مثقفٌ في مقهى شعبي!

مثقفٌ في مقهى شعبي!
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 22:14

جلست ذات يوم في أحد المقاهي الشعبية. طلبت من النادل كوبًا من القهوة، الكثير من القهوة مع رشفة حليب، إن أمكن. أخرجتُ كتابًا من حقيبتي، ووضعته أمامي، وبدأت أقرأ وأقلّب في صفحاته.

رمقني من كان يجلس بجانبي للمرة الأولى، وولّى بوجهه نحو التلفاز. بعد مدة، تشجّع وقال:

ماذا تقرأ؟

أجبته: أقرأ كتابًا لهيجل.

فردّ: لست أعرف عنه الكثير، أتذكّر ظهوره قبل سنوات في قناة الجزيرة، كان يقدّم برنامجًا…

قلت: لا بد أنك خلطت بين هيجل، الفيلسوف الألماني، وهيكل، المثقف والكاتب المصري.

فقال: “كلهم بحال بحال.”

قلت: ماذا تقصد؟

أجاب: هؤلاء الفلاسفة والمثقفون لا يقدمون أية فكرة تخدم الطبقات الكادحة.

قلت: هذا ليس صحيحًا.

أجاب: حسنًا، ما فكرة صاحبك الفيلسوف الألماني في الكتاب الذي بين يديك؟

نطّت إلى ذهني أفكار هيجل عن الحرية، والدولة، والفكرة ونقيضها في الجدل… ثم أجبته: معك حق، ليس في الكتاب ما يستحق. ثم سألته: هل سبق لك أن قرأت كتابًا أو رواية؟

قال لي: نعم.

تابعت: ماذا قرأت؟

أجاب: «الخبز الحافي» لشكري، لكن قبل مدة طويلة، لذلك لا أتذكر تفاصيل أحداثها.

أعجبتك؟

نعم، رأيت فيها نفسي.

هل عشت حياة مثل حياة شكري؟

ليس تماما حياتي كانت مختلفة.

في التفاصيل أم المجمل؟

فيهما معا.

لماذا قلت إذن بأنك وجدت نفسك فيها؟

لأنها تعكس معاناة الطبقة المسحوقة.

آه حسنا، هل الطبقة التي تتحدث عنها يجب أن تقرأ عن نفسها في الأدب أيضا؟ ألا يكفيها بأنها مسحوقة على أرض الواقع؟

نعم يجب أن تفعل ذلك حتى لا تحس بالاغتراب.

أمن المستحيل أن تقرأ أنت رواية عن حياة رجلٍ برجوازيٍ مثلا؟

نعم يمكن، لكنها ستكون قراءة غير مفهومة، بل مملة!

إذن فالطبقات المسحوقة تقرأ عن نفسها والبرجوازيون يقرأون عن البرجوازيين؟

نعم، حتى يفهم كل ما يقرأ. هل في اعتقادك سيفهم البرجوازي معنى ألا يجد شكري كسرة خبزٍ ليأكلها؟ أو أن يتعرض للضرب المبرح والخنق من طرف أبيه؟

ربما معك حق.

على أي، القراءة بالنسبة لنا ليست سوى ترفٍ ورفاهية لا نستطيع تحمل تكاليفها. إننا نرتاح في المقهى للحظات معدودة لنعود إلى مواصلة العمل، ونرجع إلى المنزل ليلا خائري القوى لنستسلم للنوم مثل جثت ضحايا الحرب. هل سأقتطع من نومي لأقرأ عن البرجوازية؟ أم أترك ساعات عملي الطويلة لأقرأ كتابات شكري؟ وحتى إن فعلت، فماذا سأستفيد؟ هل سأحصل على علاوة في راتبي اليومي أم ستُخفض ساعات عملي؟ سأتركك يا صديقي المثقف مع هيجل أو هيكل، فلازالت تنتظرني أكياس كثيرة من الإسمنت الثقيل، والبناء لازال في بدايته.

إلى اللقاء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟