مات مرتين .. في وداع زياد الرحباني صمتت فيروز

مات مرتين .. في وداع زياد الرحباني صمتت فيروز
الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 11:51

لم يكن أمس الاثنين يومًا عاديًا في بلد الأرز. بدا كما لو أن لبنان نفسه يمشي على رؤوس أصابعه، يتلمّس طريقه في العتمة نحو نعش لا يليق به إلا الصمت.

الصمت الذي يشبه صوت فيروز حين لا تغنّي، ووجهها حين لا تبكي، وجلستها الطويلة أمام ابنها الراحل بلا دمعة، بلا انفعال؛ كأنها تحتضنه بالسكينة وحدها، صمتًا في مقام الرثاء.

في كنيسة رقاد السيدة، بين زيتونات المحيدثة وأيقونات الجدران العتيقة، لم يكن الجسد المسجّى وحده هو الراحل؛ بل كانت تُشيّع حقبة كاملة من الإبداع الحزين. جلست فيروز، كما لو أنها تودّع بصمت ابنها البكر، الذي اختار أن يرحل كما عاش: مرفوع الرأس، مكسور القلب.

ودّع اللبنانيون في زياد الرحباني أكثر من فنان. ودّعوا صوتًا جريئًا كان يقول ما لا يُقال، ويحوّل الوجع إلى قهقهةٍ مرّةٍ لا تُنسى. وودّعوا العبقري الذي كتب موسيقى للغضب، وجعل من الكوميديا مرآةً للكآبة، ومن الجاز صرخةً شرقية.

دخل زياد الرحباني عالم التلحين من خاصرة الوجع. ففي إحدى المحطات الحرجة، وأثناء مكوث والده عاصي الرحباني في المستشفى إثر مرض مفاجئ، ألّف زياد، وهو لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره، لحنًا لم يُستخدم. استمع إليه منصور الرحباني، وركّب عليه كلمات أغنية “سألوني الناس”، فجعل منها رسالة من فيروز إلى زوجها الراقد في المستشفى.

الأغنية، التي غنّتها بصوت مبلّل بالحزن، أزعجت عاصي في البداية؛ لكنه تراجع أمام صدقها ووقعها. يومها، لم يكن زياد مجرد فتى موهوب؛ بل كان ابنًا دخل المعادلة الرحبانية، بإحساسه وحدسه الفني.

لم يكن مجرد امتداد لعاصي ومنصور وفيروز؛ بل كان ثورة داخل البيت الرحباني نفسه. ثورة تجرّأت على كل شيء: على التقاليد، والمسرح، والوطن. فعندما لحّن “كيفك إنت”، لم يكن يقدّم تحفة موسيقية فقط؛ بل أعاد رسم وجه فيروز بلون زمنيّ جديد، يربطها بجيل لم يكن قد وُلد بعد، يوم غنّت “سنرجع يومًا إلى حيّنا”.

ألحان وكلمات زياد التي غنّتها فيروز لم تكن مجرّد أعمال فنية؛ بل مشاهد حيّة من سيرة بلد يتأرجح بين الحنين والانكسار. من “عَ هدير البوسطة” و”عودك رنان”، إلى “سلملي عليه” و”حبيتك تنسيت النوم”، ظلّت هذه الأغاني تربط الناس بما تبقّى من رهافة في وجدانهم، وتعيد رسم ملامح وطن منهك بصوتٍ دافئ. حتى أغنيته المتأخرة “إيه في أمل” لم تكن مجرد سؤال؛ بل محاولة أخيرة لتصديق ما لم يعد يُصدّق.

قال نواف سلام، رئيس الحكومة اللبنانية، إن “لبنان كله شريك في الحزن”؛ لكن الحقيقة أن الحزن أوسع من لبنان، لأن زياد لم يكن مجرد فنان لبناني، بل كان مساحة فكرية وأخلاقية يتقاطع عندها العربي والإنساني، الهامشي والمقهور، الطريف والعميق. وقد بدا رحيله كأنّه انطفاءٌ لصوت ظلّ يعلو من بين الركام، لا من فوقه؛ صوتٌ ساخرٌ بمرارة، رزينٌ دون ادّعاء، هشٌّ لكنه لا ينكسر.

لم يكن فنانًا “ملتزمًا” بالمصطلح المستهلك؛ بل رجل موقف، يكتب ويعزف ويتهكّم لأنّ الجوع ليس مجازًا، ولأن الحرب ليست خلفية مسرحية. لم يصرخ من علٍ، بل من قلب الحارات المكتظة، من بين البؤساء والفقراء الذين يعرفهم ويعرفونه. هو من قال: “أنا مش كافر، بس الجوع كافر”، ومن حوّل أنين الوجع إلى نداءٍ أخلاقي.

استعار عنوان “هدوء نسبي” من تقارير الإذاعات اللبنانية خلال الحرب، حين كانت تصف لحظات ما بين اشتباكين بهدوء هشّ، مشروط، يمكن أن ينفجر في أية لحظة. لم تكن موسيقاه بحثًا عن سكينة؛ بل كانت هروبًا مرهقًا من الضجيج، نحو فسحة تأمل لا تبلغ الهدوء الكامل، بل تتعلّق به على حافة الخوف.

من لم يسمع مسرحيّاته في الشطر الغربي لبيروت، كان يتهجّى مقاطعها في شرقيّها. ومن لم يحضر “بالنسبة لبكرا شو؟”، كان يردّدها في مقهى، أو في بيته، أو في منفاه. من لم يفهم يساريّته انجذب إلى شفافيتها. ومن لم يَسِرْ معه سياسيًّا وجده قريبًا منه موسيقيًّا.

هكذا رحل زياد، ومات مرتين:

المرة الأولى في نهاية الثمانينيات، حين انكسر كيساريٍّ رأى سقوط الاتحاد السوفياتي وتهاوي الحلم الجماعي الذي انتمى إليه، وحين أدرك أن المشروع الذي حمله جيلٌ كامل من المقهورين بدأ يذوب أمام عينيه بلا مقاومة. فانطفأ شيء في داخله لم يشتعل مجددًا.

أما المرة الثانية، فحين انطفأ الجسد. وفي رحيله، شُيّع حلم لبنان، وصمتت فيروز.

ولو امتد به العمر حتى رأى المجاعة تُحاصر غزّة، لصرخ كما فعل قبل خمسين عامًا: “لمين عم بيموتوا ولادي؟ بأرض بلادي جوعانين”. فقد كان واضحًا في وجه الجميع، أصدق من كل من لبس الثورة وتخلّى عن الناس.

هو آخر أولئك الذين مزجوا الفن بالثورة، والمزاح بالوجع، والعائلة بالمشروع.

هو زياد، وفي وداعه، مات فينا شيء لا نعرف كيف نسمّيه.

“يا حبّذا ريح الولد… ريح الخزامى في البلد

أ هكذا كل ولد، أم لم يلد قبلي أحد؟”.

من أرجوزة قديمة ردّدتها أعرابية لولدها، واستعارتها فيروز يومًا وهي تتحدث عن زياد.

هكذا وصفت فيروز حبّها له، وما عاد للكلام مقام؛ فالصمت وحده يُجيد الرثاء حين تعجز الكلمات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • ملاحظ
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 12:16

    ما يراه العامة من بروتوكولات في الإعلام والصحافة حول جنازة زياد لا يعكس الحقيقة ، فالخلافات بين فيروز والرحابنة بالجملة منذ عشرات السنين ، كذلك الخلاف بين زياد وريما من جهة وزياد وفيروز من جهة أخرى.

  • الحقيقي
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 12:28

    مات كما سيموت الجميع كما انه وامه لم يقدما للبشرية شيء ومن يضن انهم قدمو للبشرية شيء فيجب عليه إعادة النظر في حياته

  • مصطفى
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 13:30

    مساحة غابات الأرز بالمغرب تتجاوز مساحة لبنان باكمله .. ومع ذلك يصر بعض. فقراء الهوية من المغاربة بتسمية لبنان بلاد الأرز….

  • criticool
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 13:55

    مقال جميل عبارة عن رثاء لعبقرية موسيقية استثنائية وامتداد للمدرسة الرحبانية لكن بأسلوب وأفكار موسيقية ميزته عن باقي أفراد العائلة ورغم الخلافات الأسرية وهذا شيء طبيعي يخصهم فقد كانت أم زياد أيقونة هذا الزمان فيروز حاضرة في جنازته وهي التي لازالت تهتم برعاية ابنها من ذوي الاحتياجات الخاصة وهو في سن ال60 وهذا يبين دور الأمومة لآخر رمق.

  • العابر
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 14:02

    أحببت أغاني فيروز منذ عقود و مازلت استمع إليها…. بالأمس و أنا اشاهد لقطات من جنازة الراحل زياد تساءلت لم أحس و المس شيئا من الصدق لدى هؤلاء الناس…؟؟؟ تصريحات بعض الوحوه الحاضرة من افراد العائلة أو الأصدقاء أو….تشعرك بأنهم فعلا احبوا الرجل…ويحبون وطنهم……..
    أما في بلادي -و الله العظيم -لم أحس أو المس الصدق في شخص ما فنانا أو سياسيا أو مفكرا او…..ينتابني الشك دائما حيال كل ما هو مغربي…؟؟!
    لا أظن أني مخطىء أنا الذي عرفت منذ صغري بافكار أكبر من سني كما كان يقول استاذتي و زملائي….و كم من حدث توقعت فقط بالتقاط إشارات صغيرة و تفسيرات لبعص السلوكات…غالبا ما كنت أصيب…
    اقول هذا ليس افتخارا بل دفاعا عن رأيي هنا
    مرة قال لي مفتش أكاديمي فرنسي إلتقيت به بمدينة Tulle بأننا نحن ألمغاربة تنقصنا الجدية و زاد بأنه عمل في دول عربية كثيرة و وصل لهذه النتيجة….

  • zmimita
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 15:09

    عندما يموت فنان تمجدون ما لا يمجد مع احترامي للفن. وعندما يموت عالم من علماء الامة تنسون ما لا ينسى. ولكن التاريخ لا يرحم فالحضارات يبنيها العلماء والمفكرون.

  • mohamed
    الثلاثاء 29 يوليوز 2025 - 15:56

    رغم انني اعتزلت سماع الاغاني الا انني اعترف بأن فيروز ام كلثوم عبد الحليم حافظ محمد عبد الوهاب فريد الأطرش من أساطير الأغنية العربية و مستحيل تعويضها

  • saadi aziz
    الأربعاء 30 يوليوز 2025 - 10:12

    بصراحة أكثر شيء جذبني فصاحة هذا الصحفي و أسلوبه الرائع في الكتابة لقد أبدع بكل المقاييس، لقد أعادني الى عشرات السنين المنصرمة، السنين التي كانت حافلة بقراءاتنا لكتاب كبار كالمنفلوطي و ميخائيل و العديد منهم
    احيي هذا الكاتب و اتمنى له التوفيق و الإستمرار على هذا النهج

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 5

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان