لنخدم الشعب

لنخدم الشعب
الأربعاء 13 يونيو 2018 - 14:53

في منتصف الطريق، يطل علينا الزمن السياسي المغربي بمسلسل جديد من المسلسلات السياسية القديمة، من دون تحقيق حلم الانتقال الديمقراطي لبناء دولة الحق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. وليس ما هو مكتوب اليوم على سبورة الحكومة من أولويات، إلا نموذجا لظاهرة طبيعة الصراع المرحلي المنحط، على ضوء تضخم الأزمة وصمت الفاعلين.

إنها حقيقة مرة تعيشها قوى التغيير في ظل الانحسار الديمقراطي اليوم، وتحوله إلى حالات مرضية، يراد منها قتل ما تبقى من الأمل لدى عامة الناس؛ ذلك أن الصراع، الذي يعبر عن نفسه بأشكال جديدة اليوم، ما هو إلا استمرار للصراع نفسه الذي شهدته بلادنا منذ عقود من الزمن. صراع بين الشعب وبين التحالف الإصلاحي اليميني، في غياب القوات الشعبية والقوى التقدمية التي ولدت من رحم الكفاح الوطني من أجل الاستقلال السياسي والاقتصادي، والنضال الممانع من أجل إرساء دعائم المجتمع الحداثي الديمقراطي، في ضوء طمس حقيقة الصراع الطبقي بمغرب اليوم ومحاولة إخفائه.

كما أن استغلال الرأي العام وتزييف الحقائق والوقائع، وشن الحرب على القوت اليومي للجماهير ومحاولة جر البلاد للهاوية، من خلال مناهج واختيارات لا شعبية، تزيد من ضبابية الفرز الحاد بين الطبقات الاجتماعية في بلادنا، وتدفعنا إلى فضح عملية الرشح الطبقي من هذه الطبقة الاجتماعية إلى تلك، ومن هذه الفئة إلى نقيضها.

وإذا كنا اليوم جميعا قد انقسمنا على نفسنا، فالخوف كل الخوف أن يكون هذا الانقسام لا يعدو توزيع أدوار من أجل اقتسام “الحلوى” التي لم ينم حجمها بتناسب مع تزايد عدد الطامعين في حصصها، ويقع لنا ما وقع لعباس محمود العقاد!

فمنذ رحيل زعيم الإنصاف والمصالحة المغربية، المرحوم إدريس بن زكري، تاركا وراءه أحلام الكبار والصغار، وتجارب العبر ومخاض التغيير الاجتماعي الذي أدى فاتورته غالية، وصلت قيمتها 17 سنة من السلب والجمر والرصاص؛ والمغاربة ينتظرون مصالحة حقيقية بين الدولة والوطن، في مسار استكمال المصالحة الشاملة والقطع النهائي مع الماضي الأليم.

ففي مسار نضاله، اختار الراحل بن زكري أن يكون في قلب التحولات العميقة لمغرب العهد الجديد، بنَفَس حقوقي وأفق اجتماعي وإنساني، يفتح الطريق لدولة المؤسسات ودمقرطتها، في حوار مفتوح مع الدولة لقيادة الجزء الأحمر من ذاكرة جيل المطالبة بالدولة الاجتماعية وبدولة المساواة والحريات..

لكن، وللأسف، بدلا من تكريس نهج المصالحة الوطنية في مشاريع الانتقال من الوجع إلى رد الاعتبار، استغل أعداء الإصلاح وضع الاستقرار للانقضاض عليه، وفتح أبواب جديدة للنهب والريع والفساد على حساب الوضع الاجتماعي للمواطنين.

واليوم، وبعد شيخوخة جيل كامل من الديمقراطيين والتقدميين، ها هي الجماهير الشعبية تنتفض لوحدها، وتصب نار غضبها على الفاسدين وناهبي الخيرات الوطنية، تعبيرا عن السخط الشعبي الرافض لسياسة أمر الواقع وفرق تسود تحت شعار “المال والأعمال والسياسة”، بعيدا عن الأحزاب السياسية والسياسيين ومن يدور في فلكهم.

ولعل ما يثلج الصدر هو فزع طبقة كاملة من الليبراليين المتوحشين، ومعهم طبقة التكنوقراط الجدد ونخب المركز، من الفعل الاجتماعي التحرري الذي تقوده “المقاطعة” كمنظومة للتغير الاجتماعي، وكقوة ضاربة للتنظيم الشعبي، وكثقافة للعمل الميداني السلمي، ضدا على مخططات ومشاريع فاشلة أعلنت عنها الحكومات السابقة والحالية، مثل أكذوبة “المخطط الأخضر”، والجميع يعرف من استفاد من هذا المخطط المخزي.

والغريب في الأمر هو بعض الساسة المعروفين في أسواق الريع الوطني والدولي، وفي البورصة السياسية والدينية والنقابية، هم كذلك يتحدثون عن الوضع الاجتماعي للمواطن البسيط، ويتغنون بشعارات كاذبة، ويتبجحون بمواقف ليست لهم، وكل هذا من احتراف الكذب والتضليل.

إن حملة المقاطعة هي وجه من وجوه مكتسبات الراحل إدريس بن زكري الذي أرسى النضال السلمي على أرض الواقع المغربي الملغوم بسياسة الأعيان كقوة سياسية، وهي وجه جديد من التمرد الاجتماعي ضد غلاء العيش، وتردي الأوضاع الاجتماعية وفقدان الأمل؛ وهو ما يدعونا جميعا إلى خدمة الشعب الآن وغدا..

نعم، كبرنا وكبرت معنا الآهات والأحلام، وانتظرنا الفرج طويلا، وودعنا الراحل بن زكري وأحلام جيل كامل من رفاقه وأصدقائه الذين أسهموا معه إسهاما محترما في وضع الحجر الأساس للمصالحة الحقوقية، ودعائم أوراش العهد الجديد؛ لكن يبدو أن هناك شيئا ما اعترض سبيل المصالحة الكاملة والشاملة، والانتقال الديمقراطي، والعدالة الانتقالية، وحول المسار إلى وضعية الخوف والغموض من الواقع والمستقبل، أو ربما لم يستطع الراحل بن زكري إبرام التزامات وتعاقدات واضحة مع الدولة تقر بضرورة المصالحة السياسية والاجتماعية لعموم الشعب، وليس فقط لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وللمعنيين بجبر الضرر الفردي والعائلي.

ومهما يكن، تبين في ما بعد أن للدولة أولوياتها، وأن زمن المصالحة سقط الجزء الأول منه في الماء، والجزء الثاني لم يستطع أن يحصن ذاته، بالرغم من المؤسسات التي أنشئت لهذا الغرض.

وربما يتبين اليوم للجميع، ومن دون مبالغة، أن جيل بن زكري/ جيل الإنصاف والمصالحة، وجيل أوراش العهد الجديد، وكل القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية، في حاجة إلى حوار جاد وتاريخي، من أجل ثورة هادئة تكون فيها المصلحة العليا للوطن في خدمة الشعب المغربي الذي بات مهددا بفقدان الصواب بعد أن نفد صبره.

ومن هنا ستبدأ المسيرة الثانية إلى كل ربوع الوطن هذه المرة، وفي المقدمة كل مناطق مغرب الهامش/ المغرب القروي، من أجل الحق في الثروة الوطنية والعدالة المجالية والبنيات الأساسية ( التعليم، الصحة، السكن والشغل). هذه المسيرة يجب أن يقودها جيل العدل والمساواة والحرية، من الشباب وكفاءات وأطر ونساء، “جيل الصفحة البيضاء”.

إن تنزيل هذا المعنى السياسي والاجتماعي في لبوسه الإنساني ليس بالأمر الهين. إنه يحتاج إلى إرادة سياسية من قبل الدولة، وإلى وسائط مجتمعية جديدة، قادرة على طرح البدائل ومشاريع الإنقاذ، وليس إلى تكريس واقع الأزمة بالتنابز والتراشق الحزبي المخزي.

إن الكثير من الفاعلين السياسيين لم يدركوا بعد أن الأسباب التي جعلت الجبهة الديمقراطية التقدمية ببلادنا تفشل هو غياب الإيمان بمشروع المساواة في الأوضاع كشر أول، والحرية السياسية كشر ثان. وهذا ما نريد فيه مواقف واضحة ورهانات حقيقية والتزامات مسطرة.

ولهذا وجب الاعتراف بالجهد الذي بذله كل شرفاء هذا الوطن، والوفاء لمن ضحوا بحياتهم من أجل المشروع المواطن، أولئك الذين أسهموا في إخراج البعض من الغبن واليأس والإحباط والفقر، ليصبحوا بين عشية وضحاها زعماء بفضل آخرين كانوا حطبا للتدفئة، وقنطرة عبور لمن لم يستطع أن يعبر الوديان والأنهار خوفا من الغرق.

نعم لمواجهة اليأس ومواكبة أورش إصلاحات العهد الجديد؛ لكن من موقع النضال الشريف والنبيل، وليس من موقع تكريس الاستبداد والسلطة والسيطرة.

إن سلطان المال لا بد له من الزوال مع انهيار قيمة صرف العملة، بعد موجة المضاربات المحمومة؛ وهو ما يدفع وسيدفع جماهير الشعب المغربي إلى الغضب والاحتجاج على انهيار مستوى المعيشة، إذا لم تتحمل الحكومة مسؤوليتها.

كما أن ما ينتظرنا كمناضلين هو التعبير بوضوح عن ما يقع اليوم في المغرب. إنه المفصل بيننا من أجل إعادة الثقة، ومن أجل الاستمرار في الانتماء إلى الوطن، والسير قدما نحو المصالحة، والتخلص من حكومة الحماقات، ومن احتكار الثروة والمناصب والسلطة والجاه، وإصلاح الأنظمة الحزبية ببلادنا وجعلها في ثلاثة أقطاب على الأكثر، بدل تكريس التعددية المخجلة والفاسدة، على حساب روح الوطن والشعب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • محمداحمد
    الأربعاء 13 يونيو 2018 - 17:40

    الوفاء يكون لله والوطن والشعب
    وشعب المغرب مسلم والى العروبة والامازيغية ينتسب

    شعب المغرب مسلم
    شَعْـبُ المغرب مُـسْـلِـمٌ وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ
    مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ
    أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ
    يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ
    خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهبْ
    وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ حْـسـانِ وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ
    وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ
    وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّــالـمِـينَ سُـمًّـا يُـمْـزَج بالـرَّهَـبْ
    وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ
    مَنْ كَــان يَبْغـي وَدَّنَــا فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحبْ
    أوْ كَـــانَ يَبْغـي ذُلَّـنـَا فَلَهُ الـمـَهَـانَـةُ والـحَـرَبْ
    هَـذَا نِـظـامُ حَـيَـاتِـنَـا بالـنُّـورِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ
    حتَّى يَعودَ لـقَــومــنَـا من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ

  • موحند
    الأربعاء 13 يونيو 2018 - 19:14

    نعم لنخدم الشعب بالاعمال والافعال وليس بالاقوال.
    الشعب هو انت وهو وهي ونحن.
    ماذا قدمت انت لاخوك واختك في الدم?
    ماذا قدمت لاصدقاءك?
    ماذا قدمت لحومتك ودوارك وقريتك ومدينتك?
    اخواننا واحصدقاءنا والمواطنون بصفة عامة يعيشون الهشاشة في كل شيء وماذا نقدم لهم من اعمال للرفع من مستواهم?
    وماذا قدمت وتقدم الاحزاب ومؤسسات الدولة لهؤلاء الفقراء والبسطاء وكل مواطن يعيش في الجحيم?
    اخواننا والمواطنون يقبعون في سجون الخزي والعار ظلما وعدوانا ويحاكمون محاكمات صورية وغير عادلة وماذا نقدم لهم كمواطنون واحزاب ومؤسسات?
    وكيف يحلو لنا العيد واحرار الريف والوطن وراء الحديد? وكيف يحلو لنا العيد واخواتنا ونساءنا وامهاتنا تنتهك كرامتهم امام حدود الخزي والعار سبة ومليلية كالحمالات ويتضاعف انتهاكاتهم على الاراضي الاسبانية وتمارس عليهم ابشع الاستغلال والتحرش بهن من طرف الوحوش الادمية?
    اينكم يا ممثلي الامة في بلاد امارة المؤمنين وهل انتم فعلا مؤمنون? اين الاعمال والافعال الملموسة واين تلك الثروة الهاءلة? وكفى من النزيف واستحمار الشعب الحر?

  • مغربي وسطي
    الأربعاء 13 يونيو 2018 - 22:52

    لا ادري عن اي شعب تتحدث يا استاذ ؟ اهو في جزيرة ما ام في القمر او خرج التاريخ ؟ هل بإمكانك أن تتفضل بكل جرأة و مسؤولية لتكت رسالة واضحة تقدم فيها نقدا ذاتيا لتجربة البام وما تلها بكل موضوعية ؟ هل يمكنك أن تعترف أنت ربما ومن يشاطرك هذا الرأي ونفس مسار تجربة هجينة شخصيا إلى حد الآن أتسائل عما زجكم فيها ؟

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 3

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 3

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 4

لقاء خاص | هشام رحيل

صوت وصورة
الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:51 1

الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني