كيف تضعف التفاهة المعنويات وتنهك الروح الوطنية في لحظات الأزمة؟

كيف تضعف التفاهة المعنويات وتنهك الروح الوطنية في لحظات الأزمة؟
كاريكاتير: عماد السنوني
السبت 21 أكتوبر 2023 - 07:00

تجنّد المغاربة بمعنويات مرتفعة لنجدة ضحايا زلزال الحوز، انتشرت صور وفيديوهات القوات المسلحة الملكية والمتطوعين رجالا ونساء يقدمون كل دعم ممكن منذ صباح 9-9-2023. وفجأة، طفا فيديو شبان وشابات يقضين الليلة في الجبل، حيث مر الزلزال. يتثاءبن ويضحكن في لحظة حزينة.

حصل فيديو النوم العلني في جبال الزلزال على مشاهدة عالية وتعليقات كثيرة وجدلا أضر بنبل الهدف الذي يعمل من أجله الجميع. تتعارض التفاهة والمنجزات. تضعف التفاهة المعنويات وتنهك الروح الوطنية في لحظات الأزمة.

كيف؟

إن استراتيجية التفاهة هي لفت الانتباه على حساب المواضيع الجادة والحوادث المأساوية التي تتعرض للتجاهل واللامبالاة.

حصل التصوير في منطقة جبلية ذات تقاليد قروية. كان الشباب نائمين؛ بينما يعتبر الاستيقاظ المبكر فضيلة في البوادي. يسخر المجتمع الفلاحي المغربي من الفاشلين الذين يتوهمون أن الزمن متوفر وفائضا “اللي بغا يربح العام طويل”.

هنا صار الزمن متوفرا وفائضا. هل كان الطعام يوما متوفرا وفائضا؟

إنه متوفر للذين صاروا مستقلين أمام كاميرا في فراش نومهم ليكونوا أكثر تأثيرا من الذين يحملون الفؤوس للحفر والذين يقودون الجرافات في المنعرجات الخطرة للوصول إلى المنازل المتهدمة. حينها، لمع شاب وهو ينصح بالزواج ببنات الضحايا.

راجت شكوك حول طبيعة حملة التضامن مع ضحايا الزلزال للارتزاق بكرامتهم.

هذه الشكوك مضرة بالذين يعملون بجد وإخلاص.

عمليا، تضعف التفاهة المعنويات في كل مجال.

الجميع ينددون بانتشار التفاهة. فمن يتابعها؟

يتابعها الذين يبحثون عن التسلية.

إن الفرضية المدفونة هنا هي أن التافهين مضحكون.

تغذي الكاميرات والميكروفونات النرجسية.

نرى عشرين ميكروفونا تحت فم ينتج التفاهة. يحظى المحتوى التافه بمتابعة كبيرة. المحتوى التافه عبارة عن فاكهة معطوبة تترك عفونتها في فم من يتناولها. حين تطول رفقة الحماقة تنتقل من مستهلكها إلى مزاج من يستهلكها. هذه هي الحقيقة؛ لكن الفرضية المدفونة هي أن التافهين مضحكون.

كل منتج محتوى مؤثر يعلن: أنا رائع ولا أحد مثلي، وهذا رأيي فيما يجري. هذه بروباغندا شخصية لأشياء زائفة. يعبر الفرد عن مشاعره الشخصية علنا، ويريد تعميم الحكم بها. عن مثل هذا النوع قال جورج برنارد شو: “سامحه، فهو يعتقد أن عادات قبيلته هي قوانين الطبيعة”.

طيب، التافهون مضحكون. العقلاء مملون.

هل تريد أن تكون تافها مضحكا أم مملا؟

تضعف التفاهة واللامبالاة المعنويات.

بينما كان المخرج الكبير ستانلي كوبريك يصور فيلما عن حرب فيتنام في أستوديو حيث مئات الممثلين والعاملين، انتقد سلوك أفراد فريق التصوير السينمائي ونتائجه قائلا بأنه “إذا ادعى المرء أنه لا مبال فإن ذلك يضعف المعنويات” (سيرة كوبريك، فانسن لوبروتو، ص 509).

التفاهة واللامبالاة حالة نفسية معدية تقود إلى الفشل.

لقد كثر تقاسم كتاب يتحدث عن التفاهة. أتجنب قراءة الكتب التي تتداول بكثرة لكي لا تنمّط منظوري. أبحث في كتب مختلفة. مثلا، يقول المؤرخ والضابط البريطاني جون غلوب في كتاب “أسباب سقوط الإمبراطوريات والدول العظمى”، إن “التفاهة هي رفيقة التشاؤم: دعونا نأكل ونشرب ونمرح؛ لأننا سنموت غدا”.

إذن، لا داعي لنجتهد ونخطط ونحتاط، يكفي أن نمرح لأن التفكير “همّ”.

تتغذى هذه التفاهة من الفكر اليومي الذي يميّع كل مشروع وكل طموح باستخدام لغة ضحلة “كخرير اللغة الجوفاء”(مهدي عامل، “نقد الفكر اليومي”، الأعمال الكاملة دار الفارابي، بيروت ط2 1989. ص21).

بغرض التخلص من عبء الواقع.

يشكك الفكر اليومي في كل شيء، لا يقترح حلا ولا يقدم بديلا، هذه هي العدمية… وقد وجدت فرصة هائلة في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

إن الشك المجاني مدمر والعزيمة ضرورية لأي مشروع ينجزه الفرد أو الدولة.

منذ سنوات، تفانى من يتظاهرون بالذكاء ويفتخرون بالعزلة في السخرية من مشروع بناء القطار فائق السرعة ومن ترشح المغرب لتنظيم المونديال. والآن؟

سينظم المونديال في المغرب.

هل سينجح هكذا تلقائيا؟

لا،

لا بد من تمويل وتخطيط وتعبئة وطنية.

فكيف سيتحقق ذلك ليكون المغرب مكتفيا بذاته ينتج تنمية واقتصادية وبشرية حقيقية عادلة؟

لا مكان للتفاهة في الإجابة عن هذا السؤال.

وحدها الجدية ستحقق طموح المغاربة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • الاحمدي
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 07:04

    التفاهة هو السلاح الدي يستعمل لمحاربة كل القيم والمبادئ من أجل خلق جيل بلا أخلاق

  • مسلم
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 07:25

    التفاهة الحقيقية هي التي نعيشها اليوم.اشخاص لا ثقافة و لا علم أصبح لديهم متابعين بالملايين .يتكلمون في السياسة و الرأى العام بدون علم و حتى الصحة. لديهم قنوات في اليوتيوب . التفاهة يجب محاربتها و اعطاء القيمة للمثقفين و الباحثين و علماء الإسلام.

  • Abdelhak
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 07:45

    هناك أناس ليس لهم ضمير إنساني ويبحثون عن الظهور ولكن في المكان الخطأ دون أن يدركوا ذلك والسبب هم أنهم تافهون حقا.

  • محمد بوطمزين
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 08:29

    لا ننسى ايضا ان الاعلام العمومي واخص بالذكر التلفزة هي الاخرى في بعض برامجها تكرس التفاهة بلا حسيب ولا رقيب

  • مجهول
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 08:39

    لسخرية القدر يحارب والعلم و الاستاذ و يكرم التافه. انه عصر التفاهة

  • بشير
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 08:40

    التفاهة في منصات التواصل الاجتماعي رفعت رايتها عاليا لانها وجدت من العقول الفارغة من يتغذى عليها. انشر اي موضوع فيه تشويق فارغ وستجد الملايين يستهلكونه بشهية. وأحيانا يضاف الي التفاهة البهتان والكذب والكثير يصدق ذلك بل ويتبناه كعلم ويدافع علية دون أي حس نقدي.
    عندما يتقهقر الوعي وتقل الثقافة فاضحك على القطيح ايها الذئب كما يحلو لك.

  • محمد
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 09:03

    اصحاب التفاهة أشخاص عدميون فاشلون منعدمي الظمير أصحاب النقد الهدام و التدخل فيما لا يعنيهم يضرون و لا ينفعون.أجارنا الله من تفاهاتهم التي لا يجنون من وراءها إلا المعاصي و وفقنا الله بالقول السديد لصلاح الأعمال.

  • العقول المختلة
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 09:05

    الثقافة المغشوشة لا يمكن أن تصنع إلا عقول مختلة التي تهوى إلا التفاهة وتنعكس في أفعالهم وسلوكياتهم هؤلاء هم الذين ظلموا كلمة الحرية يريدونها حرية التفاهة حرية غش وخداع وفاحشة ويفعلون أشياء لا تخطر على الإنسان العاقل .
    أفكارهم مضرة بالنفس والمجتمع.
    هؤلاء يتصورون بأن يفعلوا مايشاؤون ويجهلون أن الحرية لا ضرر ولا ضرار ،لا ضرر على النفس ولا ضرر على الآخرين.
    أصحاب العقول المختلة يشيعون اليأس في الناس.
    *ولقد كرمنا بني آدم * هذا التكريم مرتبط بشيئين هما أساس الحرية: العقل والأمانة. يضبط أفعاله وأخلاقياته وسلوكياته ويعيش بضوابط معينة.
    أساس الحرية أن يكون الإنسان عبدا لله.

  • fariss
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 09:21

    ماأحوجنا لمثل هذه الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي سئمنا من التفاهات والخزعبلات وفقدنا الثقة في يوم ما ان يعودوا التافهين الى رشدهم .

  • سعيدة
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 09:43

    لو كانت عندنا مدرسة تعلم الاطفال الاعتماد على العقل بدل النقل و تعلمهم حرية التعبير و ابداء رايهم بكل حرية لانتجت هذه المدرسة جيلا واعيا يفرق بين الغث و السمين بين التافه و الجدي .و بما ان هذه التفاهات تجد متابعين فلم يتوقف المؤثرون عن نشر تفاهتهم انه مبدا العرض و الطلب

  • عبد الله
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 09:47

    اعن أبوهريرة، قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة

  • هناك إنجازات لكن بسيطة
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 11:08

    قمة التفاهة أن يشتري المغرب قطارا فائق السرعة من فرنسا بدون إشراك للصناعة المغربية لا محركات و ولا قاطرات و لا حتى العجلات. هذه ليست استراتيجية بل خنوع للمستعمر كما لو أننا في سنة 1912. كل مشاريع الطاقة و تحلية الماء إلخ مبيوعة للخارج و مع ذلك نحتفل باستقلال المغرب كل سنة. ماهذا؟ قمة التفاهة بيع البحر لإسبانيا. و قمة التفاهة إشغال الناس بكرة منفوخة فقط. ألمانيا و فرنسا و أمريكا و الصين و حتى إسبانيا يهتمون بالكرة المنفوخة لكن في حدود. الأهم العمل على مجانية و جودة التعليم و البحث و التطوير و الصناعة. هناك إنجازات لكن بسيطة مثلا إدخال الإنترنيت الذي عرى كذب جل السياسيين. الإنجازات ضعيفة مقارنة بالإمكانيات. دول مثل كوريا كانت فقيرة و صارت غنية لأنها اهتمت بالشعب أكثر من حسابات أبناك المستفيدين من استيراد كل شيء. حتى القمح يضطرون المغاربة لاستيراده. ها هي التفاهة فهل من مهتم بتحسين الوضع؟

  • Amal
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 12:50

    عندما يغلب منطق الربح السريع على ارادة التنمية الحقيقية و عندما تغلب الأنانية على قيم التضامن و عندما يهجر الكتاب و يزدهر اللغو،، و أينما غابت الجدية فهناك مشاتل للتفاهة

  • مواطن2
    السبت 21 أكتوبر 2023 - 12:56

    العالم يعيش حاليا زمن التفاهة.. تصوروا شخصا يقضي 8 ساعات في اليوم في عمل شاق لا يجني وراءه ما يكفيه لتغطية ابسط الضروريات وشخص آخر يحترف مهنة لا تحتاج الى علم او معرفة لا تكلفه الا زمنا قليلا يجني وراءه الملايين..لا اريد تسمية الانشطة التافهة التي تعود على اصحابها بالملايين احتراما للقارئ… والكل يشاهدها يوميا عبر مجالات متعددة .التفاهة اصبحت حرفة مربحة. ربما ابتعدت عن الموضوع لكن الصلة قائمة…اليوم شاهدت فيديو عن الاجرة اليومية للبعض اضعفها لا يقل عن 10 ملايين في اليوم الواحد.

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 8

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة

صوت وصورة
تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 18:00 1

تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية