لعنة "AI"!

لعنة "AI"!
الإثنين 14 شتنبر 2026 - 00:31

التحق بمركز مجموعة مدرسية، ليستلم تعيينه النهائي، مؤملا أن يصادف موقعا جغرافيا تغطيه شبكة الاتصالات، لولوعه الشديد بالفضاء الأزرق والإبحار عبر تضاريسه!

سأل المدير، وهو يتأمل إسم “تغادرا” ؛ المدرسة التي سيتعين عليه الالتحاق بها:

“..قريبا ولا بعيدا..”

المدير ينزع نظارته:

“ماشي شي بعد كبير…شوف..هدا اجبل لقدامنا.. المدرسة جات من موراه” ؛ وزاد أن طمأنه:

– “غادي يعجبك الموقع.. الطبيعة…و ” ، وقبل أن ينهي، نادى الحارس:

– “شوف آلعربي.. بغيتك دابا تدبر للأستاذ على بهيمة باش توصلو.. كون خفيف”

كانت الدابة تترنح به ذات اليمين وذات الشمال، وأفكاره شاردة بين ما تركه وراء ظهره، وبين ما ينتظره منه موقعه كمعلم في البادية، غير مكترث بالطريق الذي كان يتشعب أكثر كلما أوغل داخل الغابة، بين الفينة والأخرى، كان يعمد إلى هاتفه ويتأمل خطوط شبكة الاتصالات، ليقيس بها ما إن كان محظوظا أو منكودا، وما زال كذلك إذا بصدى بعيد لنباح كلاب يتناهى إلى مسامعه، فتقدم إليه العربي، ويده ممسكة بزمام الدابة:

“شوف آلأستاذ… راه حنا قرابين.. مبقا والو..”

عاد إلى هاتفه، فارتسمت على محياه أمارات التبرم والامتعاظ.

داخل بناية طينية

وسط بدوي بامتياز على النقيض من كل توقعاته القبلية، بناية من الحجر الطيني، تفوح برائحة روث البهائم، إلى جوار بئر مهجورة، وسط غابة؛ أخذ التصحر يزحف بمهل إلى جذوعها، التفت إلى العربي، لعله يجد لديه مواساة:

“..كيفاش.. الكوري مدرسة…!”

العربي يتأهب لامتطاء راحلته:

“.. صافي لمقدم الدوار راه هدر باش يجيبو ولادهم.. راه عندك في البيت ديالك شي خمسة ديال طبالي.. اقضي بيهم.. حتى يجيبو ليك الباقي..”

جال بنظره، من حوله، كان النباح ما زال يملأ الفضاء متقطعا، ما يشي بوجود مساكن قروية بالجوار، اقتعد كرسيا متهالكا هناك، وجعل يتفرس موطئ قدميه، وفجأة سمع رنين الهاتف:

“آلو…آلو..مكا نسمعكش مزيان…آلو…شكون معايا…؟”

“آلو… سي البعدي.. غير صبر..دبا تولف… آلو…كيفاش…مكا نسمعكش..”

نظر إلى هاتفيه ليجد شرطة واحدة تذهب وتختفي، ومؤشر الشحن دخل مساحة الاحمرار، فعمد إلى إغلاقه مخافة أن يجد نفسه منعزلا عن العالم ..!

مر بجواره أحد أهالي القرية يقود بقرة عجفاء، ينهال عليها بسوطه، فاستوقفه، لكن القروي بادره بلغة محلية:

“..ارمعرم وقيرا…”

“المعلم..ديال المدرسة..جيبو ولادكم..”

أخذ يتأمله بنظرات فاحصة، وكأنه يرثي لحاله، ولما هم بتواريه بين الأشجار ناداه:

“كاين شي حوانت قراب منهنا..”

“شويا بعاد.. آشنو خاصك…”

“شويا لمواد لغدائية..”

عاد صاحبنا إلى القروي يسأل عن شيء تداركه:

“واش عندكم الضو هنا..؟!”

“لا..مزال.. قالو لينا فالانتخابات.. غاديين يدوزو الخيط..”

“كيفاش كاديرو مع تلفون”

“كاين واحد كيشارجي للناس بالباتري..اعطيه مائة دريال..يشارجيه فساعة”

قدوم الزوجة والقش

أخذ الأهالي يتوافدون على “المدرسة” ، مصحوبين بأبنائهم، يغمرهم أمل في أن يكون لهم شأن مثل المنتخبين.

ضاقت بهم الحجرة، منهم من انحشر داخل طاولة بأربعة أفراد، ومنهم من اقتعد أرضا في انتظار الطاولة. كان المعلم سي البعدي يحسب للأماسي كل حساب ليتفرغ إلى هاتفه جوار تلة صخرية هناك، على مقربة من هوائي شبكة الاتصالات، ليتسنى له بكل أريحية الاتصال بذويه ومعارفه. وكان ينتهزها مناسبة كل حين ليتصل بمريم، ويتحدث لها عن لوعة اشتياقه، سيما لما أخبرته بتكتم شديد بأنها حامل في شهرها الخامس، فلم يجد بدا من الاتصال بالمدير، ملتمسا الترخيص له بيومين، ليستقدم زوجته وعفشه، فجاءه الرد سريعا على الواتساب:

“شوف آسي البعدي… أنتا يالله جديد..غادي نتساهل معك.. شوف ليك شي سبت.. واخبرني فوقاش مشيتي..وفوقاش جيتي”

داخل الشاحنة

كان إلى جوارها داخل كابينة قيادة الشاحنة، وهي تشق بهم طريقا ثلاثية محفرة، وسط أدغال غابة صخرية كثيفة، بين الحين والاخر، كانت تشتد بها حالات الإغماء، فيطلب من السائق التريث والتوقف لمهلة، لكن، ولطول الشقة والمنعرجات المتوالية، خارت قواها، ودخلت في إغماءة حادة، لم تستفق منها إلا بعد أن وجدت نفسها طريحة سرير خشن، ما زالت آثار الأتربة عالقة به، فنادت بصوت متحشرج:

“البعدي.. البعدي..البع”

كان منشغلا بحاسوبه، فأخذ يختبر فيه مفتاحا جلبه لتقوية إشارة الشبكة، وجعل أحد برامج الذكاء الاصطناعي “AI” رفيقه المقرب؛ يستشيره في كل نازلة ألمت به، فأخذت أواصر القربى تتوثق به؛ يثق به ثقة شبه عمياء، حتى ولو أشار عليه بأن يقذف بنفسه من عل ، كما عبر مازحا لزوجته مريم، ذات ليلة، وهما على”طاولة” العشاء، في ضوء قنديل خافت!

ما لهذا الحاسوب؟!

كلما تفقدته مريم وجدته منزويا في ركن بغرفة الدرس، منكبا على حاسوبه . وذات يوم بدا متعبا، وهي تدعوه إلى تناول الطعام، ولما كانت بجواره سألته في تأفف :

“آجي تغدا الاول.. من بعد رجع للبيسي..”

“غير شوية.. واحد لغطا ديال البيسي، داير ليا حريق الراس…”

“كيفاش… ياك صوبتيه..”

“مبغاش يتسد مزيان.. قالي صاحبي.. ها كيفاش ندير.. ولكن مزال.. لغطا إلى متسدش مزيان..ميخدمش البيسي..”

“واخا خليني نصور ليك لبياسا وعطيها لو باش يقول ليك كيفاش تقادها”

“قالي خصك ما تأكد بيلي مسدود..حتى يتغطاو دوك جوج نقاطي لحومر”

ترك الحاسوب جانبا، وكأنه يئس من حالته، ثم خطا خطوات خارج الغرفة، يتنسم الهواء، بينما كانت أشعة الشمس تتوارى خلسة خلف أوراق الغابة.

ليلة ليلاء !

في الهزيع الأخير من إحدى ليالي دجنبر، استيقظ البعدي مذعورا على وقع صوت صاعق، منبعث من زوجته، كانت مسترسلة في تأوهاتها، أوقد البعدي السراج في عجلة.. وجعل يتفحص وجهها، وهي ما زالت في أنينها، فسارع إلى هاتفه، وأخذ لها فيديو ليعرضه على صاحبه، فجاءه الجواب توا:

“لا.. عليك..هي إمارات المخاض.. الوجع الذي يسبق الوضع..”

“واشنو خصني ندير..”

“سخن شويا دلما.. وجد فوطا كبيرة.. واجي بين رجليها..”

“كيفاش راها كتغوت لله اللي خلقها…”

“شوف كلينيكس غليظ، ولا فوطة صغيرة.. خليها تعضها مزيان.. قولها تتعصر مزيان ”

اقترب منها، وأعينه ويداه تترقبان بلهفة ظهور “المولود” ، ما إن لاحت له زغب رأسه حتى أمسك بها، وأخذ يجذبها بقوة إلى الأمام؛ تبعا لتعليمات صاحبه؛ وفي هذه الأثناء وهو ما زال كذلك، إذا بطرقات متتالية على الباب، إنها لمولدة كان قد أخطرها سابقا..

ما إن ألقت بنظراتها على المولود، وجعلت تتفحصه حتى أخذت تولول:

“رحمتك يارب… آشنو وقع.. الله….”

ولهول المشهد، ولى البعدي متراجعا إلى الخلف بخطوات متعثرة. كانت الصدمة أعنف مما كان يتصور، ولا دار في خلده أن تؤول الأمور إلى هذه التراجيديا وبهذه القساوة.

تلة البعدي

بعد انتهاء مراسم الدفن، تنحى البعدي عن المكان، وأخذ اختفاؤه يتعاظم شيئاً فشيئا، مرت الأيام والأسابيع تباعا، والبعدي صار حديث كل أفراد الدوار، لم يعثروا له على أثر، منهم من زعم أنه رآه يقذف بنفسه من علو تلة شاهقة هناك، ومنهم من عثر على شظايا حاسوب منثورة ؛ نسبها إلى البعدي ، وهكذا غدت التلة على لسان الجميع “بتلة البعدي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • فيلم رائع
    الإثنين 14 شتنبر 2026 - 10:48

    بدلا من قراءة أطنان من الكتب حول كوارث استخدام الذكاء الاصطناعي Artificial “Intelligence “AI ، استطاع الأستاذ من خلال هذه القصة الرائعة أن يقربنا إلى كوارث استخدام الذكاء الاصطناعي، وما أكثرها في زماننا هذا، حتى أصبح يعتذر عن هفواته وأخطائه بنفسه، ويعترف بالضغط الممارس عليه أصبحت معلوماته محل تشكيك، فويل وكل الويل لمن وضع فيه ثقته كما قرأنا عن سي البعدي الذي كان مفتونا به، وبلغ شغفه به حتى أوكله على القيام بدور القابلة والمولدة، ورأينا كيف خسر حاسوبه، فبدلا من أن يغلقه حتى تظهر النقط الحمراء، أخذ يحاول تغطيتها خطأ ، كما خسر زوجته وجنينها، حذار، حذار من الاستعمال الأعمى لهذا المارد “AI”

  • Karim
    الإثنين 14 شتنبر 2026 - 13:30

    قصة ممتعة بجميع المقاييس . تجسد بحق خطورة استعمال الذكاء الاصطناعي

  • العالم في خطر
    الخميس 17 شتنبر 2026 - 19:29

    كم من الأطراف والمنظمات الحقوقية باتت تشكك في قدرات الذكاء الاصطناعي، وتعتبره أنه سيقوم العالم إلى الهاوية

  • milo
    الجمعة 18 شتنبر 2026 - 11:34

    باركا من الشكاوي…انا معلم تم تعييني 1997 في جبال تارودانت قرب جبل سيروا اصطدمت في الاول لكن بعد اسبوع على الاكثر اندمجت مع السكان والساكنة وتعلمنا تمازيغت واحترمت طقوسهم…المنطقة جبلية ووعرة يعني ثلوج امطار..تقطع الطريق يعني لا سوق اسبوعي ولا…ولكن سياحية مناخ جيد ..لا يوجد شبكة ولا الدكاء الصناعي ولا كهرباء باستثناء كهرباء المحرك الكبير في الدوار الدي يشتغل باليازيل مدة 4 ساعات فقط في البوم من 6 الى 10 مساء.كانت سنوات راءعة جدا ..خمس سنوات مرت في رمشة عين… انا المدينة الان لا زلت ادرس وبصحة جيدة وابنائي بخي والحمد لله.. تعييني هناك منحني القوة والثقة والقناعة وزرت مدن الجنوب كلها.اما الاونة يتم تعيين المدرسين في الجعة فقط ويشتكون مثل الاطفال..

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام