر المغربية .
    -أوصى المغرب ، كما ورد في تحليل الاستاذ ، المؤسسات الدمقراطية المنتخبة ، والتي تقول بواجبها في التسيير والتدبير .
    -المطلوب اليوم هو فك الحصار الذي تضربه الجزائر على مخيمات تندوف ، وسوف ترون كيف سيتسابق المحتجزون للدخول الى المقرب لتنفس مناخ المحبة والحريّة والاخوة .
    – الجنرالات يعتبرون اللاجئين بقرة حلوب تذر عليهم المساعدات الدولية ، حيث تتم المتاجرة وإعادة بيع تلك المواد الى الدول الافريقية .

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 3

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 2

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 2

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 8

بركة يحذر من العزوف الانتخابي